Mois : avril 2026

  • التعاضدية العامة ومؤسسة الشيخ زايد تعززان الشراكة لتوسيع الخدمات الصحية لفائدة المنخرطين

    العلم – نعيمة الحرار

    تم أمس الأربعاء 29 أبريل 2026  بمقر جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة بمدينة العرفان بالرباط، توقيع اتفاقية شراكة مهمة بين التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية ومؤسسة الشيخ زايد، في خطوة تندرج ضمن جهود تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية لفائدة المنخرطين وذوي حقوقهم.

    وقد وقع الاتفاقية كل من مولاي إبراهيم العثماني رئيس التعاضدية العامة لمنخرطي الإدارات العمومية، وعادل عبابو مدير المستشفى الجامعي الدولي الشيخ زايد، الذي أكد في كلمة له بالمناسبة أن هذه الشراكة تهدف إلى الارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتبسيط مساطر الاستفادة منها.
     
    وعن هذه الاتفاقية أكد مولاي إبراهيم العثماني في تدخله أن أهمية هذه الاتفاقية تتجلى في اعتماد نظام جديد يعفي المنخرطين من الأداء المسبق لمصاريف عدد من الخدمات الأساسية، خاصة التحاليل الطبية وفحوصات الأشعة، إذ سيتم التكفل بها بشكل مباشر في إطار تنسيق بين التعاضدية العامة و « الكنوبس »، مؤكدا أن 90% من تكلفة هذه الخدمات ستتحملها التعاضدية ، مقابل 10% تتحملها المؤسسة الصحية « الشيخ زايد » التي وصفها العثماني بالمؤسسة المواطنة، ما يعني فعليا تخفيفا كبيرا للعبء المالي الذي كان يثقل كاهل المرضى.

    وجرى توقيع هذه الاتفاقية بين رئيس المجلس الإداري للتعاضدية مولاي إبراهيم العثماني ومدير المستشفى الجامعي الدولي الشيخ زايد عادل عبابو، في سياق تعزيز التعاون المؤسساتي بين الطرفين، واستكمالا للاتفاقية الأولى المبرمة في 10 أبريل 2025، والتي شكلت محطة مفصلية في تطوير العرض الصحي الموجه لمنخرطي التعاضدية وذوي حقوقهم ، إذ أرست مجموعة من الامتيازات، من أبرزها اعتماد التعريفة الوطنية المرجعية، وإعفاء المنخرطين من الدفع المسبق، إلى جانب التزام مؤسسة الشيخ زايد بتقديم العلاجات الاستعجالية دون شروط مسبقة، مع استكمال الإجراءات الإدارية لاحقا.

    وتنص الاتفاقية الجديدة على تمكين المنخرطين وذوي حقوقهم من الاستفادة المجانية من التحاليل الطبية المخبرية وفحوصات الأشعة، في خطوة نوعية تهدف إلى توسيع نطاق الخدمات الصحية وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.

    كما تأتي هذه المبادرة استجابة لتزايد تكاليف العلاج والخدمات الطبية، حيث يرتقب أن تسهم بشكل مباشر في التخفيف من الأعباء المالية التي يتحملها المنخرطون وذوي حقوقهم، مع ضمان ولوج أفضل للعلاج في ظروف ملائمة.

    كما تم إحداث شبابيك خاصة داخل مستشفيات المؤسسة لتسهيل استقبال المنخرطين وتوجيههم، وتقديم المساعدة اللازمة، مع توفير معلومات دقيقة حول الخدمات التي لا تشملها التغطية الصحية.

    وتندرج هذه الاتفاقية ضمن رؤية شمولية تعتمدها الأجهزة المسيرة للتعاضدية، تقوم على تقريب الخدمات الصحية من المنخرطين، وتحسين جودتها، وتقليص تكلفتها، بما يضمن عدالة أكبر في الولوج إلى العلاج.

    وفي هذا الإطار، أكد رئيس التعاضدية العامة ضمن كلمته أنها عملت خلال السنوات الأخيرة على تنفيذ مجموعة من الإجراءات، من بينها رفع نسب التعويض عن الأدوية والفحوصات، وتحسين منح التقاعد والوفاة، إضافة إلى توسيع شبكة الشراكات مع مؤسسات استشفائية مرجعية، وكل هذا اعتبره العثماني تحقيقا لما التزمت به الأجهزة المسيرة للتعاضدية العامة، والتي من أبرز ركائزها تبني سياسة القرب والتحول الرقمي، وتقليص أعباء التنقل وتوفير خدمات طبية متخصصة بالقرب من أماكن إقامة المنخرطين، بما يضمن السرعة والفعالية في الاستفادة.

    ويواكب هذا المسار إصلاح رقمي طموح، يتجسد في إطلاق التطبيق الإلكتروني MA.MGPAP، الذي يتيح للمنخرطين تتبع ملفاتهم الصحية والإدارية، وحجز المواعيد، والاطلاع على الخدمات والتعويضات بشكل فوري وآمن.

    وتؤكد التعاضدية العامة، من خلال هذه الشراكة المتجددة، استمرارها في تبني مقاربة اجتماعية تضامنية تستجيب لتطلعات المنخرطين، وتسعى إلى ترسيخ نموذج متطور للحماية الصحية، يقوم على الجودة، والقرب، والعدالة في تقديم الخدمات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جيل الدرة

    رضا سكحال

    لم نعش النكبة سنة 1948، ولم نكن شهودا على لحظة اقتلاع شعب من أرضه، ولا على تفاصيل الألم الذي رافقها – النكبة – من قتل وتهجير وترويع وتزوير للتاريخ، ولم نحمل في ذاكرتنا نكسة حرب 67 بكل ما رافقها من صدمات، ولا انكسار الحلم العربي في تلك اللحظة الفاصلة من التاريخ، كما لم تلتقط أذاننا كلمات جمال عبد الناصر في حينها، وهو يقدم استقالته بنبرة حزينة، حيث عبر صوته حدود بهية، كأنه يخاطب وجدان الأمة العربية بأكملها، وكل من يجري في شرايينه دماء النخوة والشرف.

    لسنا ذلك الجيل الذي رأى بأم عينه جرائم “الهاجاناه” المروعة في حق الفلسطينيين – مجزرتي بلد الشيخ وسعسع- ولا من عاش تفاصيل “خطة دالت” الصهيونية، الهادفة إلى احتلال وتقسيم الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها بقوة السلاح والعنف، ولم نشعر بمرارة سقوط فلسطين تحت احتلال بدا أبشع من الاحتلال البريطاني، وإعلان “ديفيد بن غوريون” بشكل رسمي أن “الهاجاناه” أصبحت العمود الفقري لجيش الاحتلال، مكافأة لها على ما أقدمت عليه من وحشية وهمجية في قتل أصحاب الأرض.

    نحن جيل الشهيد “محمد الذرة”، الذي ارتمى على الأريكة ليشاهد الرسوم المتحركة حين عاد من المدرسة، فشرع في البحث عن حلقة “داي الشجاع” و”كابتن ماجد”، لكنه وجد نفسه أمام مشهد آخر، مشهد مروع لاغتصاب الأرض وقتل أصحابها بدم بارد حتى لو كانوا أطفالا، لم نهضم ما رأته أعيننا نحن الجيل المتيم بـ “روبين هود” و”عمال المداخل”، قتل طفل يحتمي بوالده، ثم سقوطه مضرجا بدمه، كان ذلك الطفل هو “محمد الدرة”، وكانت تلك اللحظة كفيلة بأن تعيد تعريف القانون الدولي في أعيننا، وقد تساءلنا جميعا في ذات اللحظة:
    أي تهديد هذا الذي كان يشكله طفل صغير لا يحمل حتى حجرا في يده؟.

    ومنذ تلك اللحظة التي شاهدنا فيها الشهيد “محمد الدرة” يسبح في دمائه ونحن نكره عنصرية إسرائيل، ونكره الصهيونية وهمجيتها، بدأ وعينا يتشكل تجاه القضية الفلسطينية رويدا رويدا، وزاد تعاطفنا مع فلسطين، فأحببنا أغصان زيتونها وشياحها، عشقنا مقدساتها، واحترمنا تنوع أديانها.

    وحين ترجل ياسر عرفات عن صهوة الحياة، ظلت صورة كوفيته لا تفارقنا، نظمنا مظاهرات حزنا على رحيله، لم نكن بذلك الوعي الذي سمح لنا بقراءة الحدث، ولم يكن بيننا مثقفين عضويين، ما حركنا ساعتها شعور فطري بالغضب والحزن على رحيل واحد من أصدق رجال العرب، رجل ظل محاصرا وسط مكتبه دون أن يهب العرب لنجدته، وحين رحل عن عالمنا رفرفت بيانات التعزية والمديح.

    صمتت جامعة الدول العربية، ولم نفهم صمتها لصغر سننا ووعينا كذلك، انتظرنا ردا مزلزلا، لكن الزلزال حدث داخل أعماقنا حين شاهدنا صورة صدام حسين مشنوقا، والهمج يعبثون ببغداد الحضارة، والمرتزقة يرقصون بفرح مصطنع وسط شوارع العاصمة العراقية.

    ازداد حقدنا وغضبنا، لكنه سرعان ما تحول إلى وعي بالقضايا العربية والإنسانية، ثم إلى استيعاب مفهوم حركات التحرر العالمية، ثم إلى تبني تصور علمي ينهل من ذلك القاموس الذي غزى أوروبا كشبح خرج من الظلام إلى النور إبان القرن التاسع عشر، حاملا على كتفيه قضية تحرر الإنسان من أغلال الإمبريالية.

    ارتدينا الكوفية الفلسطينية ذات الصفوف البيضاء والسوداء بوعي، لم تكن بالنسبة لنا ولكل من يرتديها مجرد وشاح أو غطاء للرأس، بل إرثا ثقافيا ضاربا في جذور التاريخ، ملطخا بدماء من قاوموا الانتداب البريطاني، وهوية لشعب ظل صامدا كجبل تحدى جميع الهزات العنيفة وكل ارتداداتها.

    نحن جيل الشهيد الدرة والشهيدة إيمان، التي ارتقت وسط قماطها وعمرها لم يتجاوز الشهرين، نحن الجيل الذي شهد رحيل “عرفات” وحيدا بجسم هزيل وصمود كبير، ونحن الذين غنينا مع السيدة “جوليا بطرس”، ونادينا معها عن العرب حتى بح صوتنا، وناشدنا الجيوش العربية عساها تهب لنجدة أرض فلسطين، ورددنا مع “محمود درويش” “حاصر حصارك لا مفر”، نحن الجيل الذي حمل معه خيبة حنظله وصدى صرخة “الحكيم حبش”، وأوجاع مداد “غسان كنفاني”، نحن الجيل الذي ما زال ينتظر أن يعود إلى حيفا.

    نحن الجيل الذي أحب “ليلى خالد” من البطولات التي قرأها عن امرأة شوهت وجهها لتنخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، نحن الجيل الذي تبنى وصية “أمل دنقل” بحذافيرها، ونحن الجيل الذي سيبقى كارها للظلم وللاستعمار، رافضا لتفتيت الدول، واقفا في وجه كل المخططات الصهيو/أمريكية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « قرْبالة » في باب دكالة


    سمير عزو

    عندما قدّمت مؤخرا مجموعة من اليهود بلباس ديني، على أداء “صلاة تلمودية” استمرّت نحو 15 دقيقة، أمام سور باب دكالة التاريخي في مدينة مراكش، كانت هذه المدة وجيزةً وكافية لإثارة لغَط كبير بين المواطنين في ربوع البلاد، بعدما تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، وانقسم حولها الرأي العام.

    فمَن اعتبرها “ذات دلالات رمزية قد تتحول إلى ما يشبه الحائط المعروف في القدس بـ”حائط المبْكى” أو “حائط البراق”، وهي بالتالي استفزاز يمسّ بمشاعر المغاربة”. أصحاب هذا الرأي، في خطوة رمزية أيضا منهم، نظّفوا المكان الذي أقيمت فيه هذه الشعائر، التي قدّروها على أنها “لا مسوِّغ لها في فضاء عمومي إلا بترخيص قانوني”.

    ومَن كيّف الأمر على أنه “غير ذي أهمية، ما دام اليهود يشكّلون مكوّنا أصيلا في المجتمع المغربي، الذي يعتقد بحرية التّدين والاعتقاد”.
    بين هؤلاء وأولئك، بين المحافظين المناهضين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأولئك التقدميّين أصحاب شعار “تازة قبل غزة”، ومن خلال مبرّراتهم، يمكننا طرح التساؤلات التالية:

    إذا كانت هذه “الصلاة” مستفزّة لمشاعر بعض المغاربة المسلمين، فلِما يغيب هذا الاستفزاز عند الاحتفالات، التي تقام في مراكش عند كل شهر محرّم، في ذكرى عاشوراء مقتل الإمام الحسين بن علي سِبْط النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)؟(1)

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لكن لماذا لم يقصد هؤلاء المصلون كنيس “كليز”؟ هل تشابهت عليهم الأسْوار والحيطان كما تشابهت على من قبلهم البقر؟ هل يدخل أصلا هذا التّصرف ضمن حرّية الاعتقاد؟ ثم ما مبرّر الخوف على باب دكالة، فلو كان سيتحوّل إلى “حائط مبكى” جديد، لكان “باب المغاربة” في القدس كذلك!

    ما موجب تنظيف السور اليوم؟ ألم يكن يدعو للتنظيف من قبل؟ هل أصابته نجاسة أم أنّه الخوف من سحر “الكبالة”؟ أليست العقول أولى بالتنظيف من جدار السور الذي أقيمت أمامه تلك الطقوس؟ ثم إذا كان “الفضاء العمومي” هو مبرّر انزعاج البعض، فلِما يُغلق المسلمون بدورهم الطرقات في شهر رمضان، من أجل إقامة صلاة تراويحهم؟ لماذا باء البعض تجرّ وباء البعض الآخر لا تجرّ؟ من وراء هؤلاء “المتعبّدين” ومن رخّص لهم بذلك؟ لكن في المقابل، هل تكمن المشكلة فعلا في سور “باب دكالة”، أم تتعدّاه لما هو أعمق؟ أليس التراث الديني نفسه حافلا بالتثاقف والإسرائيليات؟

    توجد عدة فرضيات تاريخية، تؤرّخ لأول تواجد لليهود في المغرب، منها تلك القائلة بأن غالبيتهم ينحدرون من موجات هجرة اللاجئين اليهود، الذين وصلوا إلى سواحل شمال إفريقيا خلال القرن السادس قبل الميلاد، بعد تدمير مملكتهم “يهوذا” عام 586 قبل الميلاد (خراب الهيكل الأول) من طرف الإمبراطور نبوخذ نصر الثاني. وبعد وصول الفتح الإسلامي إلى المغرب في نهاية القرن السابع الميلادي، عاشوا تحت “قانون الذمة”، الذي كان يلزمهم بأداء الضرائب “الجزية”، ويمنعهم من تقلّد مناصب إدارية في الدولة، إلا أنهم كانوا مستشارين في البلاط السلطاني وتقلدوا مناصب سفراء خارج البلاد. هذا فضلا عن دورهم الجوهري داخل المنظومة الاقتصادية، حيث كرّسوا خبراتهم في مجال التجارة والحرف خاصة. ثم توالت هجراتهم إلى المغرب بعد سقوط الأندلس عام 1492، هروبا من اضطهاد “محاكم التفتيش”، وبعدها هجرتهم خلال الحرب العالمية الثانية، إلى أن بدأت هجرتهم من المغرب بحلول سنة 1967، حيث غادر نحو 250,000 يهودي نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فكانت وجهة العدد الأكبر منهم إلى إسرائيل. بذلك ارتبط تاريخيا خروج اليهود من المغرب بعملية “ياخين”(2).

    إبان ضعف الدولة الإدريسية وباتالي نشوب الصِّدام بين قبيلة “مغْراوة” وقبيلة “بني تميم”، أدى ذلك إلى التّنكيل بيهود مدينة فاس، ما اضطر البعض منهم إلى إعلان إسلامهم من أجل تجنّب بطش المغراويين، فكانوا يسمّون “بلْديين” أو “إسلاميّين”.

    قصّة بني إسرائيل كما يرويها لنا القرآن الحكيم، تراوحت بين تعرّضهم لبطش فرعون مصر وجُحودهم لسيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام، حيث عرفوا بـ “عقْدة البقرة” أو ما يتداوله المغاربة في حديثهم إذا ما استعصى أمر ما قالوا: “ما هي وما لونها؟”، إلى التّيه أربعون سنة إثم عبادتهم العجْل.. قصة طويلة لا تنتهي، والفريد منها قصتهم مع باب آخر يسمى “باب حِطّة”، قال تعالى: “وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” سورة البقرة 59(3). عندما ذهبوا إلى بيت المقدس، وأمرهم الله تعالى بالدخول من باب منحدر، وهم ساجدون متواضعون شكرا لله على نعمه، ثم يقولوا: “حطّة”، لكي يغفر الله ذنوبهم ويسترها عليهم، لكن بعضهم بدّلوا القول فحقّ عليهم الشتات والعذاب.

    لكن هل هذا يعني أن غيرهم من أصحاب الديانات السماوية هم في خير وسلام!؟

    فإذا كان من ناحية الفُرْقة، فإن النصارى قد افترقوا إلى 72 فرقة، والمسلمون إلى 73 فرقة، بينما افترق اليهود إلى 71 فرقة. وإذا ما تعلّق الأمر بعاشوراء (كما يسميها المغاربة “قرْبالة”)، فإن حاخاماتهم ينكرون تواجد أيّ علاقة بين العاشر من محرم وعيد الغفران عندهم، في حين يعيّد بعض المسلمين في نفس يوم الطّفّ وما جرى بكربلاء، بدعوى أنه “يوم نجّى الله موسى من الغرق”. وإذا كان اليهود قد عبدوا عجلا واحدا من ذهب، فغيرهم يقدّسون مئات البشر من لحم وعظم، بحجّة أنهم “عُدول”…

    إننا لسنا هنا بصدد الانتقاص من أحد؛ لأن “الناس صنفان: أخٌ لك في الدين أو شقيق لك في الخلق” كما يقول الإمام علي ابن أبي طالب، بقدر ما نحن نحاول تكسير تلك الأبراج العنصرية العالية، التي يعتليها محافظون “إسلاميون” (بالمفهوم السياسي) وقومجيّون يسفّرون العقول إلى ساحات ليست بساحتنا(4). أجل، ربما قد يكون شعار “تازة قبل غزة” دعوة للنّأي عن بُؤر التّوتّر، تماما كما يقولون عن “الأيْرنة” (إيران)، في أمل بناء وخدمة بلادنا أوّلا.. بل أقول: مراكش قبل أمّ الرّشراش (إيلات)، لأنه كما في محكم التنزيل: “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ” سورة الأنفال 75 وسورة الأحزاب 6، وقال: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” سورة الشعراء 214.

    المشرّع المغربي بدوره، في تصدير دستور 2011، نصّ على “إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص”، وذكر من بين روافذ الهوية المملكة المغربية: العبرية.

    لقد وجب التمييز بين النجاسة المادية والمعنوية، كما في قوله تعالى “إنما المشركون نجس” سورة التوبة 28، إذ ذهبت أغلب التفاسير إلى أنها نجاسة معنوية. لذلك يستغرب الكثيرون من تصرّف غسل مكان إقامة الصلاة اليهودية في سور باب دكالة، حتى قال الناشط “الأمازيغي السوسي” في مداخلة له على منصات التواصل: “لو يُقْبل يهود كآخرون للصلاة في أسوار وأماكن أخرى، كي تكون دافعا لهؤلاء كي ينظفوا مواضع أخرى ويقدموا خدمة لبلادهم”(5).

    وعلى نفس المنوال، بدا ضروريا “غسل” العقول من الفكر العنصري، والتفريق بين اليهودي والصهيوني، قبل التفكير في إثارة “قرْبالة” في باب دكالة.

    الهوامش:

    (1) أنظر مقالنا “إزدواجية الخطاب الإسلامي: مفترق طرق عاشوراء نموذجا”، جريدة هسبريس، 17 أكتوبر 2015.

    (2) عملية قام بها الموساد الإسرائيلي بين 1961 و1964 من أجل تهجير حوالي 97,000 يهودي مغربي لإسرائيل، وتم ذلك من طنجة والدار البيضاء عن طريق فرنسا وإيطاليا.

    (3) قال الطبري في تأويل قوله تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ”، هي القرية التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغدا حيث شاؤا فيما ذكر لنا: بيت المقدس. حسب الرواية: “حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبد الرزاق قال، أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: (ادخلوا هذه القرية)، قال: بيت المقدس”.

    فقال تعالى: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب.

    “وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا”، أي لباب الذي أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل: هو باب الحطة من بيت المقدس. ذكر ذلك: “حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ادخلوا الباب سجدا) قال: باب الحطة، من باب إيلياء، من بيت المقدس”.

    وقال أبو جعفر: وأصل “السجود” الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو “ساجد”. قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ، كي يحط الله عنكم خطاياكم.

    القول في تأويل قوله تعالى: “نَغْفِرْ لَكُمْ” يعني نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم.

    (4) أنظر مقالنا “عن التّسْفير وتغييب العقل”، جريدة هسبريس، 10 يونيو 2019.

    (5) الأمازيغي السوسي، “بين نجاسة المشرك ووسخ الواقع.. كيف تلاعب الكوفيون بالدين في واقعة مراكش”، 23 أبريل 2026 (على اليوتيوب).

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إيران تقترح خطة لإنهاء الحرب وواشنطن تتحفظ

    كشفت معلومات جديدة نقلتها وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين تفاصيل عن المقترح الإيراني الجديد الذي قدمته طهران لواشنطن لإنهاء الحرب، والذي ما زالت الإدارة الأمريكية تدرسه.

    فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين مطلعين القول إن المقترح الإيراني الأخير يطرح رؤية لخطة سلام مؤلفة من 3 مراحل، تقضي المرحلة الأولى بأن تنهي الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، مع تقديم ضمانات بعدم استئنافها مستقبلا.

    ووفقا لمصادر وول ستريت جورنال، فإن المقترح، الذي قدّمه وزير الخارجية عباس عراقجي مطلع الأسبوع، يهدف إلى كسر حالة الجمود في الصراع والدفع بعجلة المفاوضات. وبموجب هذا المقترح، سيتم تأجيل النقاشات المتعلقة ببرنامج إيران النووي إلى مرحلة لاحقة.

    ووفق المصادر آنفة الذكر، فقد عرضت إيران وقف هجماتها في مضيق هرمز، مقابل إنهاء شامل للحرب ورفع الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.

    وبحسب المسؤولين، اقترحت طهران أن يتولى الوسطاء في المرحلة الثانية معالجة قضية إغلاق مضيق هرمز، والمساعدة في التوصل إلى اتفاق بشأن إدارة الممر المائي.

    كما أبلغ المسؤولون الإيرانيون الوسطاء بأن طهران لا تزال تطمح إلى إبقاء المضيق تحت سيطرتها، وأنه بمجرد تحقق ذلك، ستشرع في إجراء مفاوضات بشأن برنامجها النووي وقضايا أخرى، من بينها تمويلها للفصائل الموالية لها في المنطقة، وهي المرحلة الثالثة من المقترح الإيراني.

    موقف واشنطن من المقترح
    وتشير تقارير إلى أن المقترح الإيراني الجديد لم يُقابل بترحيب من قِبل الإدارة الأمريكية، فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر قولها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أبلغ مستشاريه بعدم رضاه عن مقترح طهران، مشيرين إلى أن قبول المقترح قد يحرم ترمب من تحقيق نصر في الحرب.

    كما نقلت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن مصدرين قولهما إن ترمب طرح وجهات نظره خلال اجتماعه مع كبار مسؤولي الأمن القومي بشأن الملف الإيراني، بعد تلقيه المقترح الإيراني.

    وأكد مصدر آخر للشبكة أنه “من غير المرجَّح أن يقبل ترمب المقترح الإيراني”، في حين اعتبر المسؤولون الأمريكيون أن إعادة فتح مضيق هرمز -دون تسوية مسائل التخصيب- قد تُفقد واشنطن أداة ضغط أساسية في المفاوضات، بحسب المصدر.

    بدورها، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أمريكي قوله إن الرئيس ترمب غير راضٍ عن مقترح قدمته إيران لأنه لا يتناول برنامجها النووي، مشيرا إلى أن ترمب ناقش المقترح -في وقت سابق- مع كبار مستشاريه للأمن القومي.

    وبحسب ما نقلته “سي إن إن” عن مصادرها، فإن المحادثات الجارية تتركز على التوصل إلى اتفاق مرحلي، وسيركز الجزء الأول -من أي اتفاق محتمل- على العودة إلى الوضع القائم قبل الحرب.

    وأضافت “سي إن إن” أن الوسطاء يمارسون ضغوطا على الجانبين من أجل التوصل إلى اتفاق “باعتبار الأيام القليلة المقبلة حاسمة للغاية لمسار الجهود الدبلوماسية”.

    كما أوضحت المصادر أن واشنطن وطهران ليستا متباعدتين في مواقفهما كما قد يبدو، رغم عدم عقد جولة ثانية من المحادثات المباشرة بينهما في باكستان حتى الآن.

    عقبة الملف النووي
    بدوره، صرح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” -ردا على سؤال بشأن المقترح الإيراني الأخير الذي يقضي بتأجيل مناقشات برنامجها النووي مقابل فتح مضيق هرمز- بأن القضية الأساسية لا تزال تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

    وقال روبيو: “لا يساورني شك في أنه في مرحلة ما من المستقبل، وإذا ظل هذا النظام الديني المتشدد في السلطة، فإنه سيقرر السعي لامتلاك سلاح نووي”. وأضاف: “هذه القضية الجوهرية لا تزال بحاجة إلى مواجهة، فهي لا تزال القضية الأساسية هنا”.

    وعند سؤاله عما إذا كان يعتقد أن الإيرانيين جادون في التوصل إلى اتفاق، قال روبيو إنهم مفاوضون بارعون يسعون للمماطلة وكسب الوقت. وأضاف: “لا يمكننا السماح لهم بالإفلات بذلك، يجب أن نضمن أن أي اتفاق يتم التوصل إليه هو اتفاق يمنعهم بشكل حاسم من الاندفاع نحو امتلاك سلاح نووي في أي وقت”.

    أكسيوس: ترمب يدرس خيارين
    وفي وقت لاحق، قال موقع أكسيوس إن ترمب يدرس خيارات تتراوح بين تنفيذ ضربات عسكرية جديدة أو انتظار نتائج الضغوط الاقتصادية على إيران.

    ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين قلقهم من انزلاق واشنطن إلى صراع مجمد، يتسم بغياب الحسم.

    كما أشار أكسيوس -نقلا عن مستشار لترمب- إلى أن الرئيس يبدو محبطا، لكنه يتعامل بواقعية ولا يرغب في استخدام القوة، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه لن يتراجع. وأضاف المستشار أن القيادة الإيرانية -من وجهة نظره- لا تستجيب إلا للضغط العسكري.

    ونقل الموقع عن مصادر قولها إن كبار مستشاري ترمب يفضلون الإبقاء على الحصار وفرض مزيد من العقوبات قبل العودة إلى خيار القصف، في حين يتشاور ترمب مع شخصيات متشددة خارج إدارته تنصحه باتخاذ إجراءات عسكرية لكسر حالة الجمود الحالية.

    قلق إيراني جراء الحصار
    وكانت صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن مسؤولين إيرانيين مطلعين أن عراقجي سلّم المقترح الجديد إلى باكستان، بعد أن رفض الرئيس ترمب مقترحا أوليا في اليوم السابق.

    وأضافت نيويورك تايمز أن إيران أوضحت -في مقترحها الجديد- عزمها استثمار مضيق هرمز ماليا بعد فتحه، عبر فرض رسوم عبور أو تقديم خدمات لناقلات النفط.

    وقال مسؤولون إيرانيون للصحيفة إن طهران ترغب في العودة إلى المفاوضات مع واشنطن لأن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار، لكن بعد رفع الحصار البحري.

    وأشار المسؤولون إلى وجود مخاوف من نفاد مخزونات المواد الغذائية الأساسية خلال أسابيع قليلة. كما أفادوا بأن الحكومة بدأت بالفعل في تنفيذ خطط طوارئ تعتمد طرقا بديلة، من بينها نقل البضائع بالشاحنات عبر باكستان وتركيا، وشحن كميات أصغر من روسيا عبر بحر قزوين.

    يذكر أن الولايات المتحدة تفرض حصارا على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل/نيسان الجاري للضغط على طهران لتقديم تنازلات، مما أدى إلى انهيار المحادثات بين الجانبين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البَنْج


    عبد الفتاح لحجمري
    حين يديرُ التّخدير حياتنا

    متى بدأ الإنسان يطلبُ النّجاة من الألم أكثر مما يطلبُ فهمَه؟ وكيف تحوّلت الراحة من لحظة عابرة إلى عقيدة يومية؟ ولماذا نهاب الوجع إلى هذا الحد، ثم نقبل بكل ما يعطّل وعينا باسمه؟ وكيف صار كثير من الناس يفضّلون سلامة الإحساس السطحي على صدمة الحقيقة العارية؟ ثم أيُّ حياة هذه التي نعيشها ونحن نرفض الجرح، ونؤجل السؤال، ونستبدل المواجهة بجرعة صامتة من التحمّل؟

    حين يسكن البنج في الوعي لا في الجسد

    البنج ليس مجرد وخزة يوقف بها الطبيب الألم في غرفة العمليات، إنه منطق كامل ينساب في تفاصيل الحياة حتى يكاد يشكّل طريقتنا في النظر والتحمّل والتبرير. في المستشفى، يعدك الطبيب بألّا تشعر بشيء، فيؤدي البنج وظيفة رحيمة وواضحة: يخفف الألم لكي يفتح باب العلاج. أمّا في الحياة، فالأمر يختلف جذريًا؛ إذ يتركك الواقع تشعر بكل شيء، ثم يطالبك بأن تضبط ملامحك، وتُحسن ترتيب نبرتك، وتواصل يومك كأن شيئًا لم يحدث. هنا يدخل البنج إلى الوعي لا إلى العصب، ليدرّبك على التعايش مع الألم من غير احْتجاج، ويقنعكَ أن التماسك أهم من الصدق، وأن الصمت أرقى من الاعتراف، وأن استمرارك في الدور أهم من سلامتكَ الداخلية.

    في البيت، يبدأ التخدير مبكرًا وبأدوات تبدو بريئة. يسكب الجميع الشاي، ويتبادلون أخبار اليوم، ثم يمرّون فوق التعب كما يمرّ الناس فوق حفرة صغيرة في طريق مألوف. يرى الأب الخلل ثم يختار السّكوت، وتبتلع الأم إرهاقها كي لا تهتز صورة البيت، ويتعلّم الأبناء باكرًا أن الألم المعلن يربك المشهد العائلي أكثر مما يصلحه. هكذا لا يصنع البيت دائمًا دفئًا خالصًا؛ أحيانًا يصنع مهارة جماعية في تأجيل الانْفجار. يجلس الجميع حول مائدة واحدة، لكن كل واحد يحمل في داخله غرفة عمليات صغيرة، ويضبط جرعة التخدير بما يكفي ليُكمل السَّهرة من غير أن يفضح ما يعتمل في صْدره. لا أحد يريد خراب “الجَوّ”، ولذلك يفضّل الجميع أن يختبئ الجرح تحت المفرش بدل أن يصعد إلى الكلام.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} حياةٌ تحت تأثير جُرعات غير مرئية

    ثم تأتي المدرسة فتمنح هذا التخدير شرعية مُبكرة. لا تدرِّبكَ على السؤال بقدر ما تدربك على الطاعة، ولا تعطيك المعرفة بوصفها قلقًا خصبًا بقدر ما تقدمها بوصفها مواد محفوظة ومواعيد امتحان وعلامات نهائية. تروي لكَ المدرسةُ التاريخ كما لو أنه صفحة أُغلقت، لا ندبة ما تزال تتحرك في الحاضر، وتدفعكَ إلى الحفظ السريع بدل الفهم العميق، وإلى الإجابة النموذجية بدل المغامرة الفكرية. هكذا تَخِفُّ حرارة الفضول قليلًا، حتى يخرج الطالب من التعليم وقد أتقنَ الانضباط أكثر مما أتقنَ التّفكير، وصار “مواطنًا صالحًا” بالمعنى المريح للمُؤسسات: لا يُزعج كثيرًا، لا يَسأل كثيرًا، ولا يَفتح نافذة في جدار اعتاد الجميع النظر إليه على أنه قَدَرٌ.

    وفي الشارع، يأخذ التخدير شكلًا اقتصاديًا مباشرًا. تعملُ كثيرًا، تلهثُ طويلًا، تحسبُ كل شيء، ثم تكتشفَ أنّ ما تَكْسبُه لا يكفي إلا لكي تُواصلَ اللّهاث. لكن السوق لا يتركُكَ تواجه هذه الحقيقة عارية؛ إنه يغلّفها بالأقساط، ويعطِّرها بالعُروض، ويزيّنها بِوَعد متكرر اسمه “قريبًا ستتحسَّن الأمور”. يشتغل هذا الوعد مثل مُخدّر ذَكي: لا يمنحكَ مستقبلًا حقيقيًا، لكنه يمنحكَ ما يكفي من الأمل المؤجل حتى تصبرَ يومًا آخر، وشهرًا آخر، وربَّما عُمرًا آخر. هنا لا يسرقون تعبكَ فقط، وإنما يُديرون شُعورك بالتَّعب، ويمنَعون الغَضب من أن يبلغ نُضجه الكامل. ولذلك يبدو الغدُ أحيانًا أعظمَ اختراع تخْديري في التّاريخ: لا يصلُ أبدًا في صورته الموعودة، لكنه ينجحُ كل مرة في تأجيل صَحْوِكَ.

    وفي السياسة، يرتدي البَنج بدلته الرّسمية ويتكلمُ بلغة وطنية مُنمَّقة. تعدكَ الخطاباتُ بأنّكَ مركز المعادلة، وتربّتُ على كتفكَ بعبارات المشاركة والمسؤولية والمصير المشْترك، ثم تعيدُ لكَ الوجوهَ نفسها، والجُمل نفسها، والنّتائج نفسها، كأن الزّمن يدورُ في مَمرٍّ ضيّق لا يُفضي إلى شيء. لا يحتاج هذا النوع من التخدير إلى قَمْع دائم؛ يكفيه أن يُنظّم مَشاعرك، وأن يمنحكَ جُرعة محسوبة من الانتماء، وجُرعة أخرى من الخوف، ثم يطلبُ منكَ أن تكتفيَ بالشُّعور بأنكَ شاركتَ. هكذا لا يُقتل الغضب دفعة واحدة، وإنما يتمُّ وضعهُ في غرفة انتظار طويلة، حينَ يحوّلُ المواطنَ من فاعل إلى متلقٍّ مُهذّب يُصفقُ أحيانًا، ويتذمَّر أحيانًا، لكنّه نادرًا ما يمسكُ بجِذْر المَسألة.

    أمّا الثقافة، فتدفع التّخدير إلى مستوى أكثر أناقة. هنا لا تظهر الجُرعة في هيئة حُقنة، وإنما في هيئة مُصطلحات لامعة، ونَدوات ممتدة، ونقاشات تُتقن الدَّوران أكثر مما تُتقن الوُصول. نقرأ كثيرًا، نعم، لكننا نقرأ أحيانًا كما لو أن القراءة نفسها غاية نهائية، لا بوابةً إلى تغيير في النّظر والفعل. نحترفُ التّحليل حتى نخنق القرار، ونُوسّع الشّرح حتى نُؤجل الموقف، ونَستعمل الكلمات الكَبيرة كي نغطي فَراغًا عميقًا في الإرادة. وهكذا تتحوَّل الثقافة، حين تنفصل عن الشّجاعة، إلى نوع مُهذب من التَّخدير الذاتي: نفهمُ العالم ببلاغة، ثم نتركُه على حَاله بكامل الأدَب.

    فلسفة الوخزة الناعمة

    غير أن أخطر ما في هذا البنج الوُجودي أنه لا يقدّم نفسه بوصفه عدُوًا. إنه يأتيك غالبًا في صورة حِكْمة يومية، أو نضج، أو “مراعاة للظروف”، أو رغبة في حفظ التّوازن. ولذلك يسهل علينا أن نخلط بين الصّبر والتخدير، وبين التّعقّل والتّبلّد، وبين الحُلم المشروع والتَّسْويف المهني في إدارة الخسارة. في هذه الحالة، نحن لا نرفض الألم فقط، نرفض أيضًا ما يكشفه الألم عنّا: هشاشتَنا، وتقصيرَنا، وعلاقاتنا المُختلة، وأنظمتنا التي تُربّي الصمت، وخَوفنا القديم من أيّ صدع يمسّ الصورة التي نعرضُها على العالم.

    ومن هنا تدخل الطمأنينة إلى المشهد بوصفها أكثر المفاهيم تعرضًا لسوء الفهم. كثيرون لا يطلبون الطمأنينة فعلًا، بل يطلبون نسخة مخففة من الغياب. يريدُون سكينة لا توقظ الأسئلة، وراحة لا تفرضُ مراجعة، وهدوءً لا يكلّفهم شجاعةَ المواجهة. على أن الطمأنينة الحقيقية تولد من القدرة على النظر إلى الوَجع من غير انهيار، ومن تسمية الأشياء بأسمائها من غير تزويق ولا تهْويل. لهذا لا ينبغي أن نخلط بين الطمأنينة والتخدير. التخدير يطلبُ إسكاتَ الإحساس، أما الطمأنينة فتطلبُ ترتيب الفَوضى من دون قتل الِحسِّ. التخدير يريحكَ بسرعة ثم يتركُ العطب في مكانه، أما الطمأنينة فتمشي بكَ نحو الجُرح كي تنظفه، وتفهم سببه، وتعيد بناء علاقتك بنفسك وبالعالم على أساس أكثر صدقًا. البنج يبيعُكَ سلامًا مؤقتًا بسِعْر وَعْيكَ، بينما تمنحُكَ الطمأنينة قُدرةً أبطأ وأعمق: أن تعرفَ ما يؤلمك، وأن تعرف لماذا يُؤلمك، وأن تظل رغم ذلك قادرًا على الحياة من غير إنكار ولا ادعاء بُطولة مُزيّفة.

    يا للمُفارقة؛ لقد اخترع الإنسان البنج رحمةً بالجسد، ثم وسّع منطقه حتى سلّمه مفاتيح الوعي. كان الغرض الأول أن يخَفِّف الألم كي ينجحَ العلاج، لكننا نقَلنا الفكرة إلى الحياة بطريقة مَعكوسة: لم نعُد نبحثُ عن علاج الجُرح، وإنما أصبحنا نبحثُ عن وسيلة تمنعُنا من الشعور به. هكذا صار كثير من الناس يفضّلون حياة أقلَّ وجعًا ولو كانت أقلَّ وْعيًا، وأقلَّ صِدامًا ولو كانت أقلَّ حقيقة، وأقلَّ أسئلة ولو كانت أقلَّ إنسانية. وهذه ليست هزيمةً صغيرةً؛ إنها إعادةُ تعريفٍ للعيْش، حيث يربحُ المرءُ هُدوءً عاجلًا، ويخسرُ حقَّ نفسِه في اليَقظة.

    كيف صار التخدير أسلوبًا في العيش؟

    فهل نريد فعلًا أن نشفى، أم نريد فقط أن نؤجل الانهيار بطريقة أنيقة؟ وهل نطلب الطمأنينة لأنها ثمرة فهم ومصالحة، أم لأننا تعبنا من حمل الأسئلة؟ ومتى نملك شجاعة التَّفريق بين سَكينة تنضج في الضّوء، وراحة زائفة تنمُو في العَتمة؟ ثم ما قيمة حياة لا تؤلم كثيرًا، إذا كانت في المقابل لا توقِظنا كثيرًا؟ وأيُّ نجاة نكسبها حين نحمي أنفسنا من الوَجع، لكننا نخسر قدرتنا على الإحْساس، وعلى الفَهم، وعلى أن نعيش بكامل حُضورنا؟

    لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سامسونغ تحقق أرباحاً قياسية بفضل طفرة رقائق الذكاء الاصطناعي

    حققت شركة سامسونغ إلكترونيكس أرباحاً تشغيلية فصلية قياسية، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذاكرة المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في مؤشر جديد على اتساع تأثير طفرة الذكاء الاصطناعي داخل صناعة أشباه الموصلات.

    وأعلنت الشركة الكورية الجنوبية، اليوم الخميس، أن أرباحها التشغيلية خلال الربع الأول من عام 2026 بلغت 57.2 تريليون وون، أي نحو 38.4 مليار دولار، بزيادة تقارب ثمانية أمثال أرباح الفترة نفسها من العام الماضي. كما بلغت إيراداتها الفصلية نحو 133.9 تريليون وون، مسجلة بدورها مستوى قياسياً.

    وجاءت هذه النتائج أعلى من توقعات السوق، بعدما استفادت سامسونغ من الارتفاع الكبير في الطلب على رقائق الذاكرة، خصوصاً الرقائق عالية الأداء المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، في وقت تواصل فيه شركات التكنولوجيا الكبرى توسيع بنيتها التحتية الحاسوبية.

    وكان قسم أشباه الموصلات المحرك الأساسي لهذه القفزة، إذ حقق أرباحاً تشغيلية بلغت 53.7 تريليون وون، أي ما يمثل نحو 94% من إجمالي أرباح سامسونغ التشغيلية خلال الربع. ويعكس ذلك مدى اعتماد أرباح الشركة الحالية على دورة الصعود القوية في سوق الذاكرة.

    وتأتي هذه النتائج في ظل ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة عالمياً، مع تزايد الطلب على منتجات مثل DRAM وNAND والذاكرة عالية النطاق HBM، التي تُعد من المكونات الأساسية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الضخمة.

    ورغم النتائج القوية، لا تخلو الصورة من تحديات. فقد أشارت تقارير إلى أن أرباح قطاع الهواتف الذكية تراجعت بسبب ارتفاع تكاليف المكونات، في حين تواجه الشركة ضغوطاً لمواصلة الاستثمار في الطاقة الإنتاجية، خاصة في رقائق الذاكرة المتقدمة، وسط منافسة قوية مع شركات مثل SK Hynix وMicron.

    كما حذرت سامسونغ من أن نقص المعروض في سوق الرقائق قد يزداد خلال عام 2027، مع استمرار الطلب القوي من شركات الذكاء الاصطناعي ومحدودية القدرة على توسيع الإنتاج بسرعة، نظراً إلى الوقت الطويل الذي تتطلبه مصانع الرقائق الجديدة.

    وبذلك، تؤكد نتائج سامسونغ أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع واعد، بل تحول إلى قوة مالية ضخمة تعيد تشكيل أرباح أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وتدفع صناعة أشباه الموصلات إلى واحدة من أقوى دورات النمو في تاريخها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بنية الإنسان من الجانب النفسي


    إدريس حمادي
    يقول الحق سبحانه في سورة الشمس: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

    سأحصر الكلام في معرفة النفس الإنسانية في ثلاثة مستويات: مستوى طرق البحث في حقيقة النفس، ومستوى مفهوم النفس عند الفلاسفة، ثم مفهوم النفس عند علماء النفس.

    بالنسبة للمستوى الأول، يلاحظ من البداية أن الفلسفات والأديان والعلوم قد اتفقت على أن معرفة الإنسان نفسه غاية سامية، ثم اختلفوا بعد ذلك في الطريق الذي يجب أن يسلكوه إلى تلك المعرفة.

    طريق الاستبطان

    فقال أصحاب الفلسفة الميتافيزيقية: لا طريق إلى ذلك إلا بالاستبطان، ويقصدون بالاستبطان كطريقة للبحث تأمل الفرد ما يجري داخل نفسه التي يستبطن ما يدور فيها من عمليات شعورية، أو بتعبير آخر: إن ما يقصد بمنهج الاستبطان دراسة الإنسان لمشاعره بنفسه عن طريق تأمل ذاته، ومشاهدة ما يدور داخلها.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لتوضيح ذلك نسوق هذا المثال: إن عالم النفس الإنجليزي (هنري هيد) بمساعدة عالم فيسيولوجي آخر، قد قطع الأعصاب في يده اليسرى، وأخذ يسجل بيده اليمنى ما ترتب على ذلك من مشاعر داخلية.

    غير أن العلماء رأوا أن هذه الطريقة لا تحظى بالاحترام كطريقة علمية، لأسباب: أولها، أن الناس يختلفون في قدراتهم على القيام بالتأمل الباطني. وثانيها، أن الفرد ليس في استطاعته في حالات كثيرة أن يدرس نفسه بنفسه، وخاصة في حالات الانفعال الحادة، لأن التفكير سيؤثر على حالة الانفعال. كذلك فإن الشخص صاحب التجربة الشعورية لا يستطيع الوصف الدقيق أو المعرفة المباشرة لحياته الشعورية، ولا يستطيع كذلك أن يلقي ضوءً كاشفًا على العمليات العقلية المعقدة، كالتذكر والتفكر والفهم؛ فكما أن التكوين الذري للمادة لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، كذلك فإن ديناميكية العمليات النفسية لا يمكن أن ترى بالنظر أو التأمل الداخلي. وثالثها، أن هذا المنهج لا يمكن تطبيقه على الحيوانات والأطفال والأفراد الشواذ، مع العلم أن ما لا نستطيع أن نجريه على الإنسان يجب أن نجريه على الحيوانات، كما أن الأطفال والشواذ فئتان يهتم بهما علم النفس، ولا يمكن أن يعتمد عليهما في الحصول على معلومات خاصة بهما من طريق منهج الاستبطان.

    طريقة التجربة

    ومن ثم نجدهم قد عدلوا عن هذه الطريق إلى طرق أخرى، أهمها على الإطلاق الطريقة التجريبية التي تعتبر عندهم “أكثر الوسائل كفاية في الوصول إلى معرفة موضوعية”.

    بدأت الطريقة التجريبية في علم النفس منذ القرن التاسع عشر في ألمانيا، حيث أنشأ (فونت) أول معمل لعلم النفس عام 1879، ومنذ ذلك “بدأ علم النفس يأخذ مكانه بجوار العلوم الطبيعية، بأخذه منهجًا في دراسة السلوك دراسة تجريبية تلتزم بخطوات المنهج العلمي” التي يمكن تلخيصها في الآتي: الملاحظة وتحديد المشكلة موضوع البحث، ثم فرض الفروض، ثم تجميع المعلومات التي تولدت من فرض الفروض، ثم اختبار صحة تلك المعلومات أو الفروض بإجراء التجارب عليها، ثم أخيرًا مرحلة اكتشاف النظرية أو وضع القانون الذي يحكم الظاهرة.

    ومن التجارب التي قام بها علماء النفس، تلك التي “أراد عالم نفس أن يعرف أيهما أفضل: معرفة نتيجة العمل بعد أدائه مباشرة، أو تأجيل هذه المعرفة إلى بعد الانتهاء من العمل كله؟ فجاء بثلاث مجموعات من الأفراد، وحجب عيونهم، وطلب منهم رسم خطوط مستقيمة، طول كل منها ثلاث بوصات. وقد ترك المجموعة الأولى في محاولاتها دون أي معلومات عن نتيجة عملها. أما المجموعة الثانية فقد كانت تعرف نتيجة عملها بشكل عام بعد كل محاولة، وكانت المجموعة الثالثة تعرف نتيجة عملها بعد كل حركة لكي تتلافى الخطأ في المحاولة التالية. وكانت النتيجة أن المجموعة الأولى فشلت تمامًا، أما المجموعة الثانية ففشلت إلى حد ما، أما المجموعة الثالثة فقد نجحت تمامًا. وتؤكد هذه التجربة على أهمية الإرشادات والتوجيهات في أداء الأعمال التي يطلب القيام بها، كما تؤكد أن عدم تحديد الموضوع وعدم التوجيه لا يؤدي إلا إلى الخبط والعشوائية وإلى عدم النمو والتقدم، إن لم يؤد إلى التأخر”.

    مفهوم النفس عند الفلاسفة

    هذا على مستوى طرق البحث، وأما على مستوى مفهوم النفس عند الفلاسفة، فالذي يظهر من أبحاثهم “أن للنفس تعريفات مختلفة:

    منها قول أفلاطون: “إن النفس ليست بجسم، وإنما هي جوهر بسيط محرك للبدن”.

    ومنها قول أرسطو: “إن النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي”. فمعنى قوله “كمال أول”: إن النفس صورة الجسم، أو هي ما يكمل به النوع بالفعل. ومعنى قوله “آلي”: إن الجسم الطبيعي مؤلف من آلات أي أعضاء.

    وقد جمع ابن سينا بين هذين التعريفين فقال مع أفلاطون: إن النفس جوهر روحاني، وقال مع أرسطو: إن النفس كمال أول طبيعي آلي من جهة ما يتولد ويربو ويغتذي (وهي النفس النباتية) أو من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة (وهي النفس الحيوانية) ومن جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي (وهي النفس الإنسانية).

    وذكر آخرون أن الروح قسمان: روح حيواني ينبث في شرايين البدن من القلب، فيفعل الحياة والنبض والتنفس، وروح نفساني ينبث من الدماغ في الأعصاب، فيفعل الحس والحركة والفكر والذكر والروية.

    في الفرق بين النفس والروح يذكر لُقْطَة بن لوقا في رسالة له: “أن الروح جسم والنفس غير جسم – وأن الروح يُحْوَى في البدن – وأن النفس لا يحويها البدن – وأن الروح إذا فارق البدن بطل، وأن النفس تبطل أفعالها من البدن ولا تبطل هي في ذاتها – وأن النفس تحرك البدن وتُنيله الحس والحياة بأنها أول علة لذلك البدن وفاعلة فيه، والروح يفعل ذلك وهو علة ثانية – فالروح إذن علة قريبة كحياة البدن وحسه وحركته وباقي أفعاله البعيدة”.

    مفهوم النفس لدى علماء النفس

    هذا عن النفس من منظور الفلاسفة، وأما عنها من منظور علماء النفس، فيبدو مما جاءوا به في أبحاثهم أن للنفس نشاطان: نشاط نفسي، ونشاط عقلي. وأن النشاط النفسي له مكونات هي: الوراثة والبيئة والدوافع أو الغرائز، ثم الانفعالات والعواطف. وكذلك هو النشاط العقلي، نجده يقوم على ركائز هي: الإحساس والإدراك والذاكرة واللغة والواقع الاجتماعي.

    النشاط النفسي ومكوناته

    يذكر هؤلاء العلماء: “أن الخصائص المميزة للحياة النفسية الإنسانية يكمن وراءها مكونان متناغمان: مكون داخلي وراثي يتمثل في المحددات البيولوجية، ومكون خارجي يتمثل في المحددات البيئية والثقافية”.

    مكون الوراثة

    ففي مكون الوراثة: نجد الوراثة تتحدد لأي شخص بالموروثات (أي الجينات)، بمعنى أن الفرد يبدأ وجوده الحياتي كخلية واحدة في رحم الأم، وأن هذه الخلية تتكون من اتحاد خليتين جرثوميتين: إحداهما من الأب والأخرى من الأم، كلاهما تكونان قبل الإخصاب غير مكتملتين، وبعملية الإخصاب يحصل تكميل إحداهما الأخرى في خلية واحدة لا يزيد حجمها عن حجم رأس الدبوس.

    يحيط بالخلية المكتملة إطار يعرف بالسيتوبلازم، يمثل بيئة داخلية للخلية، له تأثير بالغ الأهمية على تكوين الجنين.

    يوجد داخل الخلية “نواة” تتضمن ما يعرف بالصبغيات التي تتحكم في وراثة الكائن الحي، إذ داخل هذه الصبغيات تكمن وحدات أصغر تعرف بالموروثات (الجينات) التي هي الوحدات الأساسية للوراثة، أو العوامل الحاملة للخصائص الوراثية.

    عدد الصبغيات 23 زوجًا أي 46 صبغيًا، أي أن الخلية الجرثومية المخصبة تتضمن 23 زوجًا من الأب بما مقداره 50% ومن الأم بما مقداره 50%. وتحتوي كل صبغية على ما يقرب من 3000 مورث، يكون مسؤولاً عن إحدى الخصائص الوراثية.

    مكون البيئة

    هذا عن مكون الوراثة كبعد داخلي، وأما عن مكون البيئة كبعد خارجي يمثل مظهر الكائن الحي وسلوكه، فتتجلى معالمه في: أنه ليس موروثًا، وأنه يتغير مع تغير الزمن كنتيجة للخبرة، وأنه ينمو كلما تواترت الحياة ووقع تفاعله مع البعد الداخلي. أي أن عملية النمو محكومة بالنمط الداخلي، ويتفاعل هذا النمط مع البيئة؛ فلا يوجد كائن حي بدون نمط داخلي، ولا يمكن أن يوجد نمط داخلي بدون بيئة.

    يصف (هيوز 1946) هذه العلاقة بين الوراثة والبيئة على النحو التالي: “ليس هناك دليل على أن الوراثة أبلغ أهمية من الرعاية والبيئة، والمؤكد أنه ليس ثمة دليل على أنها أقل أهمية… ومن الخطأ الإقلال من دلالة أحد هذين العاملين لإثبات أهمية الآخر، فعدم وجود أحدهما يعني عدم قيام الحياة، إذ يوجد لكل منهما نتائجه بالنسبة للآخر، وهذه النتائج متنوعة ومتعددة بمقدار تنوع وتعدد أنواع الرعاية وصور الوراثة. والتربية ضرب من الرعاية تيسره البيئة التي يعيش فيها الفرد، أما الوراثة فتنحدر من أسلافه”.

    وبذلك يتبين أن ما يجري على قانون التسوية والتزكية هو عينه ما يجري على مكون الوراثة والبيئة، والذين يرفعون من قيمة الوراثة على البيئة، أو البيئة على الوراثة، لم يفقهوا لا كنه الوراثة ولا كنه البيئة، وبعبارة أخرى لم يفقهوا كذلك قانون التسوية والتزكية الوارد في الآية التي صدرنا بها هذا البحث.

    مكون الدوافع: الأولية والمكتسبة

    والأمر مثله في مكون الدوافع أو الغرائز، إذ وجدنا علماء النفس يقسمونها إلى دوافع أولية بيولوجية أو غرائز فطرية، ودوافع ثانوية مكتسبة متعلمة. والدوافع الأولية تتضمن أساسًا تجنب الجوع والألم والحاجة إلى الإشباع الجنسي. ويميز علماء النفس بين الدوافع الأولية والدوافع الثانوية المكتسبة بنحو قولهم: إن الدوافع الأولية يمارسها الكائن دون تعلم، لأنه يولد مزودًا بها. أما الدوافع المكتسبة فمتعلمة من البيئة الاجتماعية التي يعيش الفرد فيها، والتعلم يحدث خلال الطفولة بواسطة عوامل منها الثواب والعقاب.

    مكون الانفعالات والعواطف

    كذلك هو الأمر بالنسبة لمكون الانفعالات والعواطف، حيث نجد الانفعالات لها علاقة بالدوافع الأولية، إذ يرى علماء النفس أن “أي دافع أساسي غالبًا ما ينطوي على شحنة انفعالية تقرن به”، وذلك كاقتران دافع الاقتتال بانفعال الغضب، واقتران دافع الهرب بانفعال الخوف… كما يرون من جهة علاقتها بالعواطف المكتسبة “أن العاطفة تنشأ من التجارب الانفعالية التي تولد فينا: إما شعورًا سارًّا أو مؤلمًا، وبتكرار هذه التجارب تتكون لدينا عادة وجدانية جديدة هي عاطفة الحب أو الكراهية”.

    وبتعبير آخر إن “الطفل الصغير يبدأ في حب أمه بسبب ارتباطه بعملية إشباع الجوع عنده، وبتكرار هذا الموقف الانفعالي تتكون عاطفة حبه لأمه، ثم تتسع هذه العاطفة لتشمل بقية أفراد العائلة فالأقارب، ثم تزداد اتساعًا فتشمل أفراد الإنسان بصرف النظر عن جنسياتهم أو دياناتهم، وتلك أرقى درجات العاطفة”. ومعنى هذا أن الانفعالات لها بعدان: بعد داخلي يتمثل في علاقتها القوية بالدوافع البيولوجية، وبعد خارجي يتمثل في علاقتها بالعواطف التي تنشأ من التجارب الانفعالية.

     النشاط الفكري وركائزه

    هذا عن النشاط النفسي ومكوناته، وأما عن النشاط الفكري وركائزه التي يقوم عليها، فيبدو أن الحديث عنه سيتم أولاً بهذه الإطلالة السريعة التي يلقيها علماء النفس عليه من جهة، ثم على العلاقة التي تربطه بالركائز التي يقوم عليها من جهة أخرى.

    في تحديد ماهية النشاط الفكري، يرى علماء النفس “أن التفكير نشاط عقلي راقٍ يعكس العلاقات والروابط بين الظاهرات أو الأشياء أو الأحداث في وعي الإنسان”. فـ”العالم المادي والإنساني ليس مجرد تأليف عرضي لظاهرات مستقلة منعزلة عن بعضها البعض، وإنما هو كل متوحد تترابط فيه الظاهرات التي تحكم بعضها الآخر في نسيج متشابك ذي معنى. في هذه العلاقة الوثيقة يتجلى جوهر الظاهرات وقوانين وجودها”.

    ويرون كذلك من جهة أخرى أن الفرد حين ينزع إلى فهم القوانين الأساسية لوجود ظاهرة معينة، ويتعمق في وجودها “تجده يسعى باستمرار لإدراك المعنى العام للظاهرات المتشابهة من فئة معينة ليسحبه على الظاهرة الواحدة المعينة، لأن الكل ينطبق على الجزء الذي يدخل في فئة الكل. ففي عملية التفكير يصبح النموذج الحسي لموضوع معين (كأن يكون شجرة برتقال أو نخلة بلح) يمثل خلفية فحسب، حيث تجري عملية أرقى تتناول القوانين القابلة للتعميم والتجريد لموضوع التفكير، وهو مفهوم الشجرة مثلاً” الذي يعم كل أنواع الأشجار.

    والخلاصة “أن التفكير في موضوع معين يتضمن جانبين متكاملين: جانب انعكاس الظاهرة أو الحدث أو الشيء من حيث العمومية، أي شكلها التعميمي والتجريدي، وجانب شكل الظاهرة الحسي المحدود، وبهذين الجانبين تتحقق عملية التفكير بخصائص معينة”.

    وبلغة علماء أصول الفقه، إن الوصف (العلة) إذا كان صالحًا للتعليل يصبح في دلالته “يقتضي شياع الحكم في كل ما شاعت فيه العلة”، بمعنى أن العلة وإن كانت منتزعة من مسألة جزئية، فهي عندما تثبت بالمناسبة أو بالسبر والتقسيم… تصبح عامة شاملة في دلالتها، وتحول النص الخاص إلى نص عام في دلالته. يقول الإمام الشاطبي: إن أصل شرعية القياس لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى.

    ومعنى هذا أن “دلالة المعنى في ثبوت الحكم في محالها كدلالة العام على جميع أفراده، لأنه كما يستغرق اللفظ العام جميع النفوس في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38) تستغرق العلة جميع الطوافين والطوافات في قوله عليه الصلاة والسلام عن الهرة: ‘إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات’”.

    هذا وبعد إلقاء هذه النظرة السريعة على ما يراد بالنشاط الفكري، يلتفت علماء النفس إلى الركائز التي يقوم عليها، والتي هي كما قلنا من قبل: الإحساس، والإدراك، والذاكرة، واللغة، والواقع الاجتماعي.

    عن النشاط الفكري في علاقته بالإحساس، يرى علم النفس أنه “بفضل الإحساسات نتعرف على ثراء العالم المحيط بنا: على الأصوات والألوان والأضواء، على الروائح ودرجة الحرارة والأحجام وغير ذلك، وبفضلها كذلك نتعرف على خصائص الأشياء المحيطة بنا: صلابتها أو رخاوتها، خشونتها أو نعومتها، قوتها أو ضعفها، وغير ذلك. وبفضلها أيضًا ‘يتلقى الكائن الحي الإنساني في شكل إحساس معلومات مختلفة عن حالة الوسط الخارجي (البيئي) والداخلي المحتوى’”.

    وفي أهمية الحواس يذكرون أنه يمكننا أن نتصور هنا إنسانًا تعوزه كل أعضاء الحس، فهو لا يعرف ما يجري حوله، ولا يستطيع أن يقبل على الناس المحيطين به، أو يجد طعامه، أو يتجنب الخطر، وغير ذلك مما يمكن أن نتوقعه حقيقة من إفقار الحياة المعرفية والنفسية لهذا الشخص.

    معنى هذا أن مصدر معارفنا عن العالم هو هذه الحواس، بها تتوفر المادة اللازمة للعمليات المعرفية الأخرى الأكثر تعقيدًا، كالإدراك والتخيل والتذكر والتفكر. فأعضاء الحس هي التي تتلقى وتنتقي وتجمع المعلومات وتنقلها إلى المخ، حيث ينتج عن ذلك انعكاس ملائم للعالم المحيط بنا ولحالة الكيان الحيوي ذاته. وعلى هذا الأساس تتشكل الدفعات العصبية التي تنقل إلى الأعضاء المنفذة المسؤولة عن حرارة الجسم، وعمل أعضاء الجهاز الهضمي، وأعضاء الحركة، والغدد الداخلية، ونشاط أعضاء الحس ذاتها، ويتألف هذا العمل المعقد من عمليات عديدة للغاية تتم في الثانية الواحدة وتحدث بلا انقطاع. وهكذا يتبين أن “الإحساسات في جوهرها ما هي إلا أشكال ذاتية للعالم الخارجي”.

    كذلك قالوا بالنسبة للركيزة الثانية التي هي الإدراك: إنه “يمثل القاعدة التي منها ينطلق التفكير”، كما هو واضح من مواصفاته التي من بينها:

    أن الإدراك يعرف بثبات الموضوع، إذ الأشياء والأشخاص والحيوانات تميل إلى أن تحتفظ بحجمها المعروف وبخصائصها المألوفة حين نراها في أبعاد مختلفة، لا يلتفت المدرك إلى الاختلاف الذي يطرأ عليها عند البعد المكاني أو الزماني، إذ الإدراك يعتمد على استنتاجات من الخبرة السابقة.

    ثم هم فوق هذا يرون أن “موضوع الشيء المدرك، كجذع الشجرة وفروعها وأوراقها، موضوع منعزل عن الموضوعات الأخرى”، بل وحتى عندما “يتملك المدرك الشغف بشكل الشجرة مثلاً، أو بكثرة ثمارها، أو بأوراقها الخضراء، أو بضخامتها، فإنه إنما يدرك الشيء المدرك دون أن يدرك في نفس الوقت موضوعات أخرى”.

    في حين أننا لو عدنا إلى التفكير في علاقته بالإدراك نجد مواصفاته تبدو وكأنها مضادة لمواصفات الإدراك من حيث الثبات، إذ هي في كنهها تمثل خطوة أخرى تنضاف إلى عملية الإدراك. عن طريق هذه الإضافة يحصل التكامل، إذ الإنسان حينما يفكر في هذه الظاهرات أو الأشياء أو الأحداث، فإن ما ينعكس في وعيه ليس هذه الخصائص الخارجية، وإنما ينعكس جوهر هذه الظاهرات أو الأشياء أو الأحداث ذاته في العلاقات المتبادلة التي تحدد ماهية الظاهرة أو الشيء أو الحدث، إذ التفكير في جوهره ما هو إلا “عملية انعكاس للعلاقات والروابط بين الظاهرات أو الأشياء أو الأحداث في وعي الإنسان”.

    ثم بعد الإدراك تأتي ركيزة أخرى هي ركيزة الذاكرة التي هي عبارة عن الخبرات السابقة المتجمعة في الذاكرة، أو “القوة التي تكمن وراء النمو النفسي”، أو “القوة التي تلعب دورًا بالغ الأهمية في التحصيل المدرسي”، أو بتعبير جامع: إن “الذاكرة ركيزة أساسية مميزة للنشاط النفسي، بفضلها تثرى الحياة العقلية بما يدركه الفرد من أشياء أو ظاهرات في مواقف سابقة”.

    بدونها يصير التفكير الإنساني محدودًا للغاية، حيث يرتبط فقط بعملية الإدراك الحسي العياني المباشر ويخضع لمبدأ “هنا والآن”. وبدونها يظل الفرد أبدًا عند مستوى الطفل الوليد، لا يستطيع أن يحتفظ بنتائج عملية التعلم، ولا أن يخطط للمستقبل.

    وبتعبير آخر: “إن التفكير نشاط عقلي غير مباشر… أي يعتمد ليس فحسب على إحساساته وإدراكاته المباشرة، ولكن أيضًا وبالضرورة على معلومات خبرته السابقة المتجمعة في الذاكرة. إن اشتراط التفكير بالخبرة السابقة يتضح خاصة حينما نواجه على سبيل المثال الشوارع وأسطح المنازل مبللة بالمياه بغزارة في صباح يوم من بداية فصل الشتاء، فإننا نستنتج أن الأمطار قد هطلت أثناء الليل، ويساعدنا على إقرار هذه العلاقة ما استقر في الذاكرة من تصورات عن الأحداث السابقة. وإذا لم تتوفر هذه التصورات، فإننا لا نستطيع تحديد الأسباب التي تكمن وراء الظاهرة”.

    ثم ثالثًا ركيزة أخرى لا تقل أهمية عن الركيزة التي قبلها، وهي ركيزة اللغة، يشخص العلماء العلاقة بين التفكير واللغة فيقولون: “إن التفكير انعكاس للعلاقات والروابط بين الظاهرات والأحداث في شكل لفظي رمزي”، وأن “التفكير واللغة يرتبطان دائمًا بوحدة لا تنفصم، فاللغة من ناحية هي الواقع المباشر للفكرة، ومن ناحية أخرى لا يمثل التفكير ولا اللغة في حد ذاتهما كيانًا خاصًا، وإنما يمثلان أساسًا مظاهر للحياة الموضوعية”. وبتعبير آخر: “إن التفكير نشاط يتواتر في كلمات أو في رموز لغوية”.

    ثم يقولون عن أهمية اللغة في عملية التفكير: إنه “بفضل اللغة ونظامها الرمزي نستطيع أن نفكر في الأشياء في غيابها، بأن نتغلغل في أغوار الماضي السحيق، وبأن نتتبع أصل الحضارات وتطورها، وبأن نرسم صورة عن نشأة النظام الشمسي وعن نظام الكواكب وتكون الذرة، مثلما نستطيع أن نمد بصرنا إلى المستقبل وأن نخطط لمستقبل أفضل”.

    ثم أخيرًا تأتي الركيزة الرابعة التي هي ركيزة النشاط العملي للإنسان، من حيث كون التفكير يرتبط بالواقع ارتباطًا وثيقًا، حيث تواجهه مشكلات يحاول حلها، وحيث يسعى إلى إعادة بناء العالم الخارجي وتطوره.

    أخيرًا، بقي أن نشير إلى علاقة هذه المكونات بالقانون، وأعني به قانون التسوية والتزكية المنتزع من قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، حيث يمكن تقسيم الآية إلى قسمين: قسم له علاقة بالشطر الأول من القانون الذي هو “التسوية”، وذلك نظرًا إلى أن الخالق سبحانه هو الذي أرسى قواعد التسوية في النفس الإنسانية، وهذا الشطر من القانون يشمل مكون الوراثة، ومكون الدوافع أو الغرائز، ومكون الانفعالات، ثم مكون الإحساس والإدراك. أما القسم الذي له علاقة بالشطر الثاني من القانون الذي هو “التزكية” فيتجلى في مكون النشاط الفكري بركائزه التي يقوم عليها، وذلك لما للنفس الإنسانية من دور فعال فيه. يتجلى هذا الدور مثلاً في اللغة، حيث نجد الإنسان قد خصه الله باستعداد كامن فيه للنطق بكل اللغات، ثم يأتي الإنسان ليفجر هذا الاستعداد في إبداعاته الشعرية والقصصية والخطابية والعلمية.

    كذلك هو الأمر في الأحكام التشريعية الضابطة لسلوك الإنسان، حيث نجده سبحانه يشرع البعض منها ويترك البعض للإنسان. يقول الشيخ محمود شلتوت: “وفي طريقة التشريع ووضع قوانين الحياة لم يدع الناس يشرعون لأنفسهم في كل شيء، ولم يقيدهم بتشريع من عنده في كل شيء، بل نص وفوض: نص فيما لا تستقل العقول بإدراكه كالعبادات زمانًا ومكانًا وكيفية ونحو ذلك، وفيما لا تختلف المصلحة فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، كالمواريث وأصول المعاملات من بيع وشراء وتحريم أكل أموال الناس بالباطل ونحو ذلك. وفوض فيما يدرك العقل الخير فيه وتختلف المصلحة فيه بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص لأرباب النظر والاجتهاد في حدود أصوله العامة، وبذلك حفظ الإسلام للعقل الإنساني كرامته، وصانه في الوقت نفسه من الاضطراب والفوضى”.

    بل حتى في أجل الإنسان: نجد صريح هذه الآية الكريمة: (ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ) (الأنعام: 2) يدل على حصول أجلين لكل إنسان. يقول الإمام الرازي في تفسير الأجلين بعد سرده أقوالاً فيها: “والقول السادس وهو قول حكماء الإسلام: أن لكل إنسان أجلين: أحدهما الآجال الطبيعية، والثاني الآجال الاخترامية. أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونًا من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني (أي المسمى)، وأما الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعطلة”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رئيس الحكومة يجري مباحثات مع نائب وزير الخارجية الأمريكي

    رئيس الحكومة يجري مباحثات مع نائب وزير الخارجية الأمريكي

    الرباط – أجرى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، اليوم الخميس بالرباط، مباحثات مع نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، الذي يقوم بزيارة رسمية للمملكة، تمحورت حول سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية القائمة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

    وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أنه تم خلال هذه المباحثات، التي جرت بحضور سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، ديوك بوكان، “بحث سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية القائمة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، التي يرعاها قائدا البلدين صاحب الجلالة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • زرعة دماغية بحجم حبة توت تدخل أول اختبار لعلاج الاكتئاب المقاوم

    في خطوة قد تفتح مساراً جديداً لعلاج الاضطرابات النفسية، حصلت شركة Motif Neurotech الأمريكية على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لبدء أول تجربة سريرية على البشر لجهاز دماغي لاسلكي صغير، موجه لعلاج حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج.

    ولا تعني هذه الموافقة أن الجهاز أصبح علاجاً معتمداً، بل تسمح للشركة ببدء دراسة مبكرة لتقييم سلامته وأدائه لدى مرضى بالغين لم تتحسن حالتهم بعد تجربة علاجين دوائيين أو أكثر. وتحمل الدراسة اسم RESONATE Early Feasibility Study، وتهدف بالأساس إلى اختبار النظام خلال مرحلة أولية قبل أي اعتماد طبي واسع.

    ويُعرف الجهاز باسم DOT، وهو جزء من نظام Motif XCS، ويبلغ حجمه تقريباً حجم حبة توت. ويختلف عن بعض الغرسات الدماغية التقليدية بأنه لا يخترق أنسجة الدماغ ولا يلامسها مباشرة، بل يُزرع داخل عظم الجمجمة فوق الغشاء الواقي للدماغ، ما قد يقلل مخاطر التدخل الجراحي مقارنة بالأنظمة الأكثر توغلاً.

    ويعتمد الجهاز على تحفيز كهربائي موجّه لمنطقة دماغية مرتبطة بأعراض الاكتئاب، خصوصاً لدى المرضى الذين لا يستجيبون بشكل كافٍ للأدوية أو العلاجات التقليدية. ووفق الشركة، صُمم الجهاز ليكون لاسلكي الطاقة، من دون بطاريات مزروعة أو أسلاك داخلية، مع إمكانية تشغيل جلسات التحفيز عبر جهاز خارجي قابل للارتداء.

    وتشير جامعة رايس، التي تستند التقنية إلى أبحاث مرتبطة بها، إلى أن المشروع يستهدف نحو 3 ملايين أمريكي يعيشون مع الاكتئاب المقاوم للعلاج، وهي فئة لا تجد تحسناً كافياً رغم استخدام الأدوية أو خيارات علاجية أخرى. كما اختيرت الشركة ضمن برنامج تابع لوكالة ARPA-H لتطوير حلول أكثر دقة في مجال الصحة السلوكية.

    ومن المقرر أن تشمل التجربة الأولى عدداً محدوداً من المرضى، مع متابعة تمتد لنحو 12 شهراً لتقييم سلامة الجهاز، ومدى قدرته على تقديم تحفيز عصبي مستقر، إضافة إلى رصد مؤشرات مبكرة لاحتمال فعاليته في تخفيف أعراض الاكتئاب.

    وقال جاكوب روبنسون، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Motif Neurotech، إن الهدف من التقنية هو الانتقال بعلاج الصحة النفسية نحو نموذج أكثر دقة، يعتمد على فهم نشاط الدماغ والتدخل فيه بطريقة موجهة، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة العامة للأدوية.

    ورغم الآمال الكبيرة، يؤكد خبراء أن الطريق ما يزال طويلاً قبل اعتبار هذه التقنية علاجاً معتمداً. فالتجارب المبكرة تهدف عادة إلى قياس السلامة أولاً، ثم تأتي لاحقاً دراسات أوسع لتحديد الفعالية، والآثار الجانبية، والفئات التي قد تستفيد أكثر من هذا النوع من التحفيز العصبي.

    وبذلك، يمثل الجهاز الجديد خطوة واعدة في مجال الطب العصبي النفسي، لكنه لا يزال في مرحلة اختبارية. وإذا أثبتت التجارب سلامته وفعاليته، فقد يفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة للاكتئاب المقاوم، بعيداً عن النموذج التقليدي القائم فقط على الأدوية والعلاج النفسي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصويرة.. انخفاض في عدد ليالي المبيت بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة ب3 في المائة

    بلغ عدد ليالي المبيت بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة بالصويرة حوالي 166 ألف ليلة عند متم فبراير المنصرم بانخفاض بنسبة 3 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من 2025.

    وبحسب معطيات لمرصد السياحة حول تطور السياحة بالمغرب خلال شهر فبراير الماضي، وصل معدل الملء بهذه الوحدات بمدينة الرياح إلى 48 في المائة خلال شهري يناير فبراير المنصرمين، مسجلا تراجعا طفيفا بنقطتين مقارنة مع نفس الفترة من السنة الفارطة.

    وخلال شهر فبراير وحده، بلغ عدد ليالي المبيت بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 79 ألف ليلة بانخفاض بنسبة 12 في المائة.

    وبخصوص معدل الملء فقد وصل إلى 47 في المائة خلال شهر فبراير (ناقص 5 نقاط مقارنة مع الفترة ذاتها من 2025).

    وعلى الصعيد الوطني، بلغ الحجم الإجمالي لليالي المبيت المسجلة بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 6,3 مليون ليلة عند متم فبراير 2026، بارتفاع نسبته 4 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025، فيما بلغ معدل الملء بهذه المؤسسات 52 في المائة حسب ما أفاد به مرصد السياحة.

    إقرأ الخبر من مصدره