بريس تطوان
من خصائص المطبخ التطواني: والمطبخ التطواني لا بد أن يشتمل على مرفق زائد ملحق به هو “المخزن”، وهذا المخزن قد يصغر أو يكبر حسب المساحة المخصصة للمطبخ، وحسب المستوى المادي للأسرة صاحبة المنزل، وفيه تخزن المواد التي لا يكاد يخلو منها أي منزل، وهي ما يطلق عليه اسم “الغولة”، أي المدخرات من قمح وشعير ودقيق وسكر وعسل وكسكس وسمن وزبيب وزيت وزيتون وخليع ومختلف أنواع القطاني … إلخ.
ولا يمكن أن نتحدث عن المطبخ التطواني، دون أن نقف على أعمال كانت المرأة التطوانية قديما حريصة على إنجازها، وهي ما يتعلق بإعداد مستلزمات تهيأ في إبانها لكي يقع الانتفاع بها خلال السنة. ومن ذلك مثلا عمليات :
إعداد “الخليع”: وعلى ذكر عولة “الخليع”، فإن مراسيم إعداد هذا النوع من اللحم المدخر في تطوان، لها خصائص جديرة بالذكر، ومن ذلك ما يأتي:
تقوم العملية على أساس يتفاوت قيمة وكلفة حسب المستوى المادي للأسرة، فقد يذبح الثور أو العجل من أجل إعداد الخليع، وقد يكتفى في ذلك بشراء كمية من لحم الهبرة الغليظة المناسبة للعملية (القديد).
ويكون إعداد الخليع عملية مشهودة في البيت، حيث يقع الاستعداد له من قبل، بشراء المعدات (الثوم والملح والكامون والقزبرة الجافة)، فتغسل التوابل، وتعرض للشمس حتى تجف جيدا ثم تنقى من الأحجار والزوائد. كما يتم شراء كمية كبيرة من الشحم البقري الغليظ، فتنقى من الزوائد والفضلات، ثم تملح جيدا، وتتعرض للشمس حتى تجف تماما.
وفي اليوم المعد للعملية، يأتي الجزار، ويذبح الذبيحة، ثم يفصلها، ويعد اللحم قديدا، ويترك اللحم جانبا ليتخلص من الدم والماء العالق به، بينما تعمل النساء على إعداد “الشرمولة”، وهي عبارة عن كمية كبيرة من الثوم المدقوق، يخلط مع كمية من الكامون المطحون، ومثلها تقريبا من القزبور الجاف المطحون أيضا، يضاف على ذلك مقدار من الملح ومقدار ضئيل من الخل والزيت، وبعد تخليط هذه المواد، تفرك بها قطع القديد، ثم تترك لتتشرب تلك الشرمولة طوال الليل، وفي الغد تقلب كمية القديد المشرمل، وتترك من جديد ليلة ثانية، وفي اليوم الثالث، تخرج إلى الهواء الطلق لتجف، بشرط أن لا تتعرض مباشرة للشمس المتوهجة، حتى لا يجف ظاهرها دون داخلها، أما في اليوم الثاني، فإنها تتعرض للشمس، وكذا في بقية أيام تحفيفها، حتى يتم يبسها تماما، فتصبح صلبة سوداء اللون.
ثم يصل يوم “التقلية”، أي طبخ الخليع، فيتم إعلام أقرب الأقارب، لحضور الوليمة، ويشرع في عملية الطبخ غالبا بجلب “الطنجير”، وعلى ذكر الطنجير، لا بد من الإشارة إلى أنه كان بتطوان، مشهور بكراء هذه الطناجير لكل من يريد طبخ الكميات الكبيرة من الأكل، وكان هذا الشخص قزما يحمل الطنجير على رأسه، ويمر به بين الشوارع فلا تظهر منه إلا قدماه المتحركتان وفوقهما الطنجير الذي يغطيه كاملا تقريبا. وكان هذا الشخص يعرف بين الناس ب “بالك النكاس”، لأنه كان بالطنجير وهو ينادي بتلك العبارة، محذرا الناس من أن يتوسخوا بالسواد العالق بقاع الطنجير المحمول على رأسه.
ومن مستلزمات يوم التقلية أن يقع عجن كمية من الخبز بعناية فائقة، لأنها ستستعمل في ما يعرف بـ “الدوقة” لأقرب الأقارب.
ويعد الخليع، بصب الماء في الطنجير الموضوع على النار المعدة بواسطة الحطب أو الفحم، ثم تقطع كمية الشحم المملح اليابس قطعا صغيرة جدا، وتغسل، ثم توضع في ذلك الماء لتذوب فيه، وبعد غليانه مرارا، يلقى باللحم القديد الجاف بعد تقطيعه قطعا مناسبة وغسله بالماء، ويقلب القديد في الطنجير، ثم تصب عليه كمية مناسبة من زيت الزيتون والزيت العادي. وهكذا حتى يتم طبخه، بتبخر مائه تماما، حيث ينزع من فوق النار، ليهدأ قليلا، ثم يشرع في عملية تغميس الخبز الذي تم شق سطحه عدة شقات، حتى يتسرب الزيت والشحم إلى داخله، ثم ينزع ليرص في الأطباق المعدة لـ “الدوقة”.
وبعد هدوء الطنجير تماما، تتم عملية اختيار قطع اللحم، لترقيدها في ” الخابية” أو “القدرة” المخصصة لذلك، ثم يصب عليها الإدام، كما تعد قدور أو خوابي لحفظ ما يعرف بـ “التفالة” أي التفل المتكون من الشحم الذائب واللحم المفتت والتوابل المطبوخة وغيرها، ليترك الجميع محفوظا، فيؤخذ من ذلك ما يحتاج إليه طوال السنة.
ومن الجدير بالذكر في هذه العملية ما يلي:
– أن عملية إعداد الخليع تكون في شهر ماي بالخصوص، لمناسبة الجو لإعداده، ولذلك قالوا في المثل: “د ما خلع ف مايو، متلوف رايو”.
– أن اليوم الذي سيهيا فيه الخليع يكون يوم تجمع عائلي كبير، يحضر فيه أقرب الأقارب من إخوة وأبناء وأحفاد … إلخ.
– أن أهل البيت يهيئون الأواني الخاصة قبل اليوم المخصص للتقلية، أي طبخ الخليع بعد إعداده مسبقا بما يلزمه من إقامة وعملية تحفيف اللحم والشحم بواسطة أشعة الشمس، ومن الأواني: الطنجير (أي الطنجرة الكبيرة التي تسع الكميات الكبيرة من اللحم والإدام والماء)، وكذا “القدور” التي ستحتوي الخليع بعد طبخه، فيتم غسلها وتجفيفها وتغطيتها حتى اليوم الموعود .
– أنهم يقومون يوم تقلية الخليع بعجن كمية من الخبز الممتاز الذي يتم شقه وتغميسه في الإدام مباشرة بعد نزع الطنجير من فوق النار (الخبز مسياسة)، وهذا الخبز هو الذي يتم تناوله في غذاء ذلك اليوم، مع قطع لحم الخليع الطري وكؤوس الشاي المنعنع.
– أن عملية صب الزيت في الطنجير عند طبخ الخليع، لا تكون إلا على يد السيدة التي ينبغي أن تضحك، بل تقهقه عند عملية الصب، كما يصاحبها في الضحك والقهقهة كل من يحضر معها، تفاؤلا وتعبيرا عن كون ذلك الخليع سيتم تناوله خلال السنة في جو من الضحك والفرحة والهناء.
– أن السيدة المسؤولة عن وضع الخليع في القدور الخاصة به، تتعمد وضع فولة يابسة في قعر القدرة، وذلك حتى لا تضطر سيدة الدار أن تصرح بانتهاء العولة لزوجها عند الوصول إلى نهاية القدر، بل إنه يكتشف ذلك بنفسه بمجرد رؤيته لتلك الفولة اليابسة في الطبق الذي يقدم له. وذلك من باب الخجل والمراعاة من المرأة لزوجها.
– أن أصحاب الخليع لا بد أن يبعثوا إلى دور أقاربهم ممن لم يحضروا يوم التقلية، بصحن “الدوقة” الذي يضم قطعا من اللحم، مع بعض الإدام، ومع خبزة مغموسة في الإدام السخن.
– أن من يتذوق الخليع بعد إعداده من الحاضرين في يوم “الثقلية”، لأصحابه قائلا: “الله يجعلاه عولة الهنا”، أو “الله يجعلو يدام وعافية”.
العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية
ذ. حسناء محمد داود
منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة
(بريس تطوان)
يتبع…
إقرأ الخبر من مصدره