Auteur/autrice : هسبريس

  • السفيرة بنيعيش: سياسة الدولة الإسبانية تثبت الموقف من قضية الصحراء المغربية


    حاورها : حمزة فاوزي

    في جوابها عن مصير الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية في حالة نجاح اليمين في تشكيل الحكومة، قالت كريمة بنيعيش، سفيرة المملكة المغربية المعتمدة لدى المملكة الإسبانية، إن العلاقة التي تجمع المملكتين “علاقة دولة. كما أن السياسة الخارجية للدول الديمقراطية وكذلك قراراتها ومواقفها الخارجية، ينبغي أن تراعي في العادة سياسة الدولة التي تؤطرها المصالح والعلاقات الاستراتيجية”.

    وأضافت بنيعيش، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الممارسات غير الأخلاقية التي شهدتها الانتخابات الإسبانية ومست رموز المملكة المغربية، تهم أقليات لا تمثل الشعب الإسباني”، كما أوردت أن “ملف ترشيح المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، يعد سابقة في تاريخ كرة القدم”.

    نص الحوار كاملا: ما المنحى الذي تسير فيه العلاقات المغربية الإسبانية منذ عودتكم إلى العمل بعد “أزمة غالي”، كيف تقيمون هذا التحول الجذري في العلاقات؟

    أود التذكير في البداية بأن العلاقات المغربية الإسبانية علاقات متجذرة عبر التاريخ منذ قرون خلت، وتوجد العديد من القواسم المشتركة بين الشعبين الصديقين؛ فالمغرب، مثلا، هو البلد الوحيد، سواء في العالم العربي أو الإفريقي، الذي يقتسم مع إسبانيا بشكل مباشر كل ما يزخر به التراث الأندلسي من حضارة وثقافة، وقد تفرد الدستور المغربي لسنة 2011 باعتبار البعد الأندلسي أحد روافد الهوية المغربية.

    ثانيا، عامل القرب الجغرافي؛ فالمغرب لا تفصله عن إسبانيا سوى 14 كيلومترا، الأمر الذي يساهم بقوة في تمتين وتطوير العلاقات بين البلدين، حيث يفرض عليهما هذا القرب الجغرافي ضرورة التعاون في العديد من الملفات، مثل مسألة الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتعاون الأمني، وغيرها من الملفات والقضايا المشتركة.

    فالعاملان التاريخي والجغرافي يعدان ثابتين في العلاقات بين البلدين، ومن خلالهما يمكن أن نفهم طبيعة هذه العلاقة التي تجمع بين الدولتين المغربية والإسبانية، التي تجد أساسها في سياسة الدولة المعتمدة من طرف الجانبين، حيث بفضلها يتم تجاوز الظروف الطارئة التي يمكنها أن تقع في بعض الأحيان.

    وقد عرفت علاقات الشراكة الاستراتيجية تطورا كبيرا بين البلدين في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل الذي يساهم بشكل كبير في التغلب في أحيان كثيرة على المشاكل والأزمات. فإسبانيا حاليا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، إذ يصل حجم المبادلات بين البلدين إلى ما يقرب من 20 مليار دولار.

    بعد توجيه رسالته إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي دعم من خلالها مقترح الحكم الذاتي، معتبرا إياه “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع”، قام جلالة الملك على إثرها باستقبال السيد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في السابع من أبريل 2022، فتح صفحة جديدة في علاقاتنا الثنائية، لتكون أكثر طموحًا، متضمنة محتوى حقيقيا أكثر من أي وقت مضى لشراكتنا الاستراتيجية، وتم التوقيع بهذه المناسبة على خارطة طريق رسمت المحاور الكبرى والمبادئ التي ينبغي أن تؤطر من خلالها العلاقات بين البلدين في المستقبل. ثم بعدها عقد الاجتماع رفيع المستوى في مستهل شهر فبراير من السنة الجارية، الذي عرف توقيع ما يقرب من 20 اتفاقية. هذا دون أن ننسى الوتيرة القوية والمتسارعة لزيارات المسؤولين من كلا البلدين، التي تضاعفت بشكل ملحوظ لتواكب كل ما تم الاتفاق عليه بين الجانبين.

    ارتباطا بمذكرة الطريق التي تم الاتفاق حولها، هل الموقف الإسباني من مخطط الحكم الذاتي في الصحراء المغربية قد يتغير في حالة وجود حكومة يمينية؟

    ينبغي هنا أن أذكر بمسألة جوهرية، هي أن أهم مبدأ من المبادئ التي تؤطر السياسة الخارجية المغربية يتمثل في عدم التدخل في السياسة الداخلية للدول، وهو بالمناسبة مبدأ أممي. لهذا، لا يمكننا أن نقول إن هذا الحزب أو ذاك هو من سيشكل الحكومة في إسبانيا، فهذا شأن داخلي يتم تدبيره من طرف مؤسسات الدولة وفق دستور وقوانين البلد. كما أن مسألة تشكيل الحكومة مازالت لم تحسم بعد.

    وفي جميع الأحوال، نعود ونؤكد أن العلاقة التي تجمع المملكة المغربية والمملكة الإسبانية هي علاقة دولة. كما أن السياسة الخارجية للدول الديمقراطية وكذلك قراراتها ومواقفها الخارجية ينبغي أن تراعي في العادة سياسة الدولة التي تؤطرها المصالح والعلاقات الاستراتيجية.

    في الانتخابات رأينا ممارسات غير أخلاقية لبعض الأحزاب تجاه رموز المملكة المغربية أثارت غضب المجتمع المدني للجالية المغربية، كيف ترون ما وقع؟

    نعم، تابعنا هذا الأمر بقلق شديد، وعبرنا حينها عن رفضنا المطلق لهذه الممارسات التي لا تمت بصلة إلى حرية التعبير، لأنه لا مجال للحرية في الاعتداء والتهجم على الآخرين، فما بالك برمز من رموز بلد آخر، الذي عندما يتم المساس به فهذا يعني الاعتداء والمساس بشعور 40 مليون مغربي. لهذا السبب، انتفضت جميع القوى الحية والمجتمع المدني المغربي في إسبانيا للتعبير عن رفضها لهذا السلوك المشين، الذي نعتبره صادرا عن أفراد قليلين لا يعبرون عن الشعب الإسباني. وفي اعتقادنا، فإن هذا السلوك ناتج عن جهل أصحابه وقلة تجربتهم في المجال السياسي.

    وهنا لا بد من التوقف للإشادة برد الفعل الحضاري الذي قامت بها الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، عبر ممثليها في الجمعيات المختلفة التي عبرت عن ارتباطها الوثيق بثوابت ورموز المملكة المغربية، وعن وطنية قل نظيرها، وأن انتقالها للعيش في هذا البلد لم ينسها هويتها وجذورها المغربية.

    لهذا، فأنا دائما أعبر كلما أتيحت لي الفرصة عن اعتزازي وفخري بهذه الجالية المتميزة بسلوكها الحضاري وباندماجها في المجتمع الإسباني، ومساهمتها الفعلية في اقتصاد إسبانيا وتنميتها. ولن أخفيكم مدى سعادتي عندما ألتقي هنا في إسبانيا بنماذج من الشابات والشبان الناجحين والطموحين من أصول مغربية، عندما يعبرون لي عن مدى اعتزازهم وفخرهم بالانتماء إلى البلدين، بلد الإقامة والعيش وبلد الأصل والجذور. لذلك، أعتبر أن الجالية المغربية في إسبانيا هي بمثابة الجسر الذي تتلاقح بواسطته ثقافة البلدين.

    ستقدم مدريد والرباط ولشبونة ملفا مشتركا لتنظيم كأس العالم 2030، كيف سيساهم هذا الحدث في تعزيز العلاقات بين هاته الدول؟

    للإشارة، فقد علم الجميع بهذا الموضوع، عن طريق إعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس الترشح المشترك للمغرب مع كل من إسبانيا والبرتغال لاستضافة مونديال 2030 خلال شهر مارس الماضي في العاصمة كيغالي، في خطاب تلاه السيد شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بمناسبة حفل تسليم جائزة الكاف للتميز لعام 2022 لفائدة صاحب الجلالة، وقد شدد جلالة الملك في هذا الخطاب على أن هذا الترشيح سيكون ترشيحا للالتئام حول أفضل المقومات من الجانبين، وإظهار تحالف العبقرية والإبداع والخبرة والإمكانيات، وتنبع أهمية هذا الترشيح من كونه سيشكل سابقة في تاريخ كرة القدم، حيث سيوحد لأول مرة دولا من قارتين مختلفتين، هما القارة الإفريقية والقارة الأوروبية. ولهذا، فإن هذا الترشيح المشترك سيكون محطة متميزة للالتقاء بين إفريقيا وأوروبا، وبين شمال وجنوب المتوسط، وبين العالم الإفريقي والعربي والأورومتوسطي.

    كلمة أخيرة ..

    أود أن أجدد شكري لكم على كل ما تبذلونه من عمل وجهد محمودين لتنوير الرأي العام الوطني، ونقل الأخبار وتحليلها بكل جدية ومهنية.

    كما أريد من خلال إطلالتي هاته أن أهنئ جميع قرائكم الأوفياء وكافة المواطنات والمواطنين المغاربة بحلول الذكرى الرابعة والعشرين لتربع مولانا أمير المؤمنين على عرش أسلافه الميامين، التي هي ذكرى عزيزة على قلوب جميع المغاربة داخل البلاد وخارجه.

    وبهذه المناسبة، يسعدني ويشرفني، أصالة عن نفسي ونيابة عن كافة أعضاء وأطر السفارة والقنصليات العامة المغربية بإسبانيا، أن أتقدم إلى الجناب الشريف والمقام العالي بالله بأسمى آيات الطاعة والولاء، وبأخلص التهاني وأغلى المتمنيات، راجية من الله العلي القدير أن يعيد أمثال هذه المناسبة الميمونة على سيدنا المنصور بالله بالنصر والتمكين والصحة والعافية والسعادة والهناء، وأن يحقق لشعبه الوفي كل ما تصبو إليه جلالته من تقدم ورفعة وازدهار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وزارة الخارجية الإسرائيلية لهسبريس: الاعتراف بمغربية الصحراء ثمرة للحوار الجاد


    هسبريس – توفيق بوفرتيح

    قال ليئور حياط، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، إن بلاده “عازمة على مواصلة العمل مع المغرب لتطوير العلاقات الثنائية وتعزيزها على جميع المستويات”، مؤكدا أهمية “الارتقاء بالبعثات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوى السفارات في تعزيز الروابط بين الحكومتين والشعبين المغربي والإسرائيلي”.

    وأفاد المسؤول الإسرائيلي عينه، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، بأن العلاقات الطيبة بين المملكة المغربية وإسرائيل تعزز فرص الاستقرار الإقليمي والسلام في الشرق الأوسط، مشدد على أن “هناك دولا تفضل الصراع والعنف على الحوار والسلام”، وداعيا إلى “ضرورة التعاون من أجل التصدي للتهديدات الإيرانية في المنطقة”.

    هذا نص الحوار: اعترفت إسرائيل بمغربية الصحراء بعد أكثر من سنتين على عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أواخر العام 2020. لماذا تأخرت هذه الخطوة كل هذه المدة؟

    أولا تجدر الإشارة إلى أن استئناف إسرائيل لعلاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في دجنبر من العام 2020، خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار وتحقيق الازدهار في منطقة الشرق الأوسط، ومنذ تلك اللحظة دخلنا في حوار جاد وواسع النطاق مع الحكومة المغربية حول عدد من القضايا والملفات، من ضمنها ملف الصحراء، وقد اكتسب هذا الحوار زخما كبيرا منذ تسلم الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها.

    في اعتقادي، فإن نتيجة هذا الحوار، المتمثلة في اعتراف إسرائيل بالسيادة المغربية على الصحراء، هي أكثر أهمية من الوقت الذي استغرقته مناقشة هذه الخطوة، ونحن في إسرائيل عازمون على مواصلة العمل مع المغرب للارتقاء بعلاقاتنا وتعزيزها على جميع المستويات.

    ما هي قراءتكم لمستقبل العلاقات بين المغرب وإسرائيل بعد هذا الاعتراف؟

    نرى أن تعزيز العلاقات بين إسرائيل والمغرب، بما في ذلك العلاقات بين حكومتي البلدين، فضلا عن تعزيز التجارة والسياحة والاستثمارات، يكتسي أهمية كبيرة. وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن هناك جالية يهودية في المغرب تعيش في هذا البلد منذ مئات السنين، في المقابل توجد في إسرائيل جالية مغربية تشكل نسبة مهمة من المجتمع الإسرائيلي، وهاتان الجاليتان هما جسر ثقافي بين بلدينا، وأنا على ثقة بأن العلاقات الطيبة التي تجمع إسرائيل بالمغرب، ستعزز الاستقرار الإقليمي وستساهم في تحقيق الرخاء والازدهار لشعبي البلدين، كما أنها ستعزز فرص السلام في الشرق الأوسط.

    إسرائيل أكدت أنها تدرس إيجابيا فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة المغربية، وأكيد أنكم تنتظرون بدوركم، في المقابل، خطوة مغربية لترقية مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط إلى مرتبة سفارة، هل تم الاتفاق مع الرباط على موعد محدد لهاتين الخطوتين؟

    في الحقيقة، إن رفع مستوى كل من البعثة المغربية في إسرائيل والبعثة الإسرائيلية في المملكة المغربية إلى وضع سفارات يكتسي أهمية كبيرة، ويُعد علامة أخرى على تعزيز الروابط بين حكومتي وشعبي البلدين، لكن في الوقت الحالي لا يوجد أي موعد محدد لهذه الخطوة، لكننا نأمل أن يحدث ذلك قريبا.

    هل ترون أن موقفكم الجديد متقدم جدا على موقف السلطة الوطنية الفلسطينية من قضية الصحراء المغربية؟

    لا أعتقد أن هناك مجالا للمقارنة بين الموقفين، فرسالة رئيس الوزراء الموجهة إلى الملك محمد السادس تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وهذه هي سياسة إسرائيل.

    لكن هذا الاعتراف لا يتم النظر إليه بارتياح من طرف الجزائر أولا، وجبهة البوليساريو ثانيا، كيف تتعاملون مع هذا الأمر؟

    كل ما يمكن أن أقوله في هذا الإطار هو أن دولة إسرائيل تمد يدها إلى جميع الدول لتحقيق السلام في المنطقة، لكن للأسف الشديد لا تزال هناك بعض الدول التي تُفضل الصراع والعنف والكراهية على الحوار والسلام. وشخصيا، أعتقد أن التحولات والتغيرات التي تمخضت عن اتفاقيات السلام ستوصل مسلسل التطبيع إلى دول أخرى في المنطقة والشرق الأوسط، وهذا سيحقق مستقبلا أفضل لجميع شعوبنا.

    كسؤال أخير، قامت إسرائيل بتعيين ملحق عسكري لها في المغرب، أخيرا، فهل يساعد ذلك في مواجهة النفوذ الإيراني بالمنطقة؟ وهل سنشهد تحالفا مغربيا إسرائيليا في هذا الإطار؟

    أولا لا بد من التأكيد أن إيران تشكل تهديدا كبيرا للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم بأسره؛ ففي كل مكان يمكن فيه العثور على بصمات إيرانية لن تر إلا الفقر والحرمان والعنف والإرهاب، وهذا هو الوضع في لبنان وسوريا واليمن، وفي أي مكان تحاول فيه طهران الترويج لثورتها الإسلامية.

    نحن نرى محاولات من قبل إيران والمنظمات الإرهابية التي ترعاها للتغلغل في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا وأماكن أخرى في جميع أنحاء العالم. وبالتالي، فإن التعاون للتصدي لهذه التهديدات الإيرانية يخدم المصلحة المشتركة لجميع دول المنطقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أدونيس: المسلم « العدو الأول » للإسلام.. والعروي مجدد في الدراسات التراثية


    حاوره: علي بنهرار

    قال الشاعر والباحث السوري اللبناني أحمد سعيد إسبر، المعروف باسم أدونيس، إن “المسلم هو العدو الأول لإسلامه بحيث حول دينه إلى أداة ووسيلة ورأسمال”، مبرزاً أن “المسلم مازال يعيش أزمة وجودية في الغرب، فهو حين يذهب ليعيش في أوروبا يذهب ويعتقد أنه يعيش في بلده مجتمعه تماما، وهذا أمر غير سليم وغير صحيح”.

    وأفاد أدونيس، ضمن حواره هذا مع هسبريس، بأن القطيعة مع التراث لديها مهمة واضحة، هي القطع مع السياسي وكل ما يتعلق بالسلطة في الفكر الإسلامي القديم”، منوها بالجهود التي قدمها المفكر المغربي عبد الله العروي في سياق خلق جديد لحركة تراهن على التحديث الفكري للمجتمعات العربية عامة”.

    يعيش المسلمون في الغرب اليوم وضعا صعبا وملتبساً، ولهذا أود أن نبدأ حوارنا حول ما صار ينعتُ بـ”التطرف العلماني المعاصر”، أو قُل ما اعتبره البعض المقابل البنيوي لمفهوم “التطرف الديني”، من الناحية النظرية طبعاً. كيف يقرأ أدونيس هذا المفهوم؟

    أنا أحتاط من مثل هذه المفاهيم، ببساطة لأن الشعوب الأوروبية أغلبها ضد السياسة الرسمية للدولة؛ يعني من الذي يجسد هذا التطرف إذن؟

    الشعوب أو الحكومات الغربية؟ وهنا يبدو لي أنه علينا أن نتحوط كثيراً، لكون هذه الأقاويل في مُعظمها ليست دراسات، أي ليست مبنية على معرفة.

    التعميم الذي يعتمل فينا هو المشكلة، فنحن نلتقط حالات معزولة ونعممها لأسباب ما. خذ مثلاً مقتل الشاب نائل في فرنسا، ألم تعتذر السلطة المدنية الفرنسية رسميا؟ لكننا انجرفنا مع التيار الآخر، وغيبنا هذا في إعلام المنطقة، لنكرس مقولة “الغرب متطرف”.

    ليس هناك عدو للمسلم أكثر من نفسه، بل صرت أعتبر المسلم هو العدو الأول لإسلامه. لذلك، أقول إنه يجبُ أن نسأل المُواطنين العرب الذين ولدوا في البلدان الأوروبية سؤالا واحداً: هل أنت مغربي أو فرنسي؟ سوري أو ألماني؟ فقط. مشكلتنا أننا نذهب لنعيش في الغرب ونظن أن المجتمعات الغربية مثلنا، وأنها يجب أن تشبهنا. المسلم يعاني يوميا من أزمة وجودية حين يذهب ليعيش في فرنسا أو أي بلد غربي آخر. تجده يتصرف وكأنه في بلد إسلامي، ويحاول العيش وكأنه في بلد غير غربي. وهذه مشكلة حقيقية، لأنها تعبر عن كوننا مجتمعات لم تستوعبْ شعوبها بعدُ معنى المُواطنة.

    ودعنا ننظر للأمر بشكل معكوس، هل سيقبل المسلمون أن يأتي الغربيون ويعيشون في المجتمعات الإسلامية كأنهم غربيون؟ لماذا لا نطبق على أنفسنا المبادئ نفسها التي نطبقها في تصورنا للآخر؟

    (مقاطعا) ما الذي يود أدونيس قوله بالتحديد هنا؟

    أقصد أن هذا تصور جد مُلتبس، يحتاج إلى بحث. وأنا حسب ما ألاحظه، لم يتعرض أحد للمسلمين بمعتقداتهم الخاصة، وإنما في الغرب هناك فضاءات تعد نطاقا مدنيا، أو ملكاً مشتركاً، كالتعليم مثلاً. لنأخذ مثلاً مسألة الحجاب، فمن الناحية المبدئية الحجاب لا يجوز ارتداؤه في المدرسة باعتبارها فضاء مشتركاً، بينما في الشارع وفي المقهى، هناك نساء كثيرات يرتدينه في فرنسا وغيرها. وتطبيق هذه المبادئ ليس بالضرورة “تطرفا علمانيا”. فلا أحد ضد الحجاب في المبدأ، لكن ضده حيث يشترك الجميع في مبدأ واحد. هذا ما تقوله البيانات دائما، لكننا نغض الطرف عنها. نحن فهمنا النموذج اللائكي الفرنسي بشكل خاطئ للغاية.

    كيف تعتبره خاطئا وأنت تعرف أن هناك حركة ديكولونيالية برزت، في أفق الباحثين من المنطقة، تحاولُ أن تمارس نوعاً من العصيان الابستيمولوجي تجاه النبرة الاستعلائية للنظريات الغربية وأن تقوض الروح الاستعمارية فيما يتم تحريره محليا؟

    مجرد شعارات. وسأحاول أن أجيبك انطلاقاً من بعض الأسئلة: ماذا أخذ العرب عمقيا من الغرب حتى ينفكوا عنه؟ هل أخذنا منهم ديكارت؟ هل يستطيع العربي أن يقول اليوم “أنا أفكر إذن أنا موجود”؟ هل أخذنا المبادئ التي تأسست عليها النهضة الغربية؟ لماذا نأخذ السيارة مثلاً ونرفض المبادئ العلمية التي أدت إلى صنعها؟ نحن جعلنا السيارة كثوب خارجي لا علاقة له بجسمنا. لماذا نتعلم اللغة الفرنسية كنسق للتواصل ولا ننبش في تاريخها الحضاري؟ من تأثر عمقيا بالشعراء الفرنسيين؟ هل عندنا بودلير جديد، أو رامبو، هيجو وأبولينير في محيطنا التداولي؟

    لكن، من حق مثقفينا أن ينجزوا أعمالاً تدعي أنها تفك الارتباط الابستيمولوجي مع الغرب، لا أحد سيعترض. بيد أني صراحةً أخشى ألا يكون هناك أي جديد. الحداثة ومفاهيمها بقيت قرنين كاملين هي مدار النقد في العالم العربي. الحداثة والحديث والمحدث ضد القديم والتقليدي والرجعي، إلخ. النقاد الحريصون على التراث العربي لم يقولوا كلاما كثيرا عن روح “الحداثة” التي عرفها العرب. العرب خلقوا مصطلحات حديثة، لكننا مستعمرون ولا يمكن أن ننفصل عن الغرب بدعوى الديكولونيالية، إلا إذا توفرت الشروط الحقيقية لذلك.

    نحن لدينا مرض، وأظن أن له الأولوية ليشخصه المثقفون، وهو أن العرب اليوم يعيشون إسلاماً آخر، إسلام الأداة والوسيلة والرأسمال، هذا دمر المسلمين ودمر الإسلام، بحيث لم يعد هناك بعد روحاني. وأكرر القول إن المسلم هو العدو الأول لنفسه، في ممارساته، وفي فهمه للإسلام، مع أنني أحترسُ منه بدوري، لكونه يحتاج إلى بحث معمق، وأعتقدُ سأقوم به قريباً. ثم، يبدو لي أن لدينا أيضاً مرضا آخر هو التبعية؛ بحيث أتساءل دائماً:

    لماذا نكره الولايات المتحدة الأمريكية ونتبعها عمليا؟ رغم أننا نعرف أن أمريكا هي أسوأ دولة في تاريخ البشرية لكون نظامها قام في الأصل على استئصال السكان الأصليين بأكملهم.

    بخصوص موضوع البحث المحلي، قلتَ إن الوحيد الذي جاء بجديد في حقل الدراسات التراثية هو عبد الله العروي، وأنت تتقاطع مع المفكر المغربي في مفهوم القطيعة المنهجية مع التراث. لكن السؤال المطروح على راهننا: هل يمكن لهذه “القطيعة مع التراث” أن تساهم في تحديث متوننا المعرفية، وبالتالي تسهيل تحاورنا مع الغرب عبر خطاب الند للند؟

    تحديث هذه المتون، يجبُ أن ينطلق من حقيقة أنه ليست هناك ثقافة خاصة، إلا الثقافة العملية. ابن سينا وأرسطو وأفلاطون وديكارت ونيتشه، إلخ، مثل الهواء، كل منهم يتكيف معه. بمعنى أن هناك ثقافة كونية واحدة تنضوي تحت لوائها مختلف ثقافات العالم. الفرد غير موجود إلا بالآخر. لكن مشكلتنا التي تجعلنا ضعفاء أمام الغرب، تكمن في الدين، وهي أننا ليست لدينا ذاتية، بل هناك جماعة. والجماعة لا ترسم لوحة ولا تحرر رواية ولا تكتب قصيدة ولا تفكر أصلاً. هذه مهمات الفرد بشكل حصري. فلماذا إدخال الجماعة في الفكر؟

    الجماعة مفهوم سياسي سلطوي، وليس فكريا. ومن ثم، لا يمكن على الإطلاق أن نفكر في طرافة مفهوم القطيعة مادام هذا التفكير موجودا بهذه الحدة والقوة الحالية. والقطيعة ليست توجها كليا يروم القطع مع التراث بمجمله، ولكن المقصود به هو القطيعة مع الطبقة التي ارتبطت بالنظام السياسي أو تخصصت في التنظير له، فقط. ولا يمكن أن نقطع مع مجنون ليلى مثلاً. هناك مجرى عميق لا يمكن أن نقطع معه، ولكن يمكن القطيعة مع الماء المتواجد في الضفاف، ومع الماء الذي يتبخر مع مرور الوقت، إلخ.

    ما أقصده وقصده العروي أيضاً، هو القطيعة مع ثقافة السلطات، ولكن ليس مع ثقافة المبدعين. فأي مبدع أهم من أي سياسي. ثقافة المبدعين هي ثقافة حية ومُظلمة، عكس ثقافة السلطة المظلمة والمتكلسة. عندما تستخدم الشعر مثلاً، يصبح مديحاً أو هجاءً، وهذا تجسيد أمينٌ للسقوط.

    الشعر الذي يعبر عن الذات والألم والحب والقضايا الكبرى، لا يمكن أن نقطع معه. وبالتالي نحن لا نقطع مع التراث كله، بل نقطع مع النتاج الذي ارتبط بالسلطة وأصبح جزءا من التاريخ والأحداث التاريخية تخطته.

    لكنك تعرف أن هناك من الباحثين من يعتبر هذه القطيعة مجرد تجريد طريف، وخصوصاً أن مشروع العروي بدأ منذ السبعينات، بينما مازال ما يقوله يُقرأ بحذر شديد بالمغرب والمنطقة. أتعتقد أن التنزيل الفعلي لما قاله العروي مازال يحملُ شيئاً من الجدة اليوم أم إن نداء مشروعه الفكري للحداثة كقيمة انتهى بلا رجعة بعد أن حل زمن “ما بعد الحداثة” رغما عنا؟

    أنا لدي رأي مختلف في هذا الموضوع. فالعرب بالنسبة لي لم يدخلوا الحداثة حتى الآن، دخلوا في بعض الجزئيات، لكن لا يمكن أن يصبح المجتمع حديثا إذا بقيت أفكار وقضايا تقرر مصيره ولا يستطيع أن يقول رأيه فيها بحرية، وأنا أقصد التراث الديني بشكل عام. المجتمعات العربية غير حديثة بالمعنى العميق للكلمة لا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا حتى سياسيا. لكن ما قاله العروي مازال راهنا، لأنه كان ضمن حركة معينة تراهن على خلق أفق جديد، وأنا أضع عبد الله العروي في الطليعة، لكننا إلى اليوم لم نقطع كثقافة مع القديم، ولا يمكن القطيعة إلا إذا استطاع المفكر العربي أن يطرح على النبوة والنصوص الدينية أسئلة حرة وكاملة.

    (مقاطعا) يعني مثل ما فعله نيتشه في الغرب؟

    بالضبط، لأنني شخصيا أعتبر نيتشه هو الرجل الحديث الوحيد كنموذج. لكن لا أحد عندنا فعل ما فعله نيتشه إطلاقاً، لا أنا ولا العروي ولا أي مثقف عربي آخر. هذا واضح، لكني لا أتفق مع من يعتبر مشروع العروي تجريداً، ببساطة لوجود عقبات موضوعية في بنية المُجتمع تعيق تنزيله وتعرقل إمكانية النظر فيه. ولهذا أقول إنه ما لم يُصبح المجتمع العربي مجتمعا مدنيا بكامل المعنى، بحيث الإنسان يتصرف لا كمنتمي إلى دين ولا إلى قبيلة ولا إلى طائفة أو عرق، وإنما ككائن حر يقول رأيه في كل شيء، ودون أن يُعاقب، فلن نكون مجتمعات حديثة ومنخرطة في نادي الإنسانية. أنت وأنا نعرف أن حرية التعبير عندنا محاصرة والتفكير عندنا حتى الآن مازال يعد جريمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الزاوي: الثقافة الأمل المتبقي للمغرب والجزائر .. و »الإسلام الأمازيغي » علماني


    حاوره: علي بنهرار

    قال الروائي الجزائري أمين الزاوي إن الثقافة هي الوحيدة التي من شأنها أن توقف التجديف المتواصل بين المغرب والجزائر سياسيا، وأن تنقذ البلدين بالتالي من الانزلاق، موضحا أن الثقافة يمكنها أيضا أن تحد من الأجواء المتكهربة مؤخرا بين الشعبين المغربي والجزائري على مواقع التواصل الاجتماعي وما تشهده من تحاقن وتراشق بالقذف والسب.

    وشدد الزاوي، في حوار مع هسبريس، على أن الإسلام الأمازيغي ببلدان المغرب الكبير علماني بطبعه، نظرا لوجود تقاليد هوياتية عريقة تفصل بين الديني والسياسي، مضيفا أن “الإسلام السياسي ضيع علينا النهضة، وضيع علينا استلهام هذه الروح المعاصرة الموجودة في ثقافاتنا المحلية كشعوب أمازيغية”.

    يمكن للثقافة أن تصلح ما أفسدته السياسة، لكن كيف تقيم المشهد الثقافي بين المغرب والجزائر، أي العلاقة بين المثقفين في البلدين بغض النظر عن القطيعة السياسية والتوجهات الرسمية وحتى بعض التوترات الشعبية؟

    يبدو لي أن العالم بشكل عام، سواء في شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط، مر بمراحل كثيرة من التفكك السياسي ما بين مختلف الدول العربية ودول شمال إفريقيا، أو ما يسمى بالمغرب الكبير. لقد كانت هذه التفككات والعداءات والخصامات السياسية دائما موجودة، سواء بين العراق وسوريا، أو بين الأردن ومصر، أو بين مصر والسودان، أو بين المغرب والجزائر، أو بين الجزائر وموريتانيا، أو بين المغرب وموريتانيا، إلخ…

    ومما لا شك فيه أن هذه القطائع والنزاعات السياسية كانت دائما حاضرة، ولكن ما ظل قائما كوحدة، هو الثقافة. الأخيرة هي التي تجمع هذه المنطقة عندما تفككها السياسة. وكلما أصيبت الأنظمة السياسية بعطب ما، كانت الثقافة تجبر الكسور. لكن، لماذا تقوم بهذا العمل؟ أقصد مهمة أخْلَقة السياسة وجبر الكسور التي تفتعل داخلها؟ الإجابة بسيطة، وهي أن الثقافة تشتغل على الإنسان، ولا تشتغل على المشاريع الموسمية. الثقافة يهمها الاستراتيجي، والسياسة يعنيها التكتيكي.

    وأعتقد أن هذا ما يجعل من الثقافة قوة ناعمة ناجعة جدا، ويمكنها أن تقاوم كل كسر في الأنظمة السياسية وتتجاوز كل ما يقع بين الدول. الثقافة محصنة، فنحن حين نقرأ قصيدة جميلة لا نبحث من أين جاءت، ولا نسأل هل جاءت من موريتانيا أو من سوريا… وحين نقرأ رواية، فالأمر نفسه، وكذلك حينما نشاهد فيلما جميلا… كل ما نقوله حينها هو أن هذا العمل يشكل إضافة إنسانية كبيرة، إنه يخدم الإنسان والقيم الكبرى. الثقافة في نهاية الأمر هي التي تقوم بعملية التهذيب والأخلقة، وكلما أخفقت السياسة، نجد الثقافة تداوي جراحها.

    لكنك تعرف أن الوضع السياسي صار أكثر خطورة من أي وقت سابق بين المغرب والجزائر، وأنت رصدت ملامح التوتر في روايتك “جوع أبيض”. هل يمكن للأدب أن يصمد طويلا في مهمة أخذ المسافة أم إن التوتر صار قريبا من ابتلاع الثقافة وإقحامها غصبا في عملية التجديف الحالية؟

    أعتقد أن على المثقف الأصيل والعضوي أن يحافظ دائما على المسافة، ليس بين السياسة والأدب، بما أن السياسة تحضر ضمنيا في النصوص، ولكن بين الخطاب السياسي والخطاب الثقافي، أي الخطابات السياسية الموسمية التي تسوق لفترة معينة. هذه الخطابات لا بد أن تتجاوزها الثقافة وأن يقطع معها النص الأدبي، إلا من باب النقد طبعا.

    وأتصور أن قوة الإبداع والرواية والقصيدة تكمن في كونها تنظر دائما إلى الراهن لتضعه ضمن المجال المستقبلي طويل المدى. والإبداع ليس فارغا من السياسية، ولكنه فارغ من الأسلوب ومن الخطابات السياسية العابرة والمرحلية. الإبداع هو الذي يؤسس بالضرورة لخطاب مستقل بنفسه، يقرأ الخطابات السياسية بحذر، ويؤسس لخطاب نقدي فلسفي متأمل يخدم في النهاية سعادة الإنسان في كل البلدان.

    لربما نحن الآن بصدد الحديث عن مشروع ثقافي بديل. ما هي المداخل التي يقترحها الزاوي كمثقف لإيقاف التجديف والتوتر ثقافيا لنفكر في مشروع ثقافي جامع لبلدان المنطقة المغاربية في ظل التشرذمات الحالية؟

    هناك مساران؛ الأول هو أن يقوم كل بلد بالتفكير في ما يسمى مشروعا ثقافيا محليا وطنيا، وأن يكون في قلب الدفاع عن الدولة الوطنية. هذا المفهوم وهذا النموذج لا يجب أن نفكر فيه على ضوء السياسة فحسب، بل أيضا انطلاقا من الثقافة، أو قل التأسيس لمشروع ثقافي في الدولة الوطنية. وهذه الدول، كالجزائر والمغرب وتونس وسوريا ومصر، إلخ، ستكون مطالبة بعدم التفريط في خصوصيتها المحلية، وفقا لما تراه نافعا ومهما لمواطنيها على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، إلخ.

    المسار الثاني، الذي يمثل حلما يسكن المثقفين بشكل عام، هو كيف نحول هذه المشاريع المرتبطة بالدول الوطنية إلى مشاريع جهوية متراصة ومتماسكة. وهذا يدخل في إطار العلاقات التي يجب أن تكون بين المثقفين والروابط بين النصوص الفكرية والأدبية، التي تذهب أبعد من الحدود. ويبدو لي أن هذا المسار الثاني سيكون ممكنا ومثيرا إذا سعينا للعمل على مسألتين اثنتين؛ الأولى هي التفكير في تشطيب خطابات الإسلام السياسي، باعتبارها أفسدت كل المشاريع الجهوية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

    المسألة الثانية تتعلق بضرورة القطع مع النقاشات السياسية العارية، ومن ثم الدخول في نقاشات فلسفية عميقة تتيح إمكانيات تبادل النصوص العظيمة. وهذا شيء يجب على جامعات المنطقة أن تقوم به، من حيث التفكير في التأسيس لمختبرات مشتركة جهوية في الطب والأنثرولوجيا والأدب والنقد والفلسفة… وهذه المختبرات ستكون مهمتها المساهمة في وضع التصور لمشروع ثقافي جهوي.

    وأود أيضا أن أثير مشكلة الإعلام، الذي أصبح يصب الزيت على النار أكثر ويجعل خدمات الثقافة محنة ومهمة صعبة. هذا الإعلام يجب محاربته، والاستئناس بالإعلام الهادئ الذي ينتقد ويقف مع بلده بلا أي عقد، لكن شرط ألا يساهم في الاحتقان وتأجيج اللهيب بين الأنظمة السياسية. حان الوقت لنقول إننا في حاجة إلى إعلام يتأمل ما هو الجرح وما هو الانكسار، وأيضا ما هو المستقبل.

    تعرف أن العلمانية تعد من المفاهيم التي لم تكن محظوظة وظلت تعاني من الحيف في سياق تلقيها ضمن محيطنا التداولي، وأنت اعتبرت مرارا أن الإسلام السياسي ضيع علينا زمنا من التنمية الثقافية. في نظرك، هل كان الإسلام السياسي عائقا أمام بلوغ بلداننا مرحلة الدولة المدنية وبالتالي استيعاب معنى العلمانية؟

    صحيح، وأنا أقول إن الإسلام السياسي هو الذي أفسد حتى حلمنا في النهضة. تلك النهضة التي قامت على خمسة كتب أساسية: كتاب “الاستبداد” للكواكبي، وكتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرزاق، و”في الشعر الجاهلي” لطه حسين، و”حرية المرأة” لقاسم أمين، و”امرأتنا في الشريعة والمجتمع” للطاهر حداد. هذه الكتب طرقت مختلف المجالات، بما فيها علم الاجتماع والدين والأدب، وكانت هي الأرضية التي شكلت المنطلق الأساسي الذي تأسست حوله نقاشات جادة في مشروع ثقافي كبير.

    لكن للأسف، مباشرة مع ظهور الإخوان المسلمين في 1928 بدأت الصحوة تغلب النهضة، وحينما انهزمت النهضة بمفهومها الجميل والفلسفي وباعتبارها الحلم الكبير والبديل الذي يؤسس لعلاقتنا مع الآخر، فشل بالضرورة ذلك المشروع الثقافي. فشل لكون الإسلام السياسي هو الذي هيمن منذ تلك الفترة على كل مفاصل الحياة، خصوصا المدرسة، وزرع في الأجيال المختلفة أفكارا مسمومة عن مختلف المفاهيم، بما فيها العلمانية.

    لكن العلمانية حين نتأملها، ليست سوى مجال لتدبير الدين بشكل يحترمه، ويقوم على رؤية: “أتركوا الدين يرتاح، أتركوا الدين للناس، لطمأنينة البشر. لا تقحموه في الخصامات السياسية”. فقط، العلمانية تؤكد لنا أن الإسلام ليس بطاقة انتماء حزبية، بقدر ما هو انتماء إلى السماء، لسبب بسيط هو أننا نذهب إلى الله أفرادا ولا نذهب قطعانا. غير أن الإسلام السياسي ضيع النهضة ثم أفسد أيضا المفاهيم التي يمكن التأسيس عليها لمشروع ثقافي نظيف، كالعلمانية، باعتبارها الرؤية الموضوعية التي تفصل بين الروحي والسياسي وبين الدين والدولة.

    من الواضح أن العلمانية مثل الديمقراطية، وهناك علمانيات. ويحظى النموذج اللائكي الفرنسي بانتقادات كثيرة لدى مثقفينا. من وجهة نظرك، أي نموذج للعلمانية تعتبره بالفعل ممكنا في أفقنا كأمازيغ وكعرب؟

    أعتقد أن الإسلام الأمازيغي هو إسلام، إذا صح التعبير، علماني بطبيعته، فهو يفصل بين العلاقة الروحانية والعلاقات التي تسير المجتمع. لو نعود إلى تقاليدنا الأمازيغية العريقة، في هذه المنطقة في شمال إفريقيا، سنجد أن هناك عادات مهمة جدا، تبين كيف احترم الأمازيغ الإسلام حينما وصل.

    لقد فهموا منذ البداية أن الدين أو الإسلام شيء والدولة والمجتمع شيء آخر. بمعنى اعتبروا أن لهم ثقافة وعادات وتقاليد لا يمكن التفريط فيها، باعتبارها مؤسسة قائمة منذ القدم وجديرة بالتقدير والاحترام، وأيضا اعتبروا أن الإسلام كدين وكإيمان جدير بالاحترام والتقدير. هذا هو الإسلام الأمازيغي.

    وأعتقد أيضا أنه لو تأملنا تاريخ الطرقيات، أو ما يسمى بالإسلام الروحاني، أو الزوايا، لوجدنا أن منطق الدين الإسلامي داخل هذه المؤسسات يفصل بين أمرين، الأول حين يأتي الفرد لعيش حالة روحانية مع الله، والثاني في حياته اليومية حيث يعيش بشكل حر ومستقل. ومن ثم، إذا ما أخذنا نموذج الإسلام الأمازيغي والإسلام الصوفي في شمال إفريقيا، لأمكننا أن نزيل كل هذه التصدعات والصراعات التي أحدثها ما يسمى بالإسلام السياسي الذي ينهل من المرجعية السلفية وصحوة الإخوان المسلمين.

    باقتضاب، هذا يعني أن أي نموذج للعلمانية يكون قريبا منا يجب أن يستأنس ابتداء بالثقافة المحلية، ولكن على ضوء الانفتاح على الفلسفة الغربية المعاصرة، خصوصا الأنواريين في الثقافة الأوروبية، كالألمانيين، والأمريكيين أيضا. التقريب بين الجانبين سيأتي في ظل محاولة المزاوجة بين الثقافة المحلية في بعدها الإنساني، أي الفصل الفطري بين المؤسسات، وبين الثقافة الإنسانية الكونية والفلسفة الأنوارية القادمة من أوروبا.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • رقي: « مشروع القراءة » مُفرِح .. و »القطارات » محطّة مقبلة لتشجيع المطالعة


    حاورها: وائل بورشاشن

    جهود حثيثة لرعاية القراءة بالمغرب وتنميتها، خاصة في صفوف التلاميذ والطلبة، تقوم بها شبكة القراءة بالمغرب التي توّجت دفعة جديدة من القارئات والقراء في ختام فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.

    شبكة القراءة تدعم أيضا قراءة “الكتاب المغربي” المكتوب بالعربية والفرنسية ولغات أخرى، والكتابات العالمية المترجمة إلى اللغة العربية من طرف مغاربة، كما تتوّج سنويا مسؤولي النوادي المشجّعة على القراءة في المؤسسات التعليمية بمختلف أنحاء البلاد.

    جريدة هسبريس الإلكترونية حاورت الرئيسة الجديدة لشبكة القراءة بالمغرب، رشيدة رقي، وسألتها عن برامج الشبكة وانخراطها في المبادرة الجديدة المدعومة رسميا، المسماة “المشروع الوطني للقراءة”، ومبادراتها القادمة التي من المرتقب أن تدعم تصفح الكتاب في فضاءات عمومية بالبلاد، من بينها القطارات.

    سنويا، ينظّم بمعرض الكتاب حفل يكرّم القرّاء الأطفال والشباب المتميّزين على الصعيد الوطني، ما أهمية هذه المبادرة في دعم القراءة والكتابة بالمغرب؟

    هو حفل لتتويج القراء، ونحن في دورته التاسعة، وهو تتويج لعمل كل سنة. هذه السنة كان هناك ثمانية قراء فائزون، وتوّجنا النوادي القرائية، ونتوّج الكُتّاب بصوت الشباب، بعد برنامج قرائي للأدب المغربي، يهدف للاحتفاء بالكُتّاب المغاربة، خاصة وأن هناك تراكمَ إبداع جميل، ونمد بذلك الجسور بين الكتاب المغربي والقارئ الشاب.

    الجديد هذه السنة في المغرب، هو إطلاق وزارة التربية مشروعا وطنيا للقراءة، ونحن في شبكة القراءة بالمغرب منخرطون بقوّة في هذا البرنامج، ونحفّز النوادي 200 التي تشتغل معنا في المغرب كلّه لتشارك، وفي السنة المقبلة سنطلق مشاريع جديدة في فضاءات مثل القطارات، لأنها فضاء للقراءة، وسنعود إلى المخيّمات، مع مشروع “القراءة بالمخيّمات” الذي سنخدم به هذا “المشروع الوطني”. نحن سعداء بوجود برنامج وطني يدعم القراءة، وقررنا الاشتغال في إطاره.

    لماذا تركّز “شبكة القراءة” اهتمامها على “الكتاب المغربي” والقارئ الشاب؟

    نهتم بالكتاب المغربي انطلاقا من شعارنا حول القراءة سبيلا للتربية على المواطنة، ونعتبر أن هذه الأخيرة غير ممكنة دون الاهتمام بما هو محلي؛ ليحسّ الإنسان بالاعتزاز، وبأن له رموزا، وفكرا، وإبداعا في بلاده.

    أحيانا يأتي الشباب بكتب للتنمية الذاتية وكتب من الشرق، ويغرمون بها ويعلقون في هذه الدائرة، وما نريده هو فتح الآفاق، وتقدير إنتاجنا المحلي الموجود، فالمغاربة يكتبون، والقرّاء إذا قرؤوا بكثرة سيتحسّن هذا المنتوج.

    نهتم بالشباب لأننا نعتبر الشبكة جمعية للتكوين أيضا، فنكوّن الشباب على العمل المناضل والعمل الجمعوي، وأن يصبحوا فاعلين في المجتمع، وألا يكونوا سلبيين يفكّرون في دائرة ضيّقة، بل نريدهم مفكّرين في دائرة أوسع هي الوطن.

    تكوين الشباب يحتاج تعليمَهم أخذ القرار، لذا في “جائزة الشباب للكتاب المغربي” القارئ الشاب هو الذي يقرّر من أحسن كاتب في المغرب، وهذا برنامج يُفرح الكُتّاب كثيرا لأنهم يسعدون بأن الشباب اختارهم اختيارا عفويا جميلا قادما من الشغف بالكتب ومحبتها.

    هل تحمل رسالة قراءة “الكتاب المغربي” دعوة إلى الانفتاح؟

    الانفتاح ضروري، لذا نحتفي في جائزة الشباب للكتاب المغربي بالمترجمين المغاربة، ومن بين ما قرأناه الرواية الإسبانية والبرتغالية، والمأساة الإيرانية المكتوبة بالفارسية، ونتمنى أن ننفتح على الصين والهند ودول أمريكا الجنوبية في المستقبل.

    نحن منفتحون على الكتاب العالمي، ومن ضمن معايير التميّز في شبكة القراءة التنوّعُ اللغوي، فلا نقتصر في القراءة على اللغة العربية؛ ومن يقرأ بالعربية والإنجليزية والفرنسية هو الذي يحصل على أعلى نقطة، وكل من يقتصر في قراءاته على لغة واحدة تكون نقطته أقل من القرّاء بلغات متعددة.

    هذه المسألة بعد سنوات صار يأخذها القُرّاء بعين الاعتبار، ويقدّمون لنا لائحة باللغات الثلاث، وصار القارئ يسعى للتنويع، أي إن هناك تأثيرا لهذا المعيار رصدناه في ملفات الترشيحات.

    من الأمور المهمّة في عمل “شبكة القراءة بالمغرب” تقديم القارئ نموذجا للاقتداء..

    أجل، عندما تأتي الصحافة إلى الحفل وتصوّر القارئ، وتفتخر وتعتز به، وتسلّمه شخصيات كبيرة الجائزة، الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن القارئ شخص ذو اعتبار، يحتفى به، وقدوة.

    هكذا، نرتقي بصورة القراءة في المجتمع، بعدما كنا نحسّ في وقت سابق بأن صورة القارئ في المجتمع غير جيدة، وهذه الاحتفاءات والجوائز، ومن بينها “تحدي القراءة العربي” مع تتويج مريم أمجون، تسهم في الارتقاء بصورة القارئ في المجتمع، وهو ما تسعى لتنميته أيضا شبكة القراءة بالمغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العماري: انسحبت من السياسة عن قناعة .. وتراجع « البيجيدي » ليس انتكاسة

    هسبريس – يوسف لخضر

    قال إلياس العماري، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، إن تواريه عن الأنظار من المشهد السياسي قرار شخصي اتخذَه عن قناعة، حيث امتد غيابه من سنة 2017 إلى سنة 2023.

    وأضاف العماري، في حوار حصري مع هسبريس بعد غياب طويل، أجرته معه الإعلامية نعيمة لمباركي، أنه “ابتعد، خلال فترة غيابه، عن متابعة المستجدات؛ لكنه عاد لقراءتها منذ شهرين”، معلنا في هذا الصدد استمرار انسحابه من الساحة السياسية واستمراره في الحياة بصفة عامة، حيث يستعد لخوض تجربة إعلامية عبر إذاعة “كاب راديو” في طنجة.

    وأكد الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة أنه “موجود في مشهد الحياة العادية؛ ولكن الكثير من الناس كانوا ينظرون إليَّ من زاوية واحدة، أي السياسة. ولذلك، اعتبروني غبتُ كليا”.

    وأفاد المتحدث ذاته بأن “انسحابه من يعود العمل السياسي يعود إلى قرار شخصي فردي محض نتيجة قناعة بسيطة جدا، لأرى من أنا والأخطاء التي ارتكبت في حياتي ومن أسأت إليهم”.

    وأكد العماري أن الخمس سنوات التي توارى فيها كانت مهمة في حياته الشخصية، حيث تمكن من اكتشاف بعض الأمور التي كانت ستجني عليه وعلى البلاد لو قالها في تلك الفترة.

    الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي فضّل عدم الحديث عن ملفات الماضي، قال إنه تعلم لغة الصمت، وحذر من الغرور الذي يقود الإنسان إلى اعتباره نفسه مهما إلى درجة كبيرة.

    وعن دوره في وصول عدد من السياسيين إلى مناصب المسؤولية لما كان أمينا عاما لحزب “الجرار”، قال العماري: “ليس لديّ فضل على أحد، وأنا وفيّ لصداقاتي، أحترم حزب الأصالة والمعاصرة ومن فيه”.

    ورفض المتحدث، الذي كان قد شغل منصب رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة، أن يقال عنه إنه يتحرك بأوامر من جهة ما، وزاد قائلا: “لم يُطلب مني يوما أن أفعل شيئا، انخرطت في العمل السياسي وأنا صغير والظلم هو من دفعني إلى ذلك في عمر 14 سنة”.

    كما رفض العماري اعتبار الفترة السابقة استراحة محارب بعد تعرضه لغضبة ما لأنه لم ينجح في الانتخابات عام 2016 ضد حزب العدالة التنمية، وأكد قائلا: “لقد انسحبت من العمل السياسي عن قناعة شخصية، ومن قرأ ذلك كغضبة عني فله ذلك، ولم أكن أريد أن أكون مكان أحد، ولم تكن عيني على رئاسة الحكومة لأني كنت متأكدا أننا لن نكون في المرتبة الأولى”.

    وسجل الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة أن تراجع حزب العدالة والتنمية من المرتبة الأولى إلى المرتبة الأخيرة عقب الانتخابات الأخيرة ليست انتكاسة، وأشار إلى أن “الحزب لديه مشروع مجتمعي، والمشاريع المجتمعية تخضع لقانون المد والجزر، وهذا لا يعني أن المشروع فشل”.

    كشف الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، ضمن الحوار، عن أكبر حدث ندم عليه في حياته، حيث قال: “يا ريت مجيتش للرباط في 87 وبقيت في أي مكان”، دون أن يفسر دواعي هذا الندم وعلاقة قدومه إلى الرباط بذلك.

    العماري لا يزال منتميا إلى تجربة حزب الأصالة والمعاصرة، حيث أكد أنه “لم يعلن الطلاق”؛ بل انسحب من القيادة والمسؤوليات فقط، ولا يزال يعتبر مشروع الحزب هو المؤهل للمساهمة في الانتقال من الواقع الحالي إلى آخر أحسن.

    وذكر الفاعل السياسي العائد أن “البام” لم يفقد بريقه وإشعاعه، والدليل على ذلك هو احتلاله المرتبة الرابعة في انتخابات 2011 ثم المرتبة الثانية في انتخابات 2016 ثم 2021.

    ولم يشأ العماري أن يعلق على أداء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يشارك في الحكومة الحالية بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، وبرر ذلك بأنه لم يشكل قراءة كاملة تسعفه في إعطاء رأيه بالنظر إلى عودته لقراءة المستجدات السياسية قبل شهرين فقط، على حد قوله.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • عبادي: الملك محمد السادس يشجع حوار الأديان .. و 9 قضايا كبرى تواجه العالم


    حاورته: سكينة الصادقي

    الأديان أصلها لبنات في صرح واحد والتأويلات تسحب المجتمعات نحو المجهول ونحو الحروب، والمغرب أرض عرفت تاريخيا بضمان التعايش بين أفرادها من مختلف الديانات، والحوار لم يستنزف في ملف القضية الفلسطينية، واليمين المتطرف والمستقطبون نحو التطاول على المقدسات والقرآن ضحايا خطاب تبسيطي سطحي، وتفاصيل أخرى ذات صلة بواقع المغرب وعدد من الدول، كانت محور مقابلة صحافية أجرتها هسبريس مع أحمد عبادي، رئيس الرابطة المحمدية للعلماء.

    في أول نسخة للمؤتمر البرلماني حول الحوار بين الأديان، المنعقد بمراكش من 13 إلى 15 يونيو، الذي جمع حوالي 800 برلماني وشخصيات دبلوماسية من مختلف دول العالم، أثنت الوفود على المبادرة التي يحتضنها المغرب، وشددت على أهمية أن يخلص هذا المؤتمر إلى توصيات تنهي عددا من المشاكل التي تعيشها دول المنطقة.

    في الحوار التالي، يقدم أحمد عبادي، الذي أشرف خلال اليومين الأول والثاني من هذا المؤتمر على إدارة عدد من حلقات النقاش، أبرز القضايا المطروحة على المنطقة التي تحتاج إلى الحوار كمدخل لمعالجتها.

    هل نحن بحاجة إلى حوار بين الأديان في وقت يتحدث البعض عن عدم وجود مشكل بينها في الأصل؟

    الأديان في أصلها لبنات في صرح واحد تدعو إلى السلام، والخلاف بفعل تأويلات البشر الذين ينتمون إلى هذه الأديان، والبشر بطبيعته كائن نسبي، وذلك من أبعاده كلها، سواء من خلال بعده الوجودي التمثلي، حيث خارطة الوجود التي يحملها والرؤية للوجود والعالم وللذات والآخر، كلها أمور إذا لم تدعم بالعكوف العلمي الساعي للاستكمال مع الحفاظ على مسافة النسبية، إذا لم تدعم بهذا البحث الذي يروم قدر الطاقة لهذه الخرائط عن الذات والوجود، فإن تلك الخرائط تبقى ناقصة، وحين تكون ناقصة، تكون الأفعال كذلك متسمة بالقصور، وبالتالي فالرشد لا يمكن أن يحل إلا إذا تم التعاون لاستكمال هذه الخرائط ورفع صرح رؤى تكون أقرب إلى الحقيقة وإلى واقع الحال.

    البعد النفسي أيضا للإنسان يعمق هذه الأمور، لأن تدبير العواطف ومقومات الوجدان يحتاج كذلك إلى خبرة وتجربة، وفي أحيان كثيرة إلى مواكبات، حتى يكون تدبير الوجدان أقرب إلى الاتزان والرشد، فحينما لا تكون الخبرة الكافية في تدبير العواطف وتدبير مقومات الوجدان، يمكن أن يحل الغضب وردود الأفعال والعواطف السلبية التي تؤثر على التعاطي المشترك بين بني البشر، وقد يكون الدين أو الوفاء للسابقين أو المصلحة العامة ذريعة لتطفح هذه الأمور المخفية، التي حين لا يتم الاستبصار بها وتسليط الضوء عليها، قد تقود إلى مآسي.

    الأبعاد كذلك المتصلة بالذاكرة يمكن أن تلعب أدوارا سلبية إذا لم ننتبه إليها ونحاول أن نستكمل أوجه القصور، وهي كلها أبواب بالإضافة إلى النظم القيمية المستبطنة من قبل بني آدم، التي قد تكون أصيلة في الأديان وقد لا تكون، فنحتاج إلى معايير ومؤشرات ومقاييس لكي نتفحص ما نحمله من قيم ونتأكد أنها فعلا صادرة من هذه الأديان في نصوصها الأصلية كما وقعها الأنبياء عن مرسلهم بالهدى وبالحق للعالمين. هذه كلها أمور تجعل من الحوار داخل الدين الواحد وما بين الأديان، أمرا وظيفيا وليس استطيقيا ترفيا.

    ما هي التجارب التي أثبتت أن الحوار بين أهل الدين الواحد وبين أهل الملل والأديان المختلفة يمكن أن يعطي نتائج إيجابية؟

    مثلا الحالة الإيرلندية، والإشكالات التي كانت تعرفها عاصفة، ولما تم الاهتداء إلى الحوار ما بين أهل الدين المسيحي الواحد، سواء في شقه البروتستانتي أو الكاثوليكي، استطاعوا تجاوز الكثير من الإشكالات.

    كذلك التجربة العراقية، تجربة فضلى بهذا الخصوص بين الشيعة والسنة، وهي تجربة لم تعبر بعد كل لبنات القنطرة لكنها وتجارب أخرى تدل على أن الحوار مهما كان عاصفا بين أهل الملة الواحدة أو المختلفة يمكّن من التعرف ليس فقط على الآخر، وإنما كذلك على الذات.

    حين نحاور انطلاقا من ديننا نكون مضطرين لنعرف هذا الدين أحسن، وحين نحاور أهل الفهوم الأخرى من نفس ديننا نحتاج إلى أن نتبين ونستمع وننصت ونقف على منطلقاتهم، وعلى مناهج تأويلاتهم لكي نفهم ماهية الإشكالات ويكون هناك نوع من الإغناء المتبادل بهذا الخصوص ونتمكن من الوقوف على البؤر والعقد التي تكون عالقة بين أهل الملة الواحدة والأخرى.

    حين يكون الحوار بين أهل الدين الواحد والأديان المختلفة ويكون التركيز على الوظيفية والقضايا الحارقة التي نحتاج أن نواجهها ونحلها انطلاقا من الحكمة المتساوية لتراثنا الديني الذي هو بامتياز أخلاقي وقيمي وتجاوزي لمجرد الدنيا، نسمو نحو آفاق أخرى أكثر إشعاعا للحكمة بين أهل الدين وأهل الأديان المختلفة.

    ما هي أبرز القضايا المطروحة على دول العالم التي يمكن أن يكون الحوار بين الأديان مدخلا لمعالجتها؟

    هناك على الأقل تسع قضايا كبرى؛ الأولى هي القضية البيئية، نحن بصدد تدمير كوكبنا، والحفاظ على البيئة هو في الآن ذاته حق وواجب، لأنه من الحقوق التضامنية التي تتضافر فيها الحقوق مع الواجبات. وهذا التدمير المتسارع للكوكب يجعل من الأجيال كالولد الشقي الذي رجع قبل إخوته من المدرسة ووجد أمه قد صنعت حلوى لهم جميعا، فأكلها بمفرده دون أن يترك لإخوته شيئا، فنحن نستهلك حظنا وحظ الأجيال المقبلة.

    الإشكال الثاني مرتبط بالتسلح المتنامي نتيجة الخوف من بعضنا بعض، ومن المستقبل والمجهول، ونعتقد من خلال هذا الخوف أن التخزين للمقدرات والأسلحة والمعلومات التي يمكن أن نهاجم بها الآخر والأسرار التي يمكن أن نبتز بها الآخر، يقود إلى كل هذه الأمور.

    الأفضع أن 17 ترليون دولار ننفقها في السنة بشكل مباشر وغير مباشر على التسلح، إذا قسمناها على ساكنة الكوكب نحصل على حوالي 2280 دولارا للشخص الواحد. تصوري لو تم منح عائلة في صوماليلاند من عشرة أشخاص هذه المبالغ، ما الذي يمكن أن تصنعه بها؟

    القضية الأخرى تتعلق بالهدر، هدر الزمان والفرص والجهود، مثلا عدد الأطروحات التي تنجز سنويا عبر العالم يقدر بـ80 مليون أطروحة، أي 80 مليون سنة ننفقها شذر مذر، تصوري لو أن هذه السنوات وجهت لحل الإشكالات العالقة ولإعطاء حلول للقضايا التي تقض مضجع المجتمعات، أي مشكل يمكنه الصمود أمام 80 مليون سنة من التفكير؟ لكننا نهدر هذه الفرص.

    لو أننا في السودان التي تعد “قفة العالم” عوض هذا الاحتراب، لو أن هذه المياه التي تأتي في النيل الأزرق والنيل الأبيض قد تم استغلالها للإنبات في هذه الأراضي الفارغة، كان يمكن تغذية المحتاجين. للأسف، نهدر ملايين الدولارات يوميا بسبب عدم الحوار.

    الإدمان لكل شيء، قضية أخرى مطروحة على العالم، الإدمان للبعد الرقمي للأدوية، والمخدرات، الأكل والإباحية والتسلية، إلى غير ذلك من الإدمانات التي تجعلنا لا نتسم بالحرية التي هي شرط من شروط العطاء المبدع.

    ثم إشكالية الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن تدبير هذه الطفرة بحكمة كي لا نقع نهبا للادعاءات بأننا أصبحنا علماء؟ بيد أننا نفتقر للمنهج و”شات جي بي تي” هي التي تحل الإشكالات في مكاننا، ثم كيف سنواجه فقدان الشغل الذي يهدد الملايين من ساكنة الكوكب إذ هناك العديد من المهن التي ستتوارى بسبب الطفرة الرقمية؟

    أضف إلى ذلك الإرهاب الذي ينطلق من موقع ادعاء امتلاك الحقيقة، كيف يمكن أن نوقف هذه الكوارث من أن تحطم الأمم؟ بالإضافة إلى قضايا تتصل بالاحتياجات للاستقرار والغذاء والماء الشروب والتعليم.

    لو أن حوارنا باعتبارنا أهل دين واحد أو أهل أديان مختلفة كان لمواجهة هذه القضايا الحارقة عوض أن يكون شعاراتيا أو فقط إعلانا عن النوايا الحسنة، وهو بالضبط ما أشارت إليه الرسالة الملكية الموجهة لهذا المؤتمر. نحن بحاجة لأن ننتقل من مجرد تحالف الحضارات إلى تحالف الإرادات، وأن نقرن القول بالعمل، ونحتاج إلى بناء الكفايات والقدرات من خلال التربية ونحتاج الآليات والتشريعات التي تجعل هذه الأمور مستدامة وليس موسمية.

    كيف تقرؤون ما يجري على الصعيد الدولي من حيث حوادث الاعتداء على المقدسات وحرق القرآن في ظل صعود اليمين المتطرف؟

    أقل ما يمكن أن يقال في هذا هو أن المستقطبات والمستقطبين ضحايا لهذا النوع من الخطاب الذي يكون في الغالب ثنائيا، من مثل أنا والآخر، أهل الأرض والأجانب، أهل الحق والباطل. وأول طريقة لاستنقاذ المستقطبين لهذا الخطاب التبسيطي الثنائي هي أن تتم تجلية حقيقة الأمر من أجل تقويض مفهوم الآخرية المبالغ فيه، وإذا استطعنا أن ننور من لا يعرفنا بتعريفنا بأنفسنا عوض أن نترك الآخر يعرف بنا، سوف يسهم ذلك في حل الكثير من الإشكالات المتصلة بهذا الصعود لليمين المتطرف.

    كيف ذلك وهي مسؤولية من؟

    بأن يظهر الأكاديمي من خلال الأبحاث العلمية وكتابة الكتب والمقالات وإنتاج الكبسولات سهلة المتناول التي تعرف بحضارتنا وديننا وتزيل هذا السربال من الخوف الذي يلف حولنا وديننا وحول ثقافتنا، ويصفنا بالعدوانيين واستبداديين دينيين أو ثقافيين، من خلال طرح حقيقة الأمر والبوح بمدى جمال هذا الدين وهذه الحضارة كما هما في الحقيقة، وهذا يحتاج إلى مهنية ودراية لكي نعد المضامين سهلة المتناول التي تزيل الأوهام التي تخوف بعضنا من البعض الآخر.

    اليمين المتطرف ضحية لهذه المقاربة التبسيطية الثنائية، والمستقطبون بسبب هذه الإرادة لحل الإشكالات بسرعة أيضا ضحايا للخطاب التبسيطي الثنائي.

    الخطوة الثانية هي أن يكون لنا من الاجتهادات ما يجعل القوة الاقتراحية لتجاوز واقع الحال السلبي نحو آفاق من الفهم المشترك من التعارف والمعرفة لبعضنا البعض وتحطيم سمك الآخرية بما لا يضيع الخصوصيات، لكن يبين أوجه التشابه، وذلك سيسهم في تقويض هذه الأوهام والدفع بنا نحو الأداء المشترك والعيش المشترك عوض العدوانات المبنية على سرابات قناعات ليست لها أصول.

    هل فعلا استنفد الحوار في القضية الفلسطينية جميع مساراته ولم يعد للحوار مع إسرائيل أي نتيجة يستفيد منها هذا الملف الذي عمر طويلا؟

    بأي سلطة يمكن أن ينبري شخص ليقول إن الحوار استنفد؟ وماهي السلطة التي تخول للقائلين باستنفاد إمكانية الحوار أن يقولوا هذا القول في حين إن المجالات لا تزال شاسعة ومتعددة؟

    القول بأن الحوار قد فرغنا منه واستنزفت إمكاناته في حد ذاته استبداد، إذ لا ينبغي أن يغلق الباب ورب العزة يقول “يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم”، مهما بلغت الاختلافات، ورغم أن ذلك قد تعتريه صعوبات لكن تبقى إمكانية العكوف المشترك لاستبانة واقع الحال ولمحاولة إيجاد حلول قبل أن يلعلع السلاح وتستعمل الوسائل المدمرة.

    لا يمكن أن ندعي أن الحوار قد استنفد إمكاناته، ولا شك أنك خلال هذا المؤتمر قد استبنتِ أن الأذربيجانيين مع الأرمنيين كان بعضهم يشكو من بعض، وأن الإيرانيين كانوا يشكون من الغرب، والفلسطينيين يشكون من الإسرائيليين، والهنود يشكون من الباكستانيين، وبعض الدول الشقيقة الإفريقية بعضها يشكو من بعض، لكن الإيجابي في مثل هذه المنتديات هو أنها تمكننا من وضع اليد على الدمامل المؤلمة ومحاولة إشفائها لاستخراج كل المؤاخذات والتبرمات.

    أليست للقضية الفلسطينية خصوصية، أي إن الصراع بالنسبة لهذه القضية لا يشبه الصراع في الدول التي ذكرت؟

    بهذا المنطق كل أهل المشكل سيشهرون لواء الخصوصية، أكيد هناك خصوصية لكل بؤر التوتر في عالمنا، لكن هذا المنتدى يمنح منصة للنظر المتملي المنصف لكل هذه البؤر المتوترة لمحاولة معانقة الحكمة الوظيفية المتسامية، التي بإيزاء الجهود والمناكفات والمعاكسات السياسية تحاول أن ترتقي إلى أفق آخر جديد نجتنب به الأفظع.

    نحاول معا أن نبحث دون أن نزيل خصوصيات وصلاحيات المنتديات السياسية والتفاوضية وغيرها في المحافل والمنتديات الأممية وغيرها، حيث هناك مجلس أمن ومحكمة عدل دولية، فبإيزاء كل هذه الوسائل نحتاج إلى شيء موازٍ يوسع ويسهل هذا الاقتراب من الحلول، لأن هذا الزمن بالذات ورث لكل ما سبق وأسلافنا قد أراقوا من الدماء وذرفوا من الدموع واستخرجوا من العرق بفعل الجهود الكبيرة التي بذلت ما يضعنا أمام مسؤولية استثنائية، وألّا نكرر أخطاء الماضي ولا نهدر هذه الدماء والدموع والعرق دون أن يتم الاختراق نحو آفاق حلول مبدعة تكون وظيفية وبأقل كلفة ممكنة ما دام ذلك متيسرا وقدر المستطاع.

    كيف تقيمون تجربة المغرب في مجال الحوار بين الأديان؟

    المسار المنهاجي الذي أرساه أمير المؤمنين الملك محمد السادس في مجال الحوار بين الأديان وبين الحضارات، مسار يقوم على ثلاثة أسس؛ الأول هو الوظيفية، بمعنى أنه ليس عندنا وقت لنخسره في أمور لا طائل من ورائها، وإمامنا مالك كان دائما يقول نحن قوم لا نشتغل إلا بما تحته عمل. وأن يكون أمر ما متسم بالوظيفية يعني أنه سوف ينتج ثمرات نافعة للناس وتكون عائدة على الاستثمار للوقت والمقدرات والطاقة.

    من المؤكد أن تنظيم هذا المؤتمر يقتضي جهدا ووقتا للتفكير وبلورة الاستراتيجيات، وزوايا التناول، ونفقات ومن تدبيرات تنظيمية واتخاذ كل الإجراءات الأمنية، ومحاولة المواكبة بالتقريرات المهنية التي تحتفظ وتجني هذه التوصيات ولا تهدرها حيث تصبح شاخصة في سجلات تتكامل، في أفق العثور على حلول للإشكالات القائمة.

    الأساس الثاني هو الإدراك الواعي بأن الكمال هو عدو الجيد، فأن نحرص على أن نكون كمالا والأنشطة كاملة لا يسمح بالقيام بما هو جيد، نحن من خلال هذا المسار نجتهد لكي نكون جيدين محاولين الاقتراب من الكمال، فإذا ظهر الجيد نقدم ونطلق المبادرات، وننظم الملتقيات حول هذا الباب حين يتحصل الحد المحترم من الشروط والمستلزمات.

    حينما يتم بلوغ هذه الحدود التي تسمح بالإقدام والمبادرة، نقدم ونبادر ونحاول أن نستخلص ما يلزم من العبر والدروس واستبانة الآفاق التي تمكن من الدفع بعجلة هذه المبادرات أقرب نحو الاكتمال.

    الأساس الثالث الذي يحكم منهاجيا تنظيم مثل هذه المنتديات والمؤتمرات، هو ما يحصل من تشبيك، حين نتعرف على ممثلي الديانات والمؤسسات، والحضارات المختلفة الذين لهم تجارب فضلى وكابدوا مشاكل بعينها، وعانوا من أزمات. ودفتر العناوين هذا في حد ذاته ثروة يمكن بلدنا من اكتساب شركاء، يمكنوننا من نيل حقوقنا وإيجاد شركاء لنا في المكابدة والمعاقرة لكثير من القضايا، وأن تكون لنا المرايا النقدية التي تجعلنا نعدل ونصوب وننسق خطابنا لكي يكون أكثر نجاعة ومقبولية وعبورا من مصافي حتى ينفد إلى المنتديات الكونية، وبالتبع تكون المملكة المغربية لها إسهام في هذا الإطار يجعلها غير قابلة لأن تتجاوز.

    كل ما تم ذكره يجعل المملكة المغربية دائمة الحضور والاجتهاد المرتقي والمتنامي في هذه المجالات وجعلها تتبوأ مقامات متقدمة من حيث المصداقية، ومن حيث كونها تجربة فضلى تم الثناء عليها من مختلف الوفود في هذه الفعالية.

    كيف يتم التعاطي مع مسألة “التعددية الدينية” بالمغرب؟

    هذا في حد ذاته يدخل في إطار الاستمرارية؛ لأن الحال كان هكذا طيلة قرون، والمغرب من البلدان الفريدة التي نجد فيها المسجد والبيع والكنائس قرب بعضها البعض متساكنة، في نوع من التناسق والتناغم.

    في المغرب دائما نبحث عن الحكمة المتسامية حيثما كانت، ونعرف أن الواقع ينبغي أن نتفهمه وندبره، كما ينبغي أن يخضع لحكامة فيها من الرشد ومن الحرص على الإفادة من عناصر هذا الواقع قدر المستطاع.

    ووجود هذه الديانات يسجل آيات من العطاء ومن الوطنية والوقار لأهل هذا البلد ولقضاياه، حيث إن ما يتم تسجيله يجعلنا نعتز بهذه التجربة الفضلى والفريدة التي نملكها في هذا البلد، والمغاربة حيثما وجدوا بمختلف دياناتهم قد سجلوا نضالية منخرطة تماما في كل القضايا الوطنية، بدءا بالقضية الوطنية الأولى.

    أخيرا، ما هي الأدوار التي تعكف عليها الرابطة المحمدية للعلماء بهذا الخصوص؟

    الرابطة تعكف على هذه القضايا، وعندنا مركز تعارف، المختص في هذه الأمور ليس فقط من باب الحرص على التعايش وإنما من باب الكدح والكسب في مجال البحث العلمي، وعندنا جملة من الموسوعات التي أنتجتها الرابطة في مجال الحوار بين الأديان، باعتبار المدخل الحواري مدخلا للبناء المشترك وللتحقيق المشترك لما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

    مناشط الرابطة في هذه المجالات تسعى لكي تكون دائما مستندة إلى البحث العلمي، وليس فقط إلى العاطفة أو مجرد اللقاء أو الحوار، بل نسعى أن يكون كل ذلك مؤسسا تأسيسا علميا مؤثرا لكافة الوثائق والمنصات التي تؤهل لاستيعاب أوفى للإشكالات التي تعصف بعالمنا بسبب عدم الفهم لبعضنا بعض، وتفويت فرصة التعارف التي أمر بها الله في مثل قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

    نحرص في الرابطة على أن تكون هذه الممارسات قابلة للقياس، من خلال المعايير والمحددات التي تمكن من القياس العلمي لكسبنا بهذا الخصوص، لأن ما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره.

    إقرأ الخبر من مصدره