Catégorie : رآي

  • الساهر والوله العراقي


    كرم نعمة

    هل تعرفون إلى أين عاد كاظم الساهر في أغنيته الجديدة «متى»؟ لو تدرون كيف سيوقظ هذا اللحن يحيى حمدي ورضا علي ومحمد نوشي وعباس جميل ومحمد عبد المحسن… سيوقظهم واحدًا واحدًا من رقادهم الأبدي، كأنه يطرق أبوابهم القديمة ويقول لهم: ما زال العراق يغني، وما زالت الموسيقى التي صنعتموها قادرة على أن تتنفس من جديد.

    منذ اللحظة الأولى لصدور «متى» بدا واضحًا أن كاظم الساهر يقدّم بيانًا موسيقيًا مضمرًا، بيان يقول فيه إنه، بعد كل هذه السنوات من التجريب بين القصيدة الفصحى، والأغنية الرومانسية، والتوزيعات الأوركسترالية الثقيلة، قرر أن يعود إلى نقطة البدء، إلى الجملة العراقية القصيرة، إلى مقام الحجاز كما سمعه طفلًا، إلى النص الشعبي الذي لا يخجل من بساطته، بل يتكئ عليها.

    في هذا اللحن، وفي هذا الأداء، وفي هذا النص الذي كتبه على طراز شعري عراقي صِرف يعتمد الجناس، تطابق الكلمات في اللفظ واختلافها في المعنى، ويسمّى الأبوذية — تسمية تبدو وكأنها مستوحاة من أذى الشاعر لنفسه — يعود الساهر إلى الطرقات التي عرفته طفلًا: طرقات بغداد، عتاقة بيوت الموصل، ضفاف شط العرب، ورائحة الأشجار حين تختلط بصوت امرأة تغني في الحقول المفتوحة على الفرات.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    يعود إلى ذلك الوله العراقي الذي لم يغادره يومًا؛ الوله الذي يبدأ من أول جملة موسيقية صنعها صالح الكويتي في صوت سليمة مراد، ويمتد حتى يصل إلى أصابعه اليوم وهو يعيد تشكيل الوجدان العراقي بطريقته الخاصة.

    إن مقام الحجاز، إذا نُزع عنه الربع تون، يمكن أن يمدّ جسورًا خفية بين السلم الشرقي والغربي، من دون أن يفقد عراقيته. لذلك نسمع في الخلفية وتريات لا تتضخم، وآلات نحاسية خفيفة، وإيقاعًا عراقيًا واضحًا، لكن منضبطًا، لا يجرّ اللحن إلى دبكة، بل يبقيه في منطقة التأمل.

    ذلك اللحن الذي لا يتعالى، ولا يتصنع، ولا يركض خلف حداثة فارغة، بل يخرج من قلب الأغنية المخلصة لبيئتها ويعود إليها. كأن الساهر يقول: هذا هو العراق الذي أعرفه… العراق الذي لا يموت مهما ماتت الأزمنة حوله.

    من السهل على كاظم الساهر، في هذه المرحلة من مسيرته، أن يحوّل أي لحن إلى استعراض صوتي. لكن ما يلفت في «متى» أنه يختار العكس تقريبًا. يختبر صوته لا ليقول “انظروا ماذا أستطيع أن أفعل”، بل ليقول “اسمعوا ماذا يمكن أن يفعل نص الأبوذية بي”.

    هذه ليست أغنية جديدة، بل استعادة لحقبة كاملة من الذائقة العراقية؛ استعادة لزمن كان فيه اللحن يكتب سيرة الناس.

    وأجمل ما في هذا العمل أن الساهر لا يعود إلى الماضي بوصفه حنينًا، بل بوصفه مادة خلاقة يعيد تشكيلها بوعي موسيقي ناضج، وبشغف فنان يعرف أن هويته الحقيقية ليست في الألقاب، بل في تلك اللحظة التي يضع فيها إصبعه على الوتر الصحيح فيرتجّ العراق كله.

    وعندما ندخل إلى قلب اللحن، نجد أن الساهر يبدأ من منطقة يعرفها جيدًا. الجملة الأولى ليست استعراضًا للصوت، بل تأسيسًا للمزاج: توتر رقيق، إيقاع عراقي لا تخطئه الأذن، وانتظار معلّق في كلمة واحدة هي عنوان الأغنية.

    هنا تظهر أولى فضائل اللحن: الاقتصاد. لا زخرفة زائدة، لا قفزات استعراضية، بل خط لحني مستقيم نسبيًا يترك مساحة للكلمة كي تتنفس، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في الانحناء والصعود.

    البنية العامة للأغنية تقوم على ثلاث حركات: مناجاة افتتاحية، ثم تصاعد تدريجي في الجملة اللحنية واتساع في المساحة الصوتية، ثم عودة محسوبة إلى قرار اللحن، كأنها عودة إلى الأرض بعد تحليق قصير.

    وفي كل مرة تتكرر فيها كلمة «متى»، يعاملها الساهر كقوس يبدأ من تحت، يصعد إلى ذروة صغيرة، ثم يهبط — لكن الهبوط لا يعود إلى النقطة نفسها، بل إلى مستوى أعلى قليلًا، كأن السؤال يزداد إلحاحًا.

    الإيقاع والآلات النحاسية الخفيفة والعود يسمحون للحن أن يتموّج لا أن يندفع، بينما يعود العود والقانون ليضبطا الإيقاع الداخلي، كأنها مشية شخص يفكر وهو يسير على ضفة نهر.

    الوتريات ترسم خلفية واسعة بلا تضخيم، والناي يظهر في اللحظات التي يشتد فيها الحنين، كأنه صوت داخلي يعلّق على ما يُقال.

    الجمل اللحنية قصيرة، قريبة من الجملة الكلامية. لا تشعر بأن الكلمة خادمة للحن، بل العكس: اللحن ينحني أمام الكلمة، يطيل عند حرف، يختصر عند آخر، يعلو عند مفردة مشحونة، ويهبط عند مفردة منكسرة.

    وفي بعض المواضع يعلّق الساهر الجملة على حرف مدّ، ثم يترك الوتريات تكمل ما لم يقله الصوت — تقنية عراقية قديمة تأتي هنا مصقولة ومنضبطة.

    هناك لحظات تذكّر مباشرة بروح ألحان رضا علي ومحمد نوشي: تلك القفزة الصغيرة من القرار إلى جواب قريب، ثم العودة السريعة كأنه يتذكر.

    التحويل اللحني الخفيف في منتصف الأغنية يرفع درجة التوتر، كأن السؤال صار أكثر وجعًا، قبل أن يعيده في النهاية إلى القرار، كأن الأغنية تقول: سألنا، صرخنا، انتظرنا… ثم عدنا إلى النقطة نفسها، لكننا لم نعد الأشخاص أنفسهم.

    وفي موضع آخر يستعيد إرث الغناء الريفي لحضيري أبو عزيز في جملة «تعال… الدنيا من غيرك بلا روح»، ثم ينتهي بالغناء البغدادي على طريقة القبانجي في اختبار صوتي ممتد لا يجرؤ عليه إلا من يمتلك طبقات الساهر: “يهون الألم لعيونك والجروح… حبيبي ودنيتي وغالي عليّ”.

    كل هذا الأداء يأتي بلا استعراض، فقط لإشعال شرارة أسى في قلب المستمع.

    من الناحية التعبيرية، يشتغل الساهر بذكاء على التدرج الديناميكي: يبدأ باعتراف، يتحول إلى عتاب، ثم إلى احتجاج مكبوت لا ينفلت.

    هذا الانضباط جزء من جمال اللحن: لحن متساءل لكنه ليس ضعيفًا؛ حزين لكنه ليس مستسلمًا؛ عاطفي لكنه ليس بكّاءً.

    بهذا المعنى، «متى» ليست مجرد عودة إلى النص الشعبي العراقي، بل عودة إلى منطق اللحن العراقي: لحن يخرج من الكلام، لا يُفرض عليه من الخارج.

    الساهر هنا لا يقلّد الماضي، بل يتحاور معه، يأخذ من صالح الكويتي روح الجملة الأولى، ومن رضا علي حساسية الانتقال، ومن نوشي وعباس جميل ويحيى حمدي القدرة على جعل الحزن جميلًا، ثم يضع فوق ذلك كله توقيعه الخاص في البناء والاقتصاد والسيطرة على الذروة.

    بهذا كله، تبدو أغنية «متى» رهانًا جديدًا على عراقية كاظم الساهر الموسيقية والشعرية.

    إنها ليست عودة نوستالجية، بل إعلان ضمني بأن هذا الفنان، حين يكتب ويلحن من قلب التراب العراقي، لا يزال قادرًا على إضافة سطر جديد إلى السيرة الطويلة للأغنية العراقية، لا أن يكتفي بترديد ما كُتب قبل عقود.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟

    نورالدين البركاني

    سؤال قد يبدو صادمًا، لكنه يستحق منا وقفة صادقة وشجاعة مع الذات.

    هذا المقال لا يهدف إلى اتهام أحد أو تبرئة أحد، بل إلى فتح نقاش حقيقي حول سلوكياتنا اليومية، واختياراتنا، ومواقفنا، ومدى مساهمتنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة بعض الأزمات التي نعيشها.

    لماذا نشتكي من الفوضى ونحن أحيانًا نمارسها؟
    ولماذا ننتقد الفساد بينما نتسامح معه حين يخدم مصالحنا؟

    وكيف نطالب بمنتخبين جيدين ونحن من نصنع جزءًا من المشهد الانتخابي بسلوكنا أو بصمتنا أو بعزوفنا؟

    أتمنى من كل من يقرأ هذا المقال أن يشاركه مع أسرته وأصدقائه، وأن يتحول إلى موضوع نقاش داخل البيت، وفي المقهى، وفي مقر العمل، وبين الشباب، لأن نهضة المجتمعات تبدأ دائمًا بالنقاش الصادق، وبالوعي، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن الحلول.

    كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟
    هذا المقال يجب يقرأه جميع المواطنين،

    كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟

    بقلم الدكتور نورالدين البركاني

    كثيرًا ما نسمع المواطنين يشتكون من سوء الخدمات، وضعف بعض المنتخبين، وانتشار الفساد، وفوضى الشوارع، ورداءة بعض المرافق العمومية، وتراجع القيم، وكأن كل هذه المشاكل نزلت من السماء أو صُنعت بعيدًا عن المجتمع.
    لكن الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن جزءًا كبيرًا من هذه المشاكل يبدأ من المواطن نفسه، من سلوكه اليومي، ومن طريقة تفكيره، ومن مواقفه، ومن اختياراته، ومن صمته أحيانًا، ومن استهتاره أحيانًا أخرى.

    فالمجتمع لا يُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل يُبنى أيضًا بالأخلاق والسلوك والمسؤولية الفردية والجماعية.

    من السهل أن نوجه أصابع الاتهام إلى الدولة أو الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية، لكن من الصعب أن يقف الإنسان أمام المرآة ويسأل نفسه:
    ماذا قدمت أنا كمواطن؟
    هل أحترم القانون؟
    هل أؤدي واجباتي كما أطالب بحقوقي؟
    هل أساهم في تحسين المجتمع أم في إفساده؟

    فكم من مواطن يشتكي من الفساد، لكنه يبحث عن “المعرفة” و”الوساطة” لقضاء أغراضه؟
    وكم من شخص ينتقد الرشوة، لكنه يقدمها حين تضيق به الأمور؟
    وكم من سائق يلعن حوادث السير، لكنه لا يحترم إشارات المرور ولا يضع حزام السلامة؟
    وكم من مواطن يطالب بالنظافة، لكنه يرمي الأزبال في الشارع أو من نافذة السيارة؟
    وكم من شخص يهاجم ضعف المنتخبين، لكنه يوم الانتخابات يصوت على أساس القرابة أو المال أو المصلحة الضيقة، أو يختار العزوف عن التصويت ثم يعود بعد ذلك للشكوى؟

    الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن البرلمانيين والمنتخبين، في جزء كبير منهم، ليسوا كائنات نزلت من كوكب آخر، بل هم نتاج المجتمع نفسه.

    فالناخب الذي يبيع صوته بالمال، أو يصوت بدافع العصبية القبلية أو العائلية، أو يقاطع الانتخابات بدافع اللامبالاة، يساهم بشكل مباشر في إنتاج مشهد سياسي ضعيف.

    حين يعزف أصحاب الكفاءة والنزاهة عن المشاركة السياسية، ويفسح المجال لأصحاب المال والنفوذ، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة مؤسسات لا ترقى إلى تطلعات المواطنين.

    إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، بل بوعي الناخب أيضًا.
    فالصوت الانتخابي ليس ورقة تُرمى في الصندوق، بل أمانة ومسؤولية ومستقبل أمة.

    السلوك اليومي أخطر من بعض القوانين
    هناك دول لا تتوفر على ثروات طبيعية كبيرة، لكنها نجحت بفضل انضباط مواطنيها واحترامهم للقانون والعمل والنظام.

    وفي المقابل، توجد مجتمعات تتوفر على إمكانيات هائلة لكنها تعاني بسبب الفوضى وضعف الوعي الجماعي.

    فاحترام الطابور، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء الضرائب، واحترام الوقت، والنظافة، والانضباط في العمل، والتعامل بأخلاق… كلها ليست تفاصيل صغيرة، بل أساس بناء الدول المتقدمة.

    فالمواطن الذي يكسر مقعدًا في حديقة عمومية، أو يخرّب مصباحًا في الشارع، أو يكتب على جدران المؤسسات، هو في الحقيقة يعتدي على ممتلكاته هو وعلى أموال المجتمع كله.

    والموظف الذي لا يؤدي عمله بإخلاص، والتاجر الذي يغش، والأستاذ الذي يهمل، والحرفي الذي لا يتقن عمله، والسائق الذي يستهتر بأرواح الناس… كلهم يساهمون بدرجات مختلفة في تعطيل التنمية.

    من أكبر المشاكل التي نعاني منها اليوم أن البعض يريد كل الحقوق، لكنه لا يريد أداء الواجبات.

    يريد طرقًا جيدة لكنه لا يحترم قوانين السير.
    يريد إدارة محترمة لكنه لا يحترم المواعيد والنظام.
    يريد تعليمًا جيدًا لكنه لا يشجع أبناءه على الانضباط والاجتهاد.
    يريد نظافة في المدينة لكنه لا يحافظ على نظافتها.
    يريد سياسيين نزهاء لكنه يصفق أحيانًا للفاسدين إذا كانت لهم مصلحة معه.
    وهنا يكمن الخلل الحقيقي.

    لا يمكن لأي حكومة أو حزب أو قانون أن ينجح وحده إذا لم يتغير الإنسان نفسه.
    فالإصلاح الحقيقي يبدأ من التربية، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن المسجد، ومن القدوة الحسنة.

    نحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيم الصدق، والجدية، والانضباط، والعمل، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    كما نحتاج إلى تربية الأجيال الجديدة على المواطنة الحقيقية، لا على الاتكالية وانتظار الحلول من الآخرين.

    ماذا يمكن أن نفعل؟
    هناك خطوات بسيطة لكنها مؤثرة، إذا التزم بها كل فرد يمكن أن تغير الكثير:

    • احترام القانون في الحياة اليومية.
    • عدم المشاركة في الرشوة أو تشجيعها.
    • التصويت الواعي والمسؤول أو المشاركة الإيجابية في الشأن العام.
    • احترام الفضاءات والممتلكات العمومية.
    • تربية الأبناء على القيم والسلوك المدني.
    • تشجيع الكفاءات النزيهة بدل أصحاب المال والنفوذ فقط.
    • نشر ثقافة العمل والإتقان والاحترام.
    • محاربة السلبية واليأس والإشاعات.

    الوطن لا يبنيه السياسي وحده، ولا الموظف وحده، ولا رجل السلطة وحده، بل يبنيه المواطن أيضًا.

    وكل مجتمع لا يراجع سلوك أفراده قبل مهاجمة الآخرين سيظل يدور في الحلقة نفسها.

    صحيح أن هناك مسؤوليات تقع على الدولة والمؤسسات، وصحيح أن الإصلاح السياسي والإداري ضروري، لكن من الضروري أيضًا أن نعترف بأن المواطن يتحمل بدوره جزءًا من المسؤولية.

    فحين يتغير سلوك الإنسان، تتغير الأسرة، ويتغير الشارع، وتتغير الإدارة، ويتغير المجتمع بأكمله.
    ولهذا، ربما حان الوقت لكي نتوقف قليلًا عن سؤال: “ماذا قدم الوطن لنا؟”
    ونبدأ أيضًا بسؤال أنفسنا: “ماذا قدمنا نحن للوطن؟”

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هزم نفسه بنفسه…

    العلم الإلكترونية – بقلم هشام الدرايدي 
      لم يكن أشد المتشائمين في مدرجات مركب الأمير مولاي عبد الله، أو بين الـ 70 ألف مناصر الذين زلزلوا أيقونة العاصمة بهتافاتهم، يتوقع أن يشهد سيناريو تراجيديا كالذي حدث. فالأجواء كانت مهيأة بالكامل لكسر العقدة، والفرصة كانت سانحة ليتوج الجيش الملكي بطلا لدوري أبطال إفريقيا في عقر داره بعد صيام دام لواحد وأربعين سنة، وزملائي الصحافيين والإعلاميين تجهزوا وجهزوا لعرس سيطفئ مرارة الخيبات. لكن، ويا للأسف، سقط « العساكر » كما سقطت أندية أخرى في ذات الفخ القديم المتجدد الذي تقع فيه في النهائيات الإفريقية. فالحقيقة القاسية التي يجب أن نواجهها بجرأة شجاعة دون إلقاء الورود أو إلصاق الأسباب في الغير هي أن الجيش لم يهزمه صن داونز، بل هزم نفسه بنفسه!   فقد عايننا كلنا كيف دخلت عناصر الجيش الملكي المباراة بتسرع مفرط واندفاع عشوائي غابت عنه الحكمة. وشاهدنا عشرات المحاولات والتمريرات الضائعة وغير المركزة، وإهدارا لفرص سانحة للتسجيل كان يمكن أن تحسم اللقب مبكرا، وكأن الكرة المغربية لم تتعلم شيئا من دروسها القاسية السابقة في أدغال القارة السمراء. وبدلا من التركيز على الميدان الأخضر، سقط اللاعبون في فخ الاستفزازات المتكررة والانفعالات المجانية التي كبدت الفريق بطاقات ملونة لا داعي لها، ليتحول بياض الأمل الناصع تدريجيا إلى سواد يلف قلوب المناصرين.   لقد واجه الجيش خصما أدار المباراة باستراتيجية محكمة تجاوزت الحنكة التقنية والتكتيكية إلى تدبير أعصاب الخصم. صال وجال لاعبو الزعيم في الملعب طولا وعرضا دون طائل، ممتصين موجات استفزازية أثرت على ثبات روح الفريق الجماعية. وقد بدا المشهد سرياليا، كأنه « حلبة لمصارعة الثيران »، وكان الفريق الجنوب إفريقي يمثل فيها ذلك « الماتادور » الذكي والهادئ الذي يروض ثورا أرعنا وهائجا، يحركه جيئة وذهابا بحمراء المنديل، ثم يغرس رمحه القاتل في الوقت الذي يشاء وأينما يشاء.   وفي مثل هذه الهزائم المريرة، سيكون من السهل كالعادة تعليق شماعة الفشل على التحكيم، لكننا لا يمكننا لوم الصافرة هذه المرة في المشاركة في هذه الانتكاسة. فالتحكيم الإفريقي وكواليسه يعلمها القاصي قبل الداني في القارة، وأصبح التسبب به متجاوزا، وإن كنا سنتقدم بالأعذار بسبب سوء التحكيم أو عدم احتساب بعض الأخطاء أو ركلات الجزاء، فالأحرى بنا أن نصمت أحسن، لأن لغة وشخصية البطل الحقيقي تفرض نفسها فوق كل الظروف، والجيش ببساطة غض الطرف عن الجزئيات والتفصيلات الدقيقة التي تكشف وجه البطل الحقيقي.   وحتى عندما ابتسم الحظ للجيش واحتسبت له ضربة جزاء تعادلت بها نتيجة مباراتي الذهاب والإياب، وهي لحظة كان يجب أن تكون نقطة التحول الكبرى لو فهمت عناصر الجيش أنها تلعب من أجل ارتداء جلباب البطل وكسب الرهان، جاء الرد الصاعق. فالخصم كان يفهم اللعبة جيدا وعرف كيف يرد بسرعة البرق، مستغلا خطأ أرعنا، وسوء تقدير من اللاعب آيت أورخان، خطأ كان وزنه هدف تعديل الكفة في اللقاء، لكن قيمته المعنوية والفعلية كانت تعادل هدفين قضيا على أحلام العساكر.   هنا، لا بد من توجيه أصابع اللوم للمدرب البرتغالي الذي هزم نفسه بنفسه أيضا، فلم يستطع الانتقال بالفريق من عالم الأحلام العاطفية إلى أرض الواقع التكتيكي، ولم يعرف كيف يلعب على ذات الأوراق والمفاتيح التي أدار بها منافسه المباراة، وضبط المفاتيح السيكولوجية عند اللاعبين، وتغيير التكتيك، بل ظل متمسكا باستراتيجية كلاسيكية عقيمة، وظل الوضع رتيبا، واستهلكت كل البناءات الهجومية في كرات عرضية يسهل على دفاع الخصم الطويل التحكم فيها، وكرات عابرة للقارات بلا عنوان، وبتركيز مشتت وذهن غائب.   جاءت رصاصة الرحمة في ضربة الجزاء الثانية التي أُتيحت للجيش، والتي انبرى لها القائد ربيع حريمات، ليهدرها بكل استسلام وخنوع غريبين، وكأن لسان حال اللاعبين في تلك اللحظة يقول: « إننا لا نلعب من أجل الكأس، بل نحن هنا لنهديه لضيوفنا الأجلاء، فنحن المغرب أرض الكرم والضيافة، ومالنا لغيرنا بل ما قد سيكون لنا نهديه لغيرنا ». فبدأت أشك أننا أصبحنا أمام متلازمة مغربية معتادة في ليلة التتويج يتركه للآخرين، حيث اعتدنا أن نسامح ونتسامح في كل شيء.. حتى وإن كان هذا الشيء اسمه اللقب القاري الغالي، فهل سيستمر هذا النويف؟ أم على الكرة المغربية أن أتعلم الخبث الإفريقي…؟!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لماذا لم يستجب الوطنيون لنداء علي بوعبيد؟! لا حاجة إلى جبهة سياسية موحدة في ظل وجود الدولة الاجتماعية وتوفر البنية التحتية

    حميد زيد ـ كود//

    أطلق علي بوعبيد نداء “أيها الوطنيون اتحدوا”.

    بينما لم يسمعه أحد.

    ولم يستجب له أحد.

    وقد كانت مبادرته مثل صرخة في البرية.

    وباستثناء حزب التقدم والاشتراكية الذي تفاعل مع نداء علي بوعبيد.

    فلا “وطني” واحد في هذه البلاد يريد أن يتحد.

    ولا أحد يعقد الأمل على مثل هذا النداء.

    وعلى جبهة سياسة موحدة.

    وقد كان “الوطنيون” قبل سنوات في كل مكان.

    وفي الخطاب.

    وفي الجرائد.

    وفي الأحزاب.

    وفي الشعارات.

    وفي النقابة.

    وفي الافتتاحية.

    وفي المقال.

    وفي البرامج.

    وفي الانتخابات.

    وعلى كل لسان.

    لكنهم اختفوا في الوقت الحالي.

    وصاروا عملة نادرة.

    وحين توجه إليهم علي بوعيد كان الوقت قد تأخر.

    ولذلك لم يردوا عليه.

    ولم يسعوا إلى توحيد الصفوف.

    وحتى الذين مازالوا موجودين.

    فهم واقعيون.

    ويعرفون حق المعرفة أن من ينادي عليهم علي بوعبيد يوجدون في الماضي.

    ولا يمكن بعثهم من جديد.

    وحتى لو وقعت المعجزة.

    وعادوا إلى الحياة. فلا فرصة لهم.

    ولا حظ لهم في المنافسة.

    لأن من “ليسوا وطنيين” هم الأقوى. في الوقت الحالي.

    وهم الذين يهيمون على كل شيء.

    وهم الذين يسيطرون على السلطة.

    وعلى الأحزاب. وعلى الحياة كلها.

    ولأن معنى الوطنية تغير في المغرب.

    ولم تعد مقترنة بالأحزاب التاريخية. وبما بعد الاستقلال.

    ومهما كانت المبادرة صادقة.

    ومهما كان النداء جديا.

    فإنه لا يمكن أن يصنع قوة سياسية من الفراغ.

    ومن الغياب.

    ومن الموت.

    ومن الأرشيف.

    ومن زمن ولى.

    وأي صراع سياسي. وأي تنافس. يكون عادة بين طرفين أو أكثر من طرف.

    وتحكمه قيم.

    وتحكمه مصالح متناقضة.

    بينما لا أثر للوطنيين الذي يناديهم علي بوعبيد.

    ولا يوجدون في أي معادلة.

    ولا في أي صراع سياسي.

    وليست لهم أي مصالح.

    ولا حياة لمن تنادي.

    ويجب أن تكون حالما.

    ويجب أن تكون واقعا في شباك الحنين.

    حتى توجه نداء إلى الوطنيين.

    وتدعوهم إلى أن يتحدوا.

    وفي هذا التوقيت.

    وعلى مرمى حجر من الانتخابات.

    وبعد أن استعد لها الجميع.

    إلا الوطني.

    لأنه ببساطة غير موجود.

    ولا يمكن للمفقود.

    وللغائب.

    أن يستجيب إلى أي شيء.

    وكما لو أنك بذلك تسعى إلى جبهة سياسية موحدة للأشباح المغاربة.

    ورغم أن علي بوعبيد شخص جدي.

    وصادق.

    ومتابع دقيق للمشهد.

    ويسير مؤسسة تحمل اسم رجل وطني وديمقراطي عظيم.

    إلا أننا في المغرب لم نعد محتاجين إلى أي شيء.

    ولا لأي بديل.

    والدولة الاجتماعية التي قد تضطر الوطنيين إلى الوحدة.

    هي متوفرة.

    ومنزلة على أرض الواقع.

    بهم أو بدونهم.

    والبنية التحتية التي قد يفكر الوطنيون في بنائها.

    هي الآن مشيدة.

    وظاهرة للعيان. والكل يتحدث عنها.

    والعشب في كل مكان

    والإنجازات.

    والديمقراطية.

    والحداثة.

    وهذا ما يفسر غياب أي تجاوب مع المبادرة

    لأن كل ما يمكن أن يناضل من أجله المرء

    هو متحقق

    دون عناء.

    أو توتر.

    ودون حاجة إلى توحيد الوطنيين

    أو غيرهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مهبول أنا غادي بالصليب أنا…

    فنجان بدون سكر :

    مهبول أنا غادي بالصليب أنا

     *بقلم عبدالهادي بريويك* 

    أثار وزير الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خلال زيارة رسمية إلى اليونان، جدلا واسعا بعدما قام بإهداء صليب مصنوع من خشب العرعار بمدينة الصويرة إلى شخصيات مسيحية يونانية، في خطوة اعتبرها كثير من المغاربة غير موفقة وتحمل دلالات رمزية مستفزة داخل مجتمع مسلم محافظ.

    الواقعة التي كان يُراد لها، على ما يبدو، أن تعكس صورة “التسامح والانفتاح” المغربي، تحولت سريعا إلى مادة للنقاش والسخرية والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءل كثيرون عن خلفيات اختيار رمز ديني…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الثورية في أغاني الراب: الگناوي نموذجا بأغنية ” الرعب” AMAN RO3B

    الأحداث بقلم محمد اعويفية

    أغاني الراب ليست مجرد موسيقى صاخبة للترفيه أو استعراض المهارات اللغوية المتناسقة والمتناغمة ، بل جاءت كرد فعل ثوري متمرد، وصوت احتجاج، ولغة بديلة لمن حرموا بشكل أو بآخر من التعبير عن واقع مؤلم يعيشونه. الراب ولد في الهامش، ونشأ في الأحياء المنسية ، حيث يقاس كل شيء بالقهر والقسوة ، ويصبح الكلام كآخر سلاح للجياع و الفقراء في مواجهة هذه القسوة ومن يمارسها عليه بقصد أو بدونه.

    الثورية في هذا النوع من الموسيقى لا تتجلى فقط في الكلمات القوية الصادمة المخلة بما تعارف عليه “بالادب “في بعض الأحيان أو النبرة الغاضبة، بل في كسر كل القوالب المحترمة المؤذبة الجاهزة، ورفض الصمت المفروض. هي موسيقى اثبات الوجود ومقاومة التهميش لذلك كان الراب عند لكناوي بذات ، منذ بداياته، لسانا ناطقا بمعاناة الشباب المهمش، وكل من وجد نفسه خارج الحسابات السياسية والسياسيين ولنا في أغني “ولد عتيقة” و”عرفتي يامي” والأغنية الجميلة الرعب AMAN RO3B خير مثال .

    في أغاني لگناوي تتحول المعاناة اليومية إلى خطاب سياسي مباشر ، ينطلق من الشارع والصراعات اليومية مع الفقر، مع قمع السلطة ، مع البطالة،و عنف السياسة ، و فساد النخب… كلها مواضيع التي لا تقال في الخطب الرسمية، لكن لگناوي يجعلها تصرخ في كل المقاطع الموسيقية التي يتغنى بها . هذا الرابور لا يجمل الواقع، بل يفضحه، بلا إذن، يقتحم كل المساحات الممنوعة اقتحاما ويتجاوز كل الخطوط عنوة بلا رهبة أو خوف.

    الثورية في أغاني الراب عموما ليست طابعا خاصا أو شيء ثابت أو مضمون دائما. فكما أنتج هذا الفن أصواتا يمكن اعتبارها ثائرة و مناضلة، أنتج أيضا نسخا ضخمة تافهة مفرغة من أي معنى سوى الضجيج والتلوث الصوتي، وتحويل الغضب إلى بضاعة للاستهلاك والترويح عن النفس .
    الثورية عموما موقف قبل أن تكون أسلوبا، ووعيا قبل أن تكون إيقاعا موسيقيا .مع الگناوي اكتسب الراب المغربي بعدا إضافيا. فقد أصبح متنفسا لجيل ضائع محبط من السياسة ، فاقد للثقة في الأحزاب، مقصى من مخططات التنمية . أغاني الراب عنده لا تعارض فقط السياسة المنتهجة ، بل تفضح أيضا نفاق المجتمع، وسلطة الأعراف و التقاليد. إنها ثورة موسيقية ولغوية قبل أن تكون ثورة في الشارع،وهو ليس بالضرورة دعوة صريحة ومباشرة للاحتجاج، لكنه يزرع الشك، ويكسر الصمت الزائف، ويربك . قوته تكمن في كونه فنا لا يدعي الطهر و النقاء، ولا يعترف بربطات العنق ولا يتحدث بتنمق، بل من قلب الفوضى والبساطة هذه ميزته و خطورته: لأنه يذكر بأن الغضب موجود، وأن الصوت، مهما حوصر، سيجد دائما إيقاعا ليخرج.

    تبقى الثورية عموما في أغاني الراب موقفا و شهادة عصر جديد من التعبير الحر ، ومرآة عاكسة لجروح خامدة مثل البركان.

    هيئة التحرير24 مايو، 2026

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عيد الأضحى في المغرب: غلاء الأسعار يثقل كاهل العائلات

    يحل عيد الأضحى هذه السنة في المغرب في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها المواطنون، فقد أصبح شراء أضحية العيد يشكل عبئاً كبيراً على الكثير من العائلات بسبب الارتفاع الملحوظ في الأسعار، مما جعل الفرحة بالعيد تتراجع أمام الهموم المادية وحسابات الجيب.

    ارتفاع أسعار الأضاحي:

    يعود هذا الغلاء إلى عدة أسباب، منها: توالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل كبير على المراعي الطبيعية، مما دفع المربين للاعتماد على الأعلاف التي ارتفع ثمنها هي الثانية، يضاف إلى ذلك تكاليف النقل المرتفعة وكثرة الوسطاء (الشناقة) في الأسواق الذين يرفعون ثمن الأكباش لتحقيق ربح سريع، وذلك رغم…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصرع أربعة تلاميذ في حادث سير مميت بوالماس

    العلم الإلكترونية – متابعة
      اهتزت الجماعة الترابية أولماس، اليوم الجمعة، على وقع فاجعة سير مروعة بعدما أسفر انقلاب مركبة للنقل المزدوج عن مصرع أربعة تلاميذ وإصابة عشرات الأشخاص بجروح متفاوتة الخطورة، في حادث خلف حالة من الحزن والصدمة وسط ساكنة المنطقة.   ووفق المعطيات الأولية التي نشرها موقع فاس 24، فإن الحادث وقع بعدما فقد سائق المركبة السيطرة عليها، لتنحرف عن مسارها قبل أن تنقلب بشكل عنيف، بينما كانت تقل حوالي 40 راكباً، أغلبهم من التلاميذ وأفراد من عائلاتهم، كانوا في طريقهم لقضاء عطلة عيد الأضحى.   وفور وقوع الحادث، استنفرت السلطات المحلية ومصالح الدرك الملكي مختلف أجهزتها، حيث انتقلت عناصر الوقاية المدنية والسلطات المختصة إلى مكان الفاجعة، وتمت الاستعانة بعدد من سيارات الإسعاف والنقل الصحي التابعة للجماعات المجاورة، في إطار تسريع عمليات الإنقاذ وإجلاء المصابين.   وقد جرى نقل جثامين الضحايا الأربعة إلى مستودع الأموات، فيما تم توجيه المصابين في مرحلة أولى إلى المركز الصحي بأولماس قبل تحويل الحالات التي استدعت عناية طبية متقدمة إلى المستشفى الإقليمي بالخميسات لتلقي العلاجات الضرورية وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة.   وخلفت هذه المأساة حالة من الحزن العميق وسط أسر الضحايا وساكنة المنطقة، خاصة وأن غالبية الضحايا من التلاميذ، في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش حول واقع النقل بالعالم القروي، وظروف تنقل المواطنين والتلاميذ عبر وسائل نقل غالباً ما تكون مكتظة ولا تستجيب في بعض الحالات لشروط السلامة المطلوبة.   كما أعادت الحادثة تسليط الضوء على إشكالية النقل المزدوج بالمناطق القروية والجبلية، والذي يشكل وسيلة أساسية لتنقل السكان، رغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية الطرقية وبعد المؤسسات التعليمية والخدماتية عن عدد من الدواوير والمناطق النائية.   وباشرت مصالح الدرك الملكي تحقيقاً تحت إشراف النيابة العامة المختصة، للكشف عن جميع ظروف وملابسات الحادث، وتحديد الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الفاجعة التي انضمت إلى سلسلة حوادث السير المؤلمة التي تشهدها الطرقات المغربية خلال فترات العطل والتنقل المكثف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لهيب الحرب وجشع الشناقة: أضحية العيد من شعيرة دينية إلى معركة اجتماعية واقتصادية خانقة

    العلم الإلكترونية – بقلم بوشعيب حمراوي 
        لم يعد الحديث في المغرب مع اقتراب عيد الأضحى مجرد نقاش عابر حول مناسبة دينية أو طقس اجتماعي متجذر في وجدان المغاربة، بل أصبح حديثاً عن أزمة معيشية حقيقية تختلط فيها مشاعر الفرح بالخوف، والتضامن بالقلق، والعبادة بثقل الديون والضغوط النفسية. فكل سنة، يتحول “الخروف” إلى القضية الوطنية الأولى بدون منازع، وتتراجع أمامه السياسة والرياضة والنقابات وحتى الصراعات الحزبية، ليصبح السؤال الأكثر تداولاً داخل المقاهي والأسواق والبيوت والإدارات هو: شحال وصل ثمن الحولي؟.   غير أن الموسم الحالي جاء محملاً بأثقال أكبر من السنوات الماضية، بعدما وجد المغاربة أنفسهم محاصرين بين نار الجفاف الذي أضعف القطيع الوطني، ولهيب الحروب الدولية التي رفعت أسعار النفط والشحن والطاقة، وجشع المضاربين والوسطاء الذين حولوا معاناة الناس إلى سوق مفتوحة للاغتناء السريع. وهكذا، أصبح المواطن المغربي البسيط يعيش وضعاً اجتماعياً ونفسياً خانقاً، يؤدي فيه فاتورة الأزمات العالمية، ويدفع في الوقت نفسه ثمن الفوضى والاحتكار الداخلي، وكأنه محكوم عليه بأن يكون الحلقة الأضعف دائماً.   الخروف… من شعيرة دينية إلى مقياس اجتماعي مرهق   في المغرب، لم يعد (الخروف) مجرد أضحية مرتبطة بعيد ديني عظيم قائم على الرحمة والتكافل والاستطاعة، بل تحول مع مرور السنوات إلى رمز اجتماعي ونفسي يقاس به وضع الأسرة وهيبتها داخل المجتمع. فأصبح الأب البسيط، حتى وإن كان غارقاً في الديون أو عاجزاً عن توفير حاجيات أساسية أخرى، يشعر وكأنه مجبر على خوض (معركة شرف) لإدخال الأضحية إلى البيت، ولو على حساب استقرار أسرته المالي والنفسي.   لقد تحولت المناسبة عند فئات واسعة من المجتمع من عبادة قائمة على التيسير إلى سباق استهلاكي مرهق، تغذيه نظرات المجتمع وضغط العادات والتقاليد والتفاخر الاجتماعي. فأسر كثيرة قد تؤجل أداء فواتير الماء والكهرباء، أو شراء الأدوية والملابس، أو إصلاح أعطاب ضرورية داخل البيت، لكنها نادراً ما تتجرأ على التنازل عن الأضحية، خوفاً من نظرة الآخرين أو من شعور داخلي بالحرج والعجز.   ولهذا تتحول الأسواق قبيل العيد إلى فضاءات مكتظة بالتوتر والقلق والمساومة، حيث تختلط فرحة المناسبة بمرارة الواقع الاجتماعي، ويتحول البحث عن “حولي مناسب” إلى معاناة يومية ترهق ملايين الأسر المغربية.   الجفاف والحروب العالمية : يدفع المغربي ثمن أزمات وطنية ودولية   بعد السنة الاستثنائية التي عاشها المغرب، والتي تم خلالها إلغاء شعيرة ذبح الأضحية بسبب الجفاف الحاد وتراجع أعداد القطيع الوطني وارتفاع أسعار الأعلاف، كان كثير من المغاربة يعتقدون أن الموسم الحالي قد يحمل بعض الانفراج ويخفف الضغط عن الأسر المنهكة. غير أن الواقع جاء أكثر قسوة، بعدما انفجرت موجة غلاء جديدة مرتبطة مباشرة بالأزمات الدولية والتوترات الجيوسياسية العالمية .   فالحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تبق مجرد نشرات أخبار سياسية وعسكرية يتابعها المغاربة عبر الشاشات، بل تحولت بسرعة إلى نار اقتصادية امتدت إلى الأسواق العالمية، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز العالمية. ومع أي تهديد بإغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة، ترتفع أسعار النفط والطاقة والنقل والتأمين والشحن، فتشتعل معها أسعار المواد الأساسية في مختلف الدول، ومنها المغرب الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد.   وهكذا، وجد المواطن المغربي نفسه أمام تضخم خانق يلتهم القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق. فأسعار المحروقات ارتفعت، وأسعار النقل ارتفعت، وأسعار الأعلاف ارتفعت، وأسعار المواد الغذائية الأساسية واصلت التحليق، ليصبح “الخروف” هذه السنة عنواناً جديداً لمعاناة الأسر المغربية، بعدما تجاوزت أسعاره في عدة مناطق أكثر من الضعف مقارنة بسنوات سابقة.   الشناقة والوسطاء: مغاربة ينهشون المغاربة من الداخل   غير أن معاناة المغاربة لا تتوقف فقط عند حدود الحروب والأزمات الدولية، بل إن جزءاً كبيراً من الألم يصنعه أيضاً “مغاربة ينهشون المغاربة” من الداخل، حولوا حاجيات الناس الأساسية إلى تجارة مفتوحة للجشع والمضاربة والاحتكار.   فوسطاء الأسواق و(الشناقة) ومحترفو السمسرة العشوائية أصبحوا يشكلون اليوم شبكة موازية تتحكم في مسارات عدد كبير من المواد الغذائية والفلاحية، حيث تنتقل السلع أحياناً من يد إلى أخرى عدة مرات قبل أن تصل إلى المستهلك المغربي، لتتضاعف الأسعار بشكل خيالي دون أي قيمة مضافة حقيقية، سوى تضخم جيوب المضاربين واستنزاف جيوب المواطنين.   . وفي موسم الأضاحي، تتحول بعض الأسواق الأسبوعية وفضاءات بيع المواشي إلى ساحات مفتوحة لأساليب خطيرة من الابتزاز والمضاربة والتلاعب النفسي بمربي الماشية والزبائن معاً. فهناك من يقتني الخرفان مباشرة من عند الكسابة بأثمان منخفضة، ثم يعيد بيعها إلى “شناق” أول وثان وثالث، قبل أن تصل في النهاية إلى المواطن بثمن مضاعف مرات عديدة.   وهناك من يحضر إلى الأسواق منذ ساعات الفجر الأولى لا بهدف البيع أو الشراء الحقيقي، بل لممارسة الضغط النفسي والتخويف والاستدراج، عبر نشر الإشاعات وسط الكسابة حول وجود لصوص وهميين، أو قرب انهيار الأسعار، أو وجود أمراض في القطيع، فقط لدفعهم إلى البيع السريع بأبخس الأثمان.   حين تتحول الأسواق إلى فضاءات للاحتيال والفوضى   الأخطر من ذلك، أن بعض محترفي السمسرة والاحتيال داخل الأسواق يلجؤون أحياناً إلى ممارسات لا أخلاقية ومؤذية، من خلال تعمد إلحاق ضرر ظرفي بالأضاحي بطرق ملتوية، كرش بعض السوائل أو دس مواد عفنة أو مؤذية للأغنام خلسة، لإضعاف الحيوان مؤقتاً أو تغيير سلوكه ومظهره، حتى يوهموا المربي بأن الأضحية تعاني من علة أو فقدت قيمتها السوقية، فيرضخ للبيع تحت الضغط والخوف.   وهي ممارسات تكشف كيف تحولت بعض الأسواق إلى فضاءات للفوضى والاحتيال وغياب المراقبة، بدل أن تكون فضاءات منظمة تحفظ كرامة المربي وتحمي المستهلك. فحين يغيب التنظيم الصارم، وتضعف المراقبة، ويتوسع نفوذ الوسطاء غير القانونيين، يصبح المواطن البسيط ضحية مزدوجة: ضحية الغلاء من جهة، وضحية المضاربة والاحتيال من جهة أخرى.   .الأضحية بين التكافل المشروع وشراء الذمم الانتخابية   ولأن بعض المواسم بالمغرب تتحول عند فئات معينة إلى فرص للاستثمار السياسي والانتخابي، فقد أصبحت أضحية العيد بدورها تدخل أحياناً في دائرة الاستغلال الانتخابي المبكر، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026. فمع اشتداد الأزمة الاجتماعية وارتفاع أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق، بدأت تظهر من جديد بعض المظاهر والعادات السيئة المرتبطة باستغلال حاجة المواطنين وفقرهم من أجل استمالة الأصوات وكسب الولاءات الانتخابية بطرق ملتوية.   ففي الوقت الذي تعجز فيه أسر كثيرة عن اقتناء أضحية العيد بسبب الغلاء، تتحرك في الخفاء والعلن شبكات توزيع الأضاحي والهبات والعطايا، حيث يتم توجيه خرفان العيد إلى بعض كبار المسؤولين والنافذين وكبار الموظفين في إطار تبادل المصالح والمجاملات المقنعة، بينما يتم توزيع أضاحٍ أخرى داخل بعض الأحياء والقرى والمناطق الهشة من طرف مرشحين محتملين أو سماسرة انتخابيين شرعوا مبكراً في التمهيد لمعركة الانتخابات المقبلة.   وهكذا، تتحول المناسبة الدينية عند البعض من شعيرة قائمة على التضامن والتكافل النبيل إلى وسيلة ناعمة لشراء الذمم واستقطاب الناخبين واستغلال هشاشة الفقراء ومعاناتهم الاجتماعية. فبدل أن يكون الدعم موجهاً في إطار الكرامة والعدالة الاجتماعية، يصبح أحياناً وسيلة لربط المحتاج بولاءات انتخابية مستقبلية، عبر المال أو قفة المواد الغذائية أو (حولي العيد)، في مشهد يسيء للعمل السياسي ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص والنزاهة الانتخابية في العمق.   والأخطر في الأمر، أن هذه الممارسات لا تظهر فقط خلال الحملة الانتخابية الرسمية، بل تبدأ قبلها بأشهر طويلة، مستفيدة من ضعف المراقبة وصعوبة إثبات النوايا الانتخابية المباشرة. فتختلط الأعمال الإحسانية الحقيقية بالمناورات السياسية المقنعة، ويصبح المواطن الفقير هدفاً لحملات استمالة مبكرة تستثمر في الحاجة والعوز أكثر مما تستثمر في البرامج والأفكار والكفاءة.   إن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى بالخرفان ولا بالهبات الموسمية، ولا بتحويل المناسبات الدينية إلى سوق لشراء الأصوات، لأن المواطن الذي يُستدرج اليوم بأضحية أو مساعدة ظرفية، سيجد نفسه غداً أمام نفس المعاناة ونفس التهميش ونفس الغلاء، بينما يستمر تجار الانتخابات في تدوير نفس الأساليب ونفس الوجوه ونفس الوعود الفارغة.    المواطن المغربي… الحلقة الأضعف دائماً   المؤلم في كل هذا، أن المواطن المغربي البسيط لا علاقة له بحروب الشرق الأوسط، ولا بصراعات القوى الكبرى، ولا بأسواق النفط العالمية، لكنه يبقى أول من يؤدي الفاتورة دائماً. فكل أزمة دولية تتحول داخل المغرب إلى موجة زيادات جديدة، وإلى مبررات إضافية لتوسيع هامش الأرباح والمضاربات والاحتكار، دون أن يشعر المواطن بوجود حماية حقيقية لقدراته الشرائية أو مراقبة فعالة للأسواق.   لقد أصبح المغربي اليوم يعيش حالة إنهاك اقتصادي ونفسي حقيقية. فالأجور شبه جامدة، والدخل محدود، بينما الأسعار تتحرك بسرعة الصواريخ والحروب. وحتى المناسبات الدينية والاجتماعية التي كانت تشكل متنفساً للفرح والتضامن، تحولت عند فئات واسعة إلى مصدر للقلق والخوف والتفكير في كيفية تدبير المصاريف.   ولم يعد السؤال المطروح داخل البيوت المغربية: “هل سنشتري (الأضحية؟)، بل أصبح: (كيف سنعيش بقية الشهر بعد شرائها؟)     إن ما يعيشه المغرب اليوم يكشف بوضوح حجم هشاشة القدرة الشرائية أمام الأزمات الدولية، وخطورة الارتهان للأسواق العالمية وتقلباتها، كما يكشف في الوقت نفسه خطورة الجشع الداخلي وغياب أخلاقيات السوق عند فئات حولت معاناة الناس إلى مصدر للربح السريع.   فلا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على توازنه واستقراره في ظل استمرار هذا النزيف الاجتماعي والمعيشي، حيث يجد المواطن نفسه محاصراً بين الجفاف، والحروب، والتضخم، والاحتكار، وغلاء المعيشة، ووسطاء الأزمات الذين يقتاتون على تعب الفقراء.   وفي النهاية، يبقى المغربي البسيط هو الحلقة الأضعف دائماً. يدفع ثمن الجفاف، وثمن الحرب، وثمن النفط، وثمن المضيق، وثمن الشناقة، وثمن الخروف. وكأن قدره أن يعيش كل الأزمات دفعة واحدة، حتى ولو كانت على بعد آلاف الكيلومترات من حدوده.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سلس الريح / قصة قصيرة… بقلم الاستاذ عبد المجيد طعام

    جريدة البديل السياسي 

    سلس الريح / قصة قصيرة

    عبد المجيد طعام

    لم يكن التفاوض مع الشيخ أمرا هينا.

    أن تقنع رجلا تفصله عن الله مسافة أقصر مما تفصله عن البشرليحل بمدينتك، هذا ضرب من المعجزات. كل الفضل يعود إلى رئيس الجمعية. رجل من طينة لا تعرف الاستسلام. اعتاد أن يرفع التحديات.

    بدأت المفاوضات برسائل صوتية مطولة، تحمل من كلمات التبجيل ما يكفي لفتح كل أبواب الجنة . ثم انتقلت المفاوضات إلى مكالمات امتدت إلى ساعات متأخرة من الليل. قبل الشيخ على مضض لأن المدينة تستقر في الهامش ولا إشعاع لها . إلا أنه فرض شروطا يعتبرها معقولة وطبيعية بالنظر إلى قيمته في سوق الوعظ والإرشاد…

    إقرأ الخبر من مصدره