Catégorie : رآي

  • بل الرفيق الأعلى


    الطيب بوطاهر

    لم يكن المرض الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة مرضًا مفاجئًا بالمعنى الذي تفاجأ به الناس.

    فالذين اقتربوا منه في تلك الأيام شعروا، وإن لم يعترفوا بذلك لأنفسهم، أن الجسد الذي حمل أثقال الرسالة طويلًا قد بدأ يضعف شيئًا فشيئًا، وأن الرجل الذي واجه العرب جميعًا بقلبٍ لا يلين صار الآن يصارع وجعًا لا تدفعه الشجاعة.

    وكانت يثرب تراقب هذا التحول بخوفٍ صامت.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    فقد اعتاد المسلمون أن يروا في محمد صورة الثبات الكامل؛ الرجل الذي لا تهزه الحروب، ولا تنكسر نفسه تحت الحصار، ولا يضطرب حين تضطرب الدنيا من حوله.

    أما الآن، فقد صار التعب ظاهرًا على الوجه، وصار الجسد يثقل بالحُمّى، حتى إن الذين يدخلون عليه يخرجون وقد حملوا في قلوبهم خوفًا لا يجرؤون على تسميته.

    بدأ الأمر، كما تروي الأخبار، بعد عودته من حجة الوداع.

    وكان في تلك الحجة شيءٌ يشبه الوداع الخفي، حتى قبل أن تُعرف باسمها.

    فالناس الذين سمعوه يقول:

    “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”

    لم يفهموا الجملة يومئذٍ على حقيقتها الكاملة.

    فالقلوب لا تصدق بسهولة أن العظماء يمكن أن يرحلوا.

    وكان محمد قد تجاوز الستين بقليل، لكن السنوات التي عاشها لم تكن تُقاس بالعمر وحده، بل بما حملته الروح من أعباء.

    ثلاث وعشرون سنة:

    من المطاردة،

    والحصار،

    والحروب،

    والصلح،

    والقيادة،

    وانتظار الوحي في الليالي الطويلة.

    حتى الجبال لو حُمّلت بعض ما حمله لتشققت.

    وفي الأيام الأخيرة، أخذ المرض يشتد.

    حمّى قاسية، وصداع يثقل الرأس، وإرهاق يجعل الجسد يميل إلى الفراش أكثر مما اعتاده الناس منه.

    ومع ذلك، ظل يحاول الخروج إلى الصلاة.

    كان يشعر — على الأرجح — أن المسجد ليس مجرد مكان للعبادة، بل قلب الجماعة نفسها، وأن غيابه الطويل عنه سيجعل الناس يشعرون أن النهاية اقتربت فعلًا.

    وكان إذا خرج، أسندوه بين رجلين.

    ورآه الناس يومًا يدخل المسجد متكئًا على عليّ والعباس، وقد أثقل المرض حركته، حتى إن قدميه كانتا تجرّان على الأرض من شدة الإعياء.

    ولم يكن المشهد هيّنًا على القلوب.

    فالرجال الذين رأوه في بدر والخندق وحنين، ثابت الخطوة، شديد الحضور، رأوه الآن يصارع جسده بصمت.

    وهنا بدأ الخوف الحقيقي يدخل النفوس.

    لكن أكثر ما يلفت النظر في تلك الأيام ليس المرض وحده.

    بل القلق.

    فالرجل الذي عاش للوحي كان يدرك — على الأرجح — أن الأمة التي وحّدها ما تزال فتية، وأن القبائل التي دخلت الإسلام لم تتحول كلها بعد إلى جماعة مستقرة.

    ولهذا كثرت في أيامه الأخيرة الإشارات التي تدل على انشغاله بالمستقبل.

    جيش أسامة مثلًا.

    كان مصرًّا على إنفاذه رغم المرض، ورغم اعتراض بعض الناس على قيادة شاب صغير السن.

    وكأن الرجل يريد أن يقول للأمة:

    الدولة يجب أن تستمر حتى لو غاب صاحبها.

    وكان يكرر:

    “أنفذوا جيش أسامة.”

    في إلحاح يشبه الوصية الأخيرة.

    ثم جاءت رزية الخميس.

    وحين خرج الناس من عنده مختلفين، بقي في المدينة شعور ثقيل بأن شيئًا لم يكتمل.

    ولم يكن أحد يدرك أن تلك الساعات ستصبح بعد سنوات مادةً لصراع طويل بين المسلمين.

    لكن المرض بعد ذلك اشتد سريعًا.

    وصارت عائشة ترى من الألم ما لم تره من قبل.

    وقد روت أنه كان يضع يده في الماء ثم يمسح وجهه ويقول:

    “لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات.”

    وما أشد وقع هذه الكلمات.

    فالرجل الذي واجه الحروب والخذلان والمؤامرات، يقف الآن أمام الحقيقة التي لا يهرب منها أحد:

    حقيقة الجسد حين يبلغ حدّه الأخير.

    وفي بعض اللحظات، كان الوعي يصفو على نحو يثير الدهشة.

    نظر يومًا إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فتبسم.

    تبسّمة هادئة قصيرة، لكنها أشعلت الأمل في القلوب.

    وظن بعض الناس أن المرض انكشف، وأن الحياة ستعود إلى مجراها القديم.

    فالإنسان يتعلق بالأمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

    لكن الجسد كان قد أنهكه التعب.

    وفي صباح الاثنين…

    ساد البيت سكون غريب.

    لا حركة كثيرة.

    ولا كلام مرتفع.

    فقط ذلك الصمت الذي يسبق اللحظات الفاصلة.

    وكانت عائشة تسنده إلى صدرها.

    وربما لم تكن تدرك أن النهاية قد جاءت فعلًا.

    فالناس لا يعرفون اللحظة الأخيرة إلا بعد أن تمر.

    ثم أخذ بصره يعلو شيئًا فشيئًا.

    وتحركت الشفتان بكلمات متقطعة:

    “بل الرفيق الأعلى…”

    وكانت العبارة هادئة على نحوٍ يكسر القلب.

    لا خوف فيها.

    ولا تعلق بالدنيا.

    كأن الروح التي حملت أعباء الأرض طويلًا اختارت أخيرًا أن تمضي.

    ثم سكن الجسد.

    فقط…

    سكن.

    ولم تصرخ المدينة أول الأمر.

    بل دخلت في ذهول عظيم.

    فالنفوس لا تستوعب الكوارث دفعة واحدة.

    وعمر، الذي كان يرى في وجود النبي تماسك العالم كله، فقد القدرة على التصديق.

    راح يهدد من يقول إن محمدًا مات.

    وكانت عيناه تحملان اضطراب الرجل الذي انهار فجأة آخر جدار احتمى به.

    أما أبو بكر، فقد دخل الحجرة في هدوء.

    اقترب من الجسد.

    كشف الغطاء عن الوجه قليلًا.

    ثم قبّله.

    وقال:

    “طبت حيًّا وميتًا.”

    ولم يكن في البيت يومئذٍ شيء أشد قسوة من اليقين.

    في الخارج، كانت المدينة على وشك الدخول إلى عصر جديد بالكامل.

    عصرٍ لن يكون فيه وحيٌ يحسم النزاع إذا اختلف الناس.

    عصرٍ سيضطر فيه البشر إلى إدارة المقدس بأيديهم المرتجفة.

    ومن هنا…

    بدأ التاريخ الإسلامي الحقيقي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • طقس العيد بالمغرب


    محمد شهبي
    مقدمة

    تشكّل أضحية عيد الأضحى في المغرب ظاهرة ثقافية تتجاوز حدودها الفقهية لتتحول إلى مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية. ومع كل موسم عيد، تتصاعد أسعار الأكباش إلى مستويات غير مسبوقة، مما يثير جدلاً إعلامياً وشعبياً بين من يراها تعبيراً عن الانتماء الديني، ومن يعتبرها انسياقاً وراء استهلاك تفاخري أو تبذيراً اقتصادياً. غير أن قراءة هذه الظاهرة عبر العدسة السوسيولوجية، وبالاعتماد تحديداً على الأطروحة المركزية في كتاب عبد الله حمودي الضحية وأقنعتها، تتيح لنا تفكيك الطبقات الخفية التي تحول الطقس الديني إلى أداء اجتماعي معقّد، حيث تختلط القداسة بالمنافسة، والروحاني بالمادي، والتقليدي بالحديث. فالمبالغة في ثمن الكبش ليست شذوذاً سلوكياً، بل تعبير عن منطق سوسيولوجي عميق الجذور في النسيج المغربي.

    الإطار النظري: حمودي والأقنعة المتعددة للطقس

    يطرح عبد الله حمودي في كتابه فكرة محورية مفادها أن الأضحية ليست فريضة دينية مجردة، بل “مسرحية اجتماعية” تتنكر وراء أقنعة متعددة: قناع التقوى، وقناع الهيمنة الرمزية، وقناع إعادة إنتاج التراتبيات الأسرية والمحلية. فالطقس، بحسبه، يعمل كآلية لترسيخ المكانة والهوية، وكمجال للتفاوض غير المباشر على السلطة والشرعية داخل الفضاء العام والخاص. هذه الأطروحة توفر عدسة تحليلية حادة لقراءة ظاهرة ارتفاع أسعار الأكباش، التي لا يمكن اختزالها في “بذخ” أو “جهل اقتصادي”، بل هي تجسيد لتحويل المقدس إلى رأس مال رمزي، حيث تتحول الذبيحة إلى وسيط مرئي لقياس الكرامة، والعزوة، والانتماء الطبقي.

    تحليل سوسيولوجي للظاهرة 1-الرأس المال الرمزي والمنافسة المحلية

    في السياق المغربي، لم يعد الكبش مجرد ذبيحة تُقسّم بين الأهل والفقراء، بل تحول إلى “سلعة دلالية” تحمل وزناً اجتماعياً. فالمبالغة في الثمن تعكس منطقاً قريباً من نظرية بوردو في الرأس المال الرمزي: الإنفاق هنا لا يهدف إلى الإشباع المادي، بل إلى الاستثمار في السمعة والهيبة. والأسر، وخاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، تخضع لضغط “نظرة الجيران” و”مقارنة العائلات”، مما يخلق دينامية تنافسية غير معلنة. هنا يظهر القناع الأول الذي يكشفه حمودي: قناع التضامن الديني الذي يخفي في باطنه منافسة طبقية دقيقة، حيث يتحول العيد إلى ساحة لإعادة ترتيب المواقع الاجتماعية دون مواجهة مباشرة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} 2-البعد الجندري وإعادة إنتاج الأدوار الأسرية

    يكشف حمودي عن الكيفية التي يتوزع بها العمل والسلطة داخل طقس الأضحية، حيث يهيمن الذكور على مراحل الشراء، والذبح، والعرض العلني، بينما تتحمل النساء عبء التجهيز، والحفظ، والطهي، وتوزيع الصدقات، وإدارة الضيوف. المبالغة في سعر الكبش تعزز هذه الفجوة الرمزية، فتتحول “قيمة” الحيوان إلى مقياس غير مباشر لـ “كفاءة” رب الأسرة كمُعيل وحامٍ للشرف والعزوة. في الوقت نفسه، تتحمل النساء التكاليف النفسية والتنظيمية لإدارة الفوضى ما بعد الطقسية، مما يعيد إنتاج نموذج أسري ذكوري يتنكر وراء قناع “الواجب الشرعي”. الظاهرة، إذن، ليست اقتصادية فحسب، بل هي آلية خفية لإعادة تأكيد الأدوار التقليدية في لحظة تتقاطع فيها الحداثة مع الموروث.

    3-السوق، الحداثة، واستهلاك القداسة

    مع عولمة نمط الحياة وانتشار المنصات الرقمية، تحولت الأضحية إلى “حدث مرئي” قابل للتوثيق والمقارنة والمشاركة. صور الأكباش الفاخرة، وبثّ عمليات الشراء، وتداول الأسعار على وسائل التواصل، كلها ممارسات تعكس تحول الطقس إلى محتوى استهلاكي. السوق الموازي، وسلاسل التوزيع غير الرسمية، والمضاربة الموسمية، وارتفاع تكاليف النقل والرعي، كلها عوامل تغذي التضخم. لكن حمودي ينبه إلى أن هذا لا يعني “انحرافاً” عن الدين، بل هو تكيفه مع منطق الحداثة الاستهلاكية. القناع الثالث هنا هو قناع “التجديد” أو “الرقي”، الذي يخفي تحول المقدس إلى سلعة قابلة للمقارنة، والتسويق، والتمايز الطبقي.

    4-الدولة بين التنظيم والشرعية الشعبية

    تحاول الدولة المغربية سنوياً ضبط الأسعار عبر استيراد الأغنام، وتحديد هوامش الربح، وتنظيم الأسواق، ومراقبة الجودة. لكن هذه السياسات تصطدم بقوة الطلب الاجتماعي الذي لا يخضع للمنطق الاقتصادي البحت. الأضحية، كممارسة شعبية متجذرة، تتفوق على الخطاب الرسمي لأنها تمس هوية جماعية وعميقة. هنا يظهر التوتر الذي يسلط عليه حمودي الضوء: بين شرعية الدولة (التنظيم، الأمن الغذائي، العقلنة الاقتصادية) وشرعية المجتمع (الطقس، الانتماء، المقاومة الرمزية). المبالغة في الثمن، إذن، يمكن قراءتها أيضاً كشكل من أشكال “العصيان السلمي” ضد عقلنة الدولة، أو بالأحرى، تأكيد على أن المجال الشعبي لا يزال يحكمه منطق رمزي يتجاوز الحساب المادي الخالص.

    خلاصة ورؤية نقدية

    إن قراءة ظاهرة المبالغة في أسعار أضحية العيد عبر كتاب عبد الله حمودي لا تهدف إلى إدانة الممارسة أو تبريرها، بل إلى تفكيكها كحقل سوسيولوجي ديناميكي تتقاطع فيه الطبقة، والجندر، والاقتصاد، والسياسة، والهوية. المبالغة في الثمن ليست انحرافاً أخلاقياً، بل تعبير عن منطق اجتماعي يسعى إلى ترجمة القيم غير الملموسة (الكرامة، الانتماء، المكانة) إلى أشياء قابلة للرؤية والقياس والمقارنة. والأقنعة التي يكشفها حمودي ليست خدعاً، بل آليات تكيف ثقافي تتيح للمجتمع المغربي إدارة التوترات بين التقليد والحداثة، بين الفرد والجماعة، بين السوق والمقدس.

    المستقبل قد يشهد تحولات تحت ضغط الأزمات المعيشية، وتغير أنماط الاستهلاك، وبروز بدائل رمزية جديدة، لكن الأضحية ستبقى، كما يؤكد حمودي، مرآة لا تكذب: تعكس ما نحن عليه في تعقيدنا، لا ما نريد أن نظهره فقط. وفهم هذه “الأقنعة” هو الخطوة الأولى نحو سياسات اجتماعية أكثر وعياً، تتجاوز التبسيط الاقتصادي أو الخطاب الأخلاقي، وتحترم التعقيد الإنساني الذي يكمن وراء كل طقس، وتعيد صياغة الحوار بين الدولة والمجتمع على أساس الاعتراف بالرمزي كبعد مشروع من أبعاد العيش المشترك.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصّحابة وسلْسلة الموروث


    سمير عزو

    أتذكّر يوم حُظرت رفقة والدي، في ثمانينيّات القرن الماضي، درسًا لفقيهٍ بالجامع الكبير، وكانت لنا وقتَها نِيّات رهيفة؛ نستمع لتفسير سورة الجنّ، بينما استرسل وأكّد على “ضرورة التسليم والإيمان بما أسماه السّلسلة”، تلك التي عِقْدُها التصديق بما أنزل الله مع سيدنا جبريل عليه السلام، لكي يُبلّغنا إيّاه خيرُ الآنام (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ “مسألة الجنّ” من بين ما جاء في هذا القرآن الحكيم.

    كان منطقُه مُتّسقًا ومتناسقًا إلى حين من الأيام، حضرتُ فيها محاضرته بنفسي في غير ذاك المسجد العتيق، فأمضى يهاجم الشّاعر أبا القاسم الشّابّي في بيته الشّهير:

    “إذا الشّعبُ يومًا أراد الحياة *** فلا بدّ أن يستجيب القدر”

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كان يتساءل وهو محمرّ الوجنتين: كيف لقدَر الخالق أن يستجيب لإرادة البشر؟

    حينها لم أكن أبالي بمناقشة أفكار هؤلاء الذين كنّا نراهم فوق أبراج الوعظ.. على كل حال! وكنت أُتَمْتِم بيني وبين نفسي: هذا خيال فنيّ للشّاعر، والأهمّ في ذلك أنّه كان يستنهض الهمم من أجل مواجهة الاستعمار، كذلك قال لي عقلي: ربّما كان يقصد أن يستجيب الشّعبُ قدَره بالكفاح..

    ومضت السّنون والأيام، فارتقى الفقيه وتَدكْتَر، ثم وقف وقْفةَ عثْرةٍ لأولئك الذين لطالما عاتبوه بما أسموه “تبذير تبرّعات المحسنين في زخرفة المساجد”، كان يردّ عليهم بقوله: “ليس من دورنا بناء المعامل.. نحن بنينا المساجد، وأنتم للمعامل فابْنوها”. وقف معارضًا لإعمال تقنيّة الحمض النّووي في خصومات إثبات النّسب، بحجّة أن ذلك “سيُسقط تطبيق آية اللّعان(1) بين الزّوجين في حال تنازعهما”.

    لم يكن بذلك بُدٌّ إلا أن يسقط بدوره من ذاك البرج، ومن مخيّلتي واعتباري على حدّ سواء..

    مذ حلّ عام 2000 أو “الفيل” كما كان يحلو للبعض تسميته، متوقّعًا لما سيعقُب سقوط الاتحاد السوفياتي، عرف الصّراع العربي الإسرائيلي بين 2000 و2006 طفرة جديدة. بعدما توالى السقوط بجدار صدّام العظيم في 2003، باتت بذلك فتاة “المقاومة” تتوكّأ وتنمو مخالبُها.

    ثمّ حلّت موجة شرسة كأنّها خيوط عنكبوت، تُحاك من فوق تلك الأبراج التي سَلْسَلت عقولنا بسلاسلَ كنّا نسمّيها عذرًا “محاضرات”! نُسجت من أجل شيْطنة “الفتاة” وعقيدتها.

    ربّما كان ذلك مفهوماً، خصوصًا إذا ما تعلّق الأمر بـ”حفظ النّسق العام وصون عقيدة التّسنُّن”، لكن الذي يُعاب على أصحاب تلك الحملة هو ممارستهم للوصاية على الجمهور.. وصاية الفقيه(2)، الذي كان يدعو الشّباب “للفصل بين الإنجازات العسكرية والعقيدة”.. ولكن هل كانت الإنجازات العسكرية لتكون دون عقيدة!؟

    مضيت أبحث في زمن “السّماوات المفتوحة”، وقد تيسّر فيها كل شيء؛ إلا التجرّد والموضوعيّة، لا يُنال نصيب منه بقليل من الجرأة والشّجاعة الأدبية. قرّرت أن أشكّ حينئذ في كل شيء، وأن أُفْرغ عقلي من كل شيء، كي أبدأ من لا شيء.. أن أتساءل: كيف ولماذا؟

    ما الذي جعل الصّحابة يحرقون السّنّة النّبوية الشّريفة في “خير القرون” كما يقولون، بحجّة “تجنّب اختلاطها بالقرآن الكريم”، بينما القرآن نفسُه يقول: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9)؟

    لماذا يُصرّون على “إقبار ما شَجَر بين الصّحابة”، وهم “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (سورة الفتح: 29)؟

    لِمَ نعيب على اليهود عبادتهم عِجْلًا واحدًا من ذهب، ونحن مجبرون على تعديل المئات من البشر من لحم وعظم؟

    لقد نزلت آيات قرآنية كريمة في حقّ الصحابة تُشرّفهم وتعظّم قدرهم، لكن لم تعمّم ذلك على كلّ مجتمع الصحابة، والدّليل العقلي على ذلك أنّهم اقتتلوا وأحرقوا بعضهم البعض كما في حال مالك بن نُوَيرة وكذا محمد بن أبي بكر..

    فإذا كانوا “هم السّلسلة التي وصلنا عبرها الدين”، فإنّه يكون من حقّنا كمتأخّرين أن نفكّك هذا الموروث العتيد الذي تخزنه أمّهات الكتب، النّاشزة على ما يبدو من أباءِ ومسْكة العقل.

    ينبغي ونحن نبجّل في الصّحابة الكرام، أن نذكر أيضًا آية: “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”، لأنّ هؤلاء المُنفضّين عن النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كانوا من مجتمع الصحابة، ولم يكونوا من الرّوم ولا من الفرس، فيُوجب بذلك أن ننفض عن أعيننا غبار الهالة والتّعميم، لا من منطلق المؤامرة والتّشكيك، ولكن لتطمئنَّ قلوبنا.

    قال تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا” (سورة البقرة: 285-286). الإيمان محدّد في الله وكتبه وملائكته ورسله، وكما في قوله أيضًا: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (سورة البقرة: 136-137).

    الله تعالى امتحن الصحابة وأقام عليهم الحجّة، وقال: “وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ” (سورة البقرة: 143). وعليه، فإنّ إسباغ هالة التّكريم على جميع الصّحابة أمر يخالف القرآن الحكيم والسّنة النّبوية الشّريفة والعقل، واعتبارهم جميعًا قدوة في المناهج التّربوية والتّعليمية يشكّل خطورة على أبنائنا وأجيالنا المتعاقبة(3).

    ولذلك يتساءل الكثيرون عن صحّة حديث “العشرة المبشّرين بالجنّة”، لقرينة عدم معرفة رُواةِ هذا الحديث أنفسهم بوجوده! وبالتالي يرجّحون قولَه بعد ارتقاء النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم).

    هذا النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن بدعًا من الرّسل، جرى عليه ما جرى على الأنبياء والرّسل عليهم السلام من قبله، ولذلك نجد في صحيح البخاري؛ الحديث رقم 7198 قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): “ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه، والمعصوم من عصم الله”.

    الهوامش:

    (1) اللّعان لغةً: مصدر لاعن، واللعن هو الطرد والإبعاد. أمّا شرعًا: فهو كلمات معلومة جُعلت حجّة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه أو إلى نفي ولد، وبعدها كلا المتلاعنين يبعد عن الآخر بها فيحرم بذلك النكاح بينهما.
    يتمّ اللعان بأن يقول الزوج أربع مرات: “أشهد بالله أنّي لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا”، ويختمها بالخامسة فيقول: “عليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا”. أما المرأة فتقول أربعًا: “أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا”، والخامسة تقول: “أنّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا”.

    (2) انظر مقالنا “ولاية ووصاية الفقيه”، جريدة هسبريس، 23 يوليوز 2015.

    (3) انظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية”، جريدة هسبريس، 20 مارس 2025.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بين كفة “الميزان” وقبة “البرلمان”: هل تنهي التشريعات جشع الشناقة وتنقذ أضحية المواطن؟

    الأحداثبقلم: عبدالله النيوة: طالب جامعي وناشط حقوقي

    ​تتصاعد اليوم في الأوساط المغربية أصوات تنادي بضرورة الخروج من دائرة الحلول الترقيعية والموسمية لتدبير قطاع الأضاحي، والتوجه نحو إرساء ترسانة قانونية صارمة تضع حداً للتغول الذي يمارسه “الشناقة” في الأسواق الوطنية، إذ لم يعد مقبولاً من منظور حقوقي واجتماعي أن تظل شعيرة دينية مقدسة رهينة لمزايدات عشوائية تنهك كاهل المواطن البسيط، مما يفرض على الحكومة والبرلمان استصدار قانون استعجالي لتسقيف أسعار الأضاحي، وتحويل هذا المقترح من مطلب شعبي إلى ضرورة سيادية تضمن السلم الاجتماعي وتحمي القدرة الشرائية التي بلغت أدنى مستوياتها أمام موجات التضخم والجشع التجاري الذي لا يرحم.

    ​إن جوهر الإصلاح المنشود يكمن في كسر شوكة الاحتكار عبر تفعيل آلية “الميزان” كمعيار وحيد وإلزامي للبيع في جميع الأسواق والضيعات، بعيداً عن لغة “البيع بالرأس” التي تفتح الباب واسعاً أمام التمويه والتلاعب النفسي بالمستهلك، حيث يجب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في فرض سعر مرجعي موحد للكيلوغرام الواحد يراعي التوازنات المالية للأسر المغربية، مع ربط الدعم العمومي والامتيازات الممنوحة للكسابة بمدى التزامهم بهذا السقف السعري، بما يضمن عدم تبخر أموال دافعي الضرائب في جيوب الوسطاء والمضاربين الذين حولوا “رحبة العيد” من فضاء للبهجة إلى حلبة للاستغلال الفاحش.

    ​ولا يمكن لهذا المسار التنظيمي أن يستقيم دون ثورة رقابية تبدأ من عمق الضيعات الكبرى قبل وصول القطيع إلى الأسواق، من خلال إجراء إحصاء دقيق وشامل للرؤوس المعدة للذبح وتتبع مسارها عبر لجان مختلطة تملك صلاحيات زجرية واسعة، فتشديد المراقبة وتعميم الموازين الرسمية في كل نقطة بيع سيعيد الاعتبار للكساب الحقيقي ويقطع الطريق على “تجار الأزمات”، لتصبح العدالة الاجتماعية واقعاً ملموساً يتجسد في ثمن عادل وميزان دقيق وسوق منظمة تخضع لسلطة القانون لا لهوى المحتكرين، صيانةً لكرامة المواطن وحفاظاً على تماسك المجتمع.

    هيئة التحرير25 مايو، 2026

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخطاب السينمائي


    عبدالله الساورة
    بين سلطة الصورة وقلق الإنسان

    في العتمة التي تسبق اشتعال الشاشة، يبدو الإنسان كأنه يدخل اعترافه السري الأخير. يجلس أمام الفيلم لا ليشاهد الحكاية فقط، ولكن ليواجه ذاته وهي تتشقق تحت ضوء الصورة. فما الذي يجعل لقطة عابرة قادرة على إيقاظ ذاكرة نائمة منذ الطفولة؟ وكيف تستطيع عين الكاميرا أن تقتحم أكثر الزوايا هشاشة داخل الروح دون استئذان؟ لا يمثل الخطاب السينمائي مجرد لغة من الصور، وإنما متاهة من الرغبات والكوابيس والأسئلة التي تتسلل إلى الوعي ببطء يشبه تسلل الحلم إلى جسد الليل.

    ولا يمكن اعتبار الفيلم شاشة مضيئة بقدر ما هو مرآة قلقة يرى الإنسان فيها خوفه القديم من العزلة والانهيار والنسيان. ولهذا لم ينظر النقاد إلى السينما كفن للتسلية فقط، ولكن كقوة خفية تعيد تشكيل الذاكرة والهوية والإحساس بالعالم. فكل حركة كاميرا تحمل موقفا، وكل صمت يخفي اعترافا، وكل ظل يمر فوق الوجوه يفضح شيئا لا تستطيع اللغة قوله.

    وحين يدخل المتفرج إلى الفيلم، هل يهرب من الواقع أم يسقط في واقع أكثر عمقا؟ وهل كانت السينما دائما محاولة لإنقاذ الإنسان من قسوته الداخلية، أم أنها مجرد وهم جميل يجعلنا نصدق أن أحلامنا ما تزال قابلة للحياة وسط هذا الخراب الحديث؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} الفيلم كساحة للتقاطعات

    يرى عدد كبير من النقاد أن الخطاب السينمائي لا يمثل حكاية تتحرك فوق شاشة مضيئة ولكنه بناء ثقافي يعيد تشكيل العالم داخل وعي المتفرج. ولقد تعاملت الكتابات النقدية مع الفيلم بوصفه لغة كاملة تمتلك نحوها الخاص وإيقاعها الداخلي وصورها التي تتجاوز المعنى المباشر نحو طبقات رمزية معقدة. ومنذ البدايات الأولى لظهور النقد السينمائي في الصحف الكبرى كان السؤال المركزي يتعلق بكيفية صناعة المعنى داخل الصورة المتحركة. لهذا كتب الناقد الأمريكي “روجر إيبرت”، الناقد السينمائي الأمريكي ذات مرة قائلا ” إن السينما آلة للتعاطف تجعل الإنسان يعيش حيوات لا يستطيع أن يعيشها في الواقع”.

    وهذا التصور ربط الخطاب السينمائي بفكرة التأثير النفسي والاجتماعي. فالفيلم بالنسبة له لا يمكن اعتباره مرآة للعالم فقط وإنما أداة تعيد اختراع هذا العالم وفق رؤية المخرج ومنظومة الصناعة الثقافية. وقد تأثر النقد السينمائي بمدارس متعددة منها البنيوية والتحليل النفسي والدراسات الثقافية مما جعله ينظر إلى الصورة باعتبارها نصا قابلا للتأويل المستمر.

    واعتبرت “بولين كايل”، الناقدة السينمائية الأمريكية، أن” الفيلم العظيم لا يقدم أجوبة جاهزة بل يترك المشاهد في حالة قلق فكري دائم “. ومن هنا أصبح الخطاب السينمائي مساحة للصراع بين الجمال والأيديولوجيا وبين المتعة البصرية والوعي النقدي وبين سلطة السوق وحلم الفن الحر.

    وحين يتحدث النقاد عن الخطاب السينمائي فإنهم يربطونه غالبا بفكرة السلطة الخفية التي تتحكم في الصورة. وقد أدركت المدارس النقدية الحديثة في الولايات المتحدة أن الفيلم ليس بريئا وأن كل زاوية تصوير أو حركة كاميرا تحمل رؤية للعالم. لذلك تحول النقد السينمائي إلى محاولة مستمرة لكشف ما تخفيه الصور خلف بريقها الجمالي. وقد كتب “ديفيد بوردويل”، المنظر والناقد السينمائي الأمريكي” أن السينما لا تقدم الواقع كما هو بل تعيد تنظيمه داخل بنية سردية تجعل المتلقي يصدق الوهم وكأنه حقيقة “.

    ويأتي اهتمام النقاد بتحليل علاقة السينما بالمجتمع الرأسمالي وبالصناعة الثقافية الكبرى التي تنتج النجوم والأساطير الجماهيرية. ففي نظرهم يتحول الفيلم أحيانا إلى خطاب دعائي ناعم يعيد إنتاج القيم السائدة دون أن يشعر المشاهد بذلك. ومن هنا ظهر اهتمام واسع بتحليل أفلام هوليوود باعتبارها مرآة للأحلام الأمريكية وللخوف الأمريكي أيضا.

    وكان الناقد” أندرو ساريس”، الناقد السينمائي الأمريكي، الذي يرى أن المخرج الحقيقي يترك بصمته الفكرية داخل الفيلم مهما كانت قيود الصناعة”. لذلك دافع عن نظرية المؤلف التي جعلت الخطاب السينمائي مرتبطا بشخصية المخرج وبعالمه النفسي والفلسفي. لقد صار الفيلم عند النقاد ساحة تتقاطع فيها الرغبات الفردية مع إكراهات السوق وتتصارع فيها الأسئلة الجمالية مع رهانات السياسة والاقتصاد والإعلام.

    الخطاب السينمائي بوصفه شكلا من أشكال الحلم الجماعي والتحرر

    اهتم النقاد كثيرا بتحليل الصورة بوصفها خطابا قائما بذاته. فالصورة السينمائية لديهم لا تمثل زينة بصرية وإنما علامة ثقافية تحمل شحنات نفسية وأيديولوجية عميقة. ولهذا تأثرت الدراسات النقدية بأعمال منظري السيميولوجيا الذين رأوا أن كل لقطة تحمل رسالة خفية يمكن تفكيكها. وقد أشار ستانلي كافيل”، “الفيلسوف والناقد الأمريكي” إلى أن السينما تجعل الإنسان يرى العالم وكأنه يكتشفه للمرة الأولى”.

    ولقد ركز النقد السينمائي على العلاقة بين المتفرج والصورة. فالمشاهد في نظرهم لا يتلقى الفيلم بشكل سلبي وإنما يشارك في إنتاج معناه عبر ذاكرته وتجربته الشخصية ومخاوفه الداخلية. ولهذا ظهرت قراءات نفسية عميقة لأفلام الرعب والجريمة والخيال العلمي باعتبارها تعبيرا عن القلق الأمريكي المعاصر.

    وينظر النقاد إلى الخطاب السينمائي أيضا بوصفه شكلا من أشكال الحلم الجماعي. فهوليوود بالنسبة إليهم ليست مجرد صناعة للترفيه بقدر ما هي مصنع ضخم لإنتاج الخيال والرغبات والأساطير الحديثة. ولهذا كتبت “سوزان سونتاغ”، الكاتبة والناقدة الأمريكية ” أن السينما تعلم الإنسان كيف ينظر وكيف يخاف وكيف يتذكر”

    من هنا أصبح تحليل الفيلم عند النقاد السينمائيين مرتبطا بتفكيك الرموز والإشارات والصمت وحركات الجسد والإضاءة والإيقاع. ولقد تحول النقد السينمائي إلى عملية بحث عن المعاني المختبئة خلف التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تكشف البنية العميقة للخطاب السينمائي.

    ويعتبر النقاد أن الزمن داخل السينما ليس زمنا عاديا وإنما زمن مصنوع يعاد تشكيله بواسطة المونتاج والإيقاع والسرد. ولهذا ركزت الكتابات النقدية الأمريكية على الكيفية التي تتحكم بها الأفلام في إدراك المشاهد للوقت. ولقد رأى “جيمس موناكو”، الناقد والكاتب الأمريكي ” أن السينما فن يتحكم في الزمن بقدر ما يتحكم في الصورة “.

    وهذا التصور جعل الخطاب السينمائي مرتبطا بفكرة الذاكرة. فالفيلم لا يعرض الأحداث فقط ولكنه يعيد ترتيب الماضي داخل وعي المشاهد. ولذلك اهتم النقاد بأفلام الاسترجاع الزمني (فلاش باك) والأفلام التي تكسر التسلسل التقليدي للحكاية لأنها تكشف هشاشة الإدراك الإنساني.

    وقد ظهرت قراءات واسعة لأفلام المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، باعتبارها نماذج لسينما الذاكرة والذنب والعنف الحضري. ورأى النقاد أن شخصياته تعيش دائما داخل صراع بين الماضي والحاضر وأن المدينة الأمريكية تتحول في أفلامه إلى متاهة أخلاقية معقدة.

    كما اهتم النقد السينمائي بالعلاقة بين الزمن السينمائي والزمن السياسي. فالأفلام التي تناولت الحروب والأزمات الاقتصادية والعنصرية لم تكن بالنسبة إليهم مجرد تسجيل للوقائع ولكنها محاولة لإعادة كتابة التاريخ من خلال الصورة. ومن هنا أصبحت السينما خطابا يؤثر في الذاكرة الجماعية وفي الطريقة التي تتذكر بها الشعوب ماضيها وهزائمها وانتصاراتها.

    وركز النقد السينمائي على مفهوم المتفرج بوصفه عنصرا أساسيا داخل الخطاب السينمائي. فالفيلم في نظرهم لا يكتمل إلا داخل عين المشاهد الذي يمنحه الحياة والمعنى. ولهذا ظهرت نظريات عديدة تدرس العلاقة النفسية بين الشاشة والمتلقي وكيفية تأثير الصورة في العواطف والسلوك والأفكار.

    ولقد رأت لورا مولفي، الناقدة والمنظرة السينمائية البريطانية الأمريكية ” أن الكاميرا في السينما الكلاسيكية كثيرا ما تنظر إلى المرأة باعتبارها موضوعا للرغبة البصرية “. وقد أثرت هذه الفكرة في النقد الأمريكي المعاصر الذي بدأ يعيد قراءة الأفلام من زاوية الجندر والسلطة والتمثيل الثقافي.

    وينظر للخطاب السينمائي من هذه الزاوية، أنه قادر على تشكيل الوعي الجماعي بطريقة خفية. فالمشاهد يضحك ويبكي ويتعاطف دون أن ينتبه إلى أن الفيلم يعيد بناء تصوراته عن الحب والعنف والوطن والهوية. ولهذا أصبح النقد السينمائي محاولة لتحرير المتلقي من سطوة الصورة ومن قدرتها على التلاعب بالعاطفة.

    وقد كتب جوناثان روزنباوم، الناقد السينمائي الأمريكي” أن الفيلم العظيم لا يجعل المتفرج ينسى نفسه بل يدفعه إلى إعادة اكتشاف ذاته”. ومن هنا تحولت السينما عند النقاد إلى تجربة فلسفية تتجاوز الترفيه نحو مساءلة الإنسان والعالم والذاكرة والسلطة.

    الخطاب السينمائي كمجال لفهم التحولات الاجتماعية والنفسية

    يربط كثير من النقاد، الخطاب السينمائي بفكرة الهوية الأمريكية نفسها. فالسينما في الولايات المتحدة لم تكن مجرد فن مستقل بقدر ما كانت جزءا من المشروع الثقافي الذي ساهم في تشكيل صورة أمريكا داخل العالم. ولهذا اهتم النقاد بتحليل الطريقة التي تقدم بها الأفلام، فكرة الحلم الأمريكي والنجاح الفردي والعنف والبطولة.

    واعتبر، روبرت وورشاو، الناقد الثقافي الأمريكي” أن أفلام العصابات والويسترن تكشف القلق العميق داخل المجتمع الأمريكي لأنها تقدم بطلا يعيش دائما بين القانون والفوضى”. وقد أصبحت هذه القراءة مرجعا أساسيا لفهم العلاقة بين السينما والأسطورة الأمريكية.

    كما ناقش النقاد صورة المدينة داخل الأفلام. فالمدينة عندهم ليست مجرد خلفية للأحداث ولكنها كائن حي يعكس التوترات الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا ظهرت قراءات واسعة لأفلام نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو ولاس فيغاس باعتبارها مدنا سينمائية تحمل ذاكرة العنف والعزلة والطموح.

    ويرى النقد السينمائي أن السينما تكشف الوجه الخفي للرأسمالية الحديثة. فالأفلام التي تبدو ترفيهية قد تخفي وراءها أسئلة عن الاستهلاك والسلطة والعلاقات الطبقية. ومن هنا تحول الخطاب السينمائي إلى مجال لفهم التحولات الاجتماعية والنفسية داخل المجتمع الأمريكي المعاصر.

    وتأثر النقد السينمائي بالفلسفة الوجودية والتحليل النفسي بشكل واضح خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وبدأت الأفلام الأمريكية تقدم شخصيات مأزومة تبحث عن معنى لحياتها وسط عالم مضطرب. ومن هنا ظهر اهتمام نقدي واسع بمفهوم القلق داخل السينما.

    ويرى روبين وود، الناقد السينمائي الكندي الأمريكي” أن أفلام الرعب الأمريكية ليست مجرد وسيلة للتسلية وإنما تعبير عن المخاوف العميقة التي يعيشها المجتمع “. فالمسخ أو القاتل أو الكائن الغريب يمثل دائما شيئا مكبوتا داخل الثقافة الأمريكية.

    وقد تناول النقد أفلام ألفريد هيتشكوك، المخرج البريطاني الأمريكي” باعتبارها مختبرا نفسيا لفهم الرغبة والخوف والهوس. ورأوا أن الكاميرا عند هيتشكوك لا تراقب الشخصيات فقط ولكنها تتلصص على أعماقها النفسية وتجعل المشاهد شريكا في هذا التلصص.

    وهذا الاهتمام بالتحليل النفسي جعل الخطاب السينمائي أكثر تعقيدا. فالفيلم لم يعد مجرد قصة ذات بداية ونهاية وإنما شبكة من الرغبات المكبوتة والإشارات الرمزية والهواجس الوجودية. ولهذا أصبحت السينما بالنسبة إلى كثير من النقاد فنا يكشف هشاشة الإنسان المعاصر وعزلته الداخلية.

    الخطاب السينمائي مساحة للتشكيك وساحة صراع رمزي

    اهتم النقد السينمائي، بمسألة الواقعية داخل السينما وطرحوا سؤالا مركزيا يتعلق بقدرة الفيلم على تمثيل الحقيقة. فبعضهم رأى أن السينما قادرة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية بصدق شديد بينما اعتبر آخرون أن كل صورة هي بناء مصطنع يخضع لاختيارات المخرج والمونتاج والإضاءة.

    وكتب أندريه بازان، الناقد والمنظر الفرنسي، الذي أثر بقوة في النقاد السينمائي أن” السينما تحقق رغبة الإنسان القديمة في حفظ العالم من الفناء”. وقد تبنت مدارس نقدية هذا التصور خاصة في قراءتها لأفلام الواقعية الجديدة والسينما المستقلة.

    كما ناقش النقد السينمائي أفلام جون كاسافيتس، المخرج الأمريكي، باعتبارها نموذجا لسينما تبحث عن الحقيقة الإنسانية بعيدا عن الزخرفة الهوليوودية. ولقد رأوا أن الكاميرا المرتجفة والحوار العفوي يمنحان الشخصيات صدقا نادرا يجعل المتفرج يشعر بأنه أمام حياة حقيقية، لكن الخطاب النقدي لم يتوقف عند فكرة الواقعية فقط ولكن طرح أيضا سؤال التلاعب بالحقيقة داخل الصورة. فالأفلام الوثائقية نفسها قد تتحول إلى خطاب انتقائي يخضع لرؤية صانعه. ومن هنا أصبح النقد السينمائي مساحة للتشكيك في الحدود بين الواقع والخيال وبين الحقيقة والوهم.

    ونظر النقد السينمائي إلى المونتاج باعتباره القلب السري للخطاب السينمائي. فالصورة الواحدة قد تحمل معنى محدودا لكن ترتيب الصور هو الذي يصنع الإحساس والزمن والتوتر الدرامي. ولهذا اهتمت الدراسات النقدية بتحليل الكيفية التي يبني بها المونتاج وعيا معينا لدى المشاهد.

    ولقد تأثر هؤلاء النقاد بكتابات سيرجي آيزنشتاين، المخرج والمنظر السوفياتي، الذي رأى أن تصادم اللقطات يولد أفكارا جديدة داخل ذهن المتفرج. وقد انعكس هذا التأثير في قراءة أفلام الحركة والجريمة والحرب داخل هوليوود.

    واعتبر النقاد أن الإيقاع السريع للأفلام الحديثة يعكس طبيعة المجتمع المعاصر الذي يعيش تحت ضغط السرعة والاستهلاك والإعلام. ولذلك أصبحت أفلام الإثارة والأكشن مادة غنية لتحليل العلاقة بين التقنية والإدراك الحسي.

    وقد أشار والتر ميرش، المونتير والمخرج الأمريكي إلى “أن المونتاج يشبه الحلم لأن العقل البشري ينتقل من صورة إلى أخرى بطريقة غير مستقرة” . وجعل هذا التصور الخطاب السينمائي مرتبطا بفكرة اللاوعي البصري حيث تتحول اللقطات إلى تدفق نفسي يعكس اضطراب الإنسان الحديث.

    وناقش النقاد العلاقة بين السينما والسياسة باعتبارها علاقة معقدة ومتشابكة، فحتى الأفلام التي تبدو بعيدة عن الشأن السياسي تحمل في داخلها مواقف ضمنية حول السلطة والهوية والعنف والطبقة الاجتماعية. ولهذا أصبحت القراءة السياسية جزءا أساسيا من الخطاب النقدي السينمائي.

    وكتب فريدريك جيمسون، الناقد والمفكر الأمريكي ” أن كل عمل فني يحمل لاوعيا سياسيا حتى لو لم يعلن ذلك بشكل مباشر”. وقد استند النقاد إلى هذه الفكرة لتحليل أفلام الخيال العلمي والحروب والأبطال الخارقين.

    كما تناولوا أفلام أوليفر ستون، المخرج الأمريكي باعتبارها نماذج لسينما تحاول مواجهة الرواية الرسمية للتاريخ الأمريكي. ورأوا أن أفلامه تفتح ملفات الاغتيالات والحروب والفساد السياسي بطريقة تجعل السينما أداة للمساءلة.

    وهذا الوعي السياسي، جعل الخطاب السينمائي عند النقاد مرتبطا بقضايا الحرية والرقابة والدعاية الإعلامية. فالسينما لا تمثل في نظرهم مجرد تسلية جماهيرية بقدر ما هي ساحة صراع رمزي تتواجه فيها السرديات الكبرى والمصالح الاقتصادية والأيديولوجيات المختلفة.

    مفهوم النوع السينمائي كنظام ثقافي

    ركز النقاد السينمائي على مفهوم النوع السينمائي باعتباره نظاما ثقافيا يعكس تطور المجتمع. فكل نوع يحمل قواعده الخاصة وصوره المتكررة وشخصياته النموذجية لكنه يكشف أيضا تحولات الذوق الجماهيري والهواجس الاجتماعية.

    ورأى ريك ألتمان، المنظر السينمائي الأمريكي” أن النوع السينمائي ليس قالبا جامدا وإنما اتفاقا متغيرا بين الصناعة والجمهور”. ولهذا اهتم النقد السينمائي بتحليل تطور أفلام الويسترن والرعب والخيال العلمي والكوميديا السوداء.

    واعتبر النقاد أن أفلام الويسترن القديمة تعكس حلم التوسع الأمريكي بينما تكشف أفلام الويسترن الحديثة عن انهيار هذا الحلم وعن شعور عميق بالذنب التاريخي تجاه العنف والاستعمار. كما رأوا أن أفلام الخيال العلمي أصبحت مرآة للخوف من التكنولوجيا ومن فقدان الإنسان لذاته.

    وقد أشار توماس شاتز، الناقد والباحث الأمريكي” إلى أن الأنواع السينمائية تشبه الأساطير الحديثة لأنها تعيد رواية المخاوف والرغبات الجماعية بصيغ مختلفة “. ومن هنا تحول الخطاب السينمائي إلى مجال لفهم اللاوعي الثقافي للمجتمع الأمريكي.

    كما اهتم النقد السينمائي بتحليل الصوت داخل السينما باعتباره عنصرا أساسيا في تشكيل المعنى. فالصوت ليس مجرد مرافقة للصورة ولكنه لغة مستقلة تخلق الإحساس بالتوتر أو الحنين أو الخوف. ولهذا ظهرت دراسات واسعة حول الموسيقى والمؤثرات السمعية والحوار والصمت.

    وكتب ميشيل شيون، المنظر الفرنسي للصوت السينمائي والذي أثر في النقد الأمريكي أن ” الصوت يمنح الصورة بعدا نفسيا يجعلها أكثر قوة وتأثيرا”. وقد تبنى النقاد هذا التصور في قراءاتهم لأفلام الإثارة والرعب.

    كما تناولوا أعمال ديفيد لينش، المخرج الأمريكي باعتبارها نموذجا لسينما تستخدم الصوت بطريقة كابوسية تجعل المشاهد يعيش حالة من القلق المستمر. وأن الضوضاء والصمت في أفلامه يحملان معاني أكثر عمقا من الحوار نفسه.

    ومن هنا ارتبط الخطاب السينمائي بالحواس كلها وليس بالصورة فقط. فالفيلم يخلق عالما سمعيا وبصريا يسيطر على إدراك المتلقي ويقوده نحو تجربة شعورية معقدة تجعل السينما فنا شاملا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية.

    كما تناول النقاد السينمائي، العلاقة بين السينما والتكنولوجيا بوصفها علاقة مصيرية. فالتحولات التقنية لم تغير شكل الصورة فقط ولكنها غيرت أيضا طريقة إدراك الإنسان للعالم. ولهذا ظهرت نقاشات واسعة حول تأثير المؤثرات الرقمية والمنصات الحديثة والذكاء الاصطناعي في مستقبل الخطاب السينمائي.

    وأشار، ليف مانوفيتش، المنظر الأمريكي الروسي للإعلام الرقمي إلى أن الثقافة الرقمية جعلت الصورة أكثر سيولة وأقل ارتباطا بالواقع المادي. وقد أثرت هذه الفكرة في النقد السينمائي المعاصر الذي بدأ يدرس العلاقة بين السينما والألعاب الإلكترونية والفضاء الافتراضي.

    كما ناقش النقاد أفلام جيمس كاميرون، المخرج الكندي الأمريكي باعتبارها نموذجا لسينما تمزج بين التكنولوجيا والخيال البصري الضخم. واعتبروا أن المؤثرات الرقمية لا تصبح ذات قيمة إلا حين تخدم البعد الإنساني داخل الحكاية.

    وجعل هذا الاهتمام بالتكنولوجيا، الخطاب السينمائي، يطرح أسئلة فلسفية جديدة حول الحقيقة والهوية والجسد والذاكرة. فالصورة الرقمية قادرة على خلق عوالم كاملة لكنها تثير أيضا الخوف من اختفاء الإنسان داخل هيمنة الآلة والشاشة.

    الخطاب السينمائي والدفاع عن التنوع الفني والثقافي

    نظر النقد السينمائي إلى السينما المستقلة باعتبارها صوتا مضادا لهيمنة الاستوديوهات الكبرى. فقد رأوا أن هذه السينما تمنح المخرج حرية أكبر للتعبير عن الهواجس الفردية والقضايا المهمشة بعيدا عن منطق السوق التجاري.

    وكتب إيمانويل ليفي، الناقد والمؤرخ السينمائي الأمريكي” أن السينما المستقلة الأمريكية كشفت وجها آخر لأمريكا لا يظهر عادة في أفلام هوليوود الضخمة “. ولهذا اهتم النقاد بتحليل الأفلام التي تتناول الهامش الاجتماعي والعزلة والفقر والهوية الجنسية.

    كما احتفى النقد السينمائي بأعمال جيم جارموش، المخرج الأمريكي لأنها تقدم شخصيات ضائعة تعيش خارج إيقاع المجتمع الاستهلاكي السريع. واعتبروا أن بطء الإيقاع والصمت الطويل في أفلامه يمثلان مقاومة جمالية لثقافة السرعة والاستهلاك.

    ومن هنا أصبح الخطاب السينمائي، مرتبطا بالدفاع عن التنوع الفني والثقافي. فالسينما المستقلة لم تكن مجرد بديل إنتاجي، ولكن رؤية مختلفة للعالم وللإنسان وللعلاقة بين الفن والحرية.

    وناقش النقد السينمائي مفهوم العنف داخل السينما بوصفه ظاهرة جمالية وثقافية معقدة. فالعنف في الفيلم لا يمثل الدم والقتل فقط ولكنه يكشف أيضا طبيعة المجتمع الذي ينتجه وحدود أخلاقه ومخاوفه العميقة.

    ورأى سلافوي جيجك، الفيلسوف والناقد السلوفيني، الذي أثرت أفكاره بقوة في النقد السينمائي أن العنف السينمائي قد يخفي عنفا رمزيا أعمق تمارسه الأنظمة السياسية والاقتصادية. ولهذا أصبحت أفلام الجريمة والحروب مادة خصبة للتحليل الفلسفي.

    كما تناول النقاد أفلام كوينتن تارانتينو، المخرج الأمريكي، باعتبارها نموذجا لسينما تحول العنف إلى لعبة جمالية ساخرة. وانقسمت الآراء حوله بين من رأى في أفلامه احتفاء بالعنف ومن اعتبرها تفكيكا ساخرا لصورته داخل الثقافة الشعبية.

    وهذا الجدل جعل الخطاب السينمائي، فضاء لمناقشة العلاقة بين المتعة والأخلاق. فالفيلم قد يجعل المشاهد يستمتع بمشاهد قاسية ثم يدفعه لاحقا إلى التساؤل عن سبب هذا الاستمتاع. ومن هنا ظهرت أهمية النقد بوصفه أداة لكشف التوتر بين الصورة والضمير.

    ويصل الخطاب السينمائي، في النهاية إلى سؤال جوهري يتعلق بمعنى السينما نفسها. هل هي فن للمتعة أم أداة للمعرفة أم وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. وقد حاولت المدارس النقدية السينمائية المختلفة الإجابة عن هذا السؤال دون الوصول إلى تعريف نهائي.

    ويرى روبرت كولكر، الناقد والمؤرخ السينمائي الأمريكي ” أن السينما الأمريكية تكشف دائما الصراع بين الفرد والنظام وبين الحرية والقوة وبين الحلم والانهيار”. ولهذا فإن قراءة الفيلم تصبح قراءة للمجتمع ولتاريخه النفسي والثقافي.

    لقد أدرك النقاد أن الصورة السينمائية لم تعد مجرد أداة للتسلية بقدرما أصبحت جزءا من الحياة اليومية ومن تشكيل الذاكرة الجماعية. فالأفلام تؤثر في اللغة والموضة والسياسة وطريقة فهم الإنسان لذاته وللعالم.

    كما أن الخطاب السينمائي لا ينفصل عن التحولات الكبرى التي يعيشها العصر الرقمي. فالمنصات الجديدة غيرت علاقة الجمهور بالفيلم وخلقت أشكالا جديدة من التلقي والنقد. ومع ذلك ظل السؤال القديم قائما وهو كيف تستطيع السينما أن تمس أعماق الإنسان رغم كل التحولات التقنية.

    وكتب روجر إيبرت، الناقد السينمائي الأمريكي، “أن الأفلام مثل الآلات التي تولد التعاطف وتسمح للإنسان بأن يرى العالم بعيون الآخرين”. وربما لهذا السبب ظل الخطاب السينمائي مرتبطا دائما بفكرة الإنسان القلق الذي يبحث داخل الصورة عن معنى لحياته وعن مرآة تعكس هشاشته وأحلامه وانكساراته.

    ختاما

    يظل الخطاب السينمائي أكثر من مجرد بناء فني أو متعة بصرية عابرة، لأنه يكشف الإنسان وهو يفتش داخل الصورة عن معنى وجوده وعن ذاكرته الممزقة بين الحلم والخوف. وقد أدرك النقاد أن الفيلم لا يعكس العالم فقط ولكنه يعيد خلقه داخل وعي المتفرج، ولذلك تحولت السينما إلى لغة قادرة على مساءلة السلطة والهوية والزمن والرغبة. وبين الضوء والعتمة، وبين الحقيقة والوهم، تستمر الشاشة في كشف هشاشة الإنسان الحديثة. وربما لهذا السبب تبقى السينما فنا لا ينتهي، لأنها تمنح البشر فرصة نادرة لرؤية أنفسهم من الداخل وهم يواجهون قلقهم وأسئلتهم الكبرى بصمت طويل ومؤلم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نحن لا نملك ترف الغياب حين يتعلق الأمر بالوطن

    نعيمة بويغرومني

    رغم التعب الذي يثقل الأيام، ورغم انشغال البيوت بامتحانات الأبناء وما يرافقها من قلق ومتابعة، ورغم اقتراب العيد *الكبير* بما يحمله من التزامات ومشاغل أسرية ومعيشية، يظل هناك موعدٌ آخر لا يجوز أن يُؤجل ولا أن يُنسى: *موعد الوطن مع نفسه* .
    ففي زحمة الحياة، قد نتأخر عن كل شيء… إلا عن لحظة تتعلق بمصيرنا الجماعي.
    لأن بعض المواعيد ليست اختيارا، بل مسؤولية، وليست رفاها بل التزاما أخلاقيا اتجاه المستقبل الذي سنتركه لأبنائنا.
    وهنا بالضبط، لا نستطيع أن نخلف الموعد مع الزمن في هذا الوطن.
    نحن اليوم أمام معركة هادئة في ظاهرها، عميقة في أثرها: *معركة الوعي الديمقراطي*
    ليست صخبًا في الشوارع، ولا شعارات في الهواء، بل خطوة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها: التسجيل في اللوائح الانتخابية.
    قد يظن البعض أن الأمر مجرد إجراء إداري عابر… ورقة تُملأ وتنتهي القصة.
    لكن الحقيقة أعمق بكثير: إنه إعلان وجود سياسي، وإثبات أن الصوت ليس هامشًا، ولا يستعار، ولا يُؤجّل، ولا يترك للصدفة.
    كم تحدثنا عن “الفراقشية”… عن تضارب المصالح، عن الغول الذي يلتهم الفرص، عن المال الفاسد، عن التهميش الذي يطرد الكفاءات، عن “باك صاحبي” الذي يختصر العدالة، وعن الريع الذي يفسد معنى الاستحقاق؟!
    كم حملنا في صدورنا حرقة السؤال ومرارة الواقع… وقلق وطنٍ نريده أن يكون أعدل وأقوى وأشبه أبنائه!؟
    لكن السؤال الذي لا مفر منه اليوم:
    هل يكفي أن نتألم دون أن نشارك؟ أن نشتكي دون أن نؤثر؟ أن نراقب دون أن نغيّر؟
    إن الصناديق لا تصنع المعجزات وحدها، لكنها تعكس من حضر ومن غاب.
    وحين يغيب الصوت الواعي، يتقدم صوت المصالح، مع ما يصاحبها من مظاهر تبعث على الشفقة “الزرقلاف” “اللحم والبرقوق”.. وشعارات تبعث على الغثيان ” كع اولاد عبد الواحد واحد” ” بغينا الهوتة مشي لفلوتة” ” هذاك المرشح كياكل ويوكل”….
    وحين ينسحب المواطن المسؤول، يملأ الفراغ من لا يرى في الشأن العام إلا غنيمة أو فرصة.
    لهذا، فإن أول خطوة في الإصلاح ليست الخطاب، بل الفعل البسيط الذي يصنع الفارق:
    أن نسجل أسماءنا… لنكون جزءا من المعادلة، لا خارجها.
    قد لا نجفف منابع الفساد دفعة واحدة، نعم…
    لكننا نستطيع أن نواجهه، أن نحدّ من تمدده، أن نشهر في وجهه *فيتو* المواطن الواعي.
    نستطيع أن نحول الغضب إلى موقف، والشكوى إلى مشاركة، والانتظار إلى فعل.
    وبكلمة، نحن لا نملك ترف الغياب حين يتعلق الأمر بالوطن.
    ولا نملك رفاهية التأجيل حين يكون القرار متعلقًا بمستقبلنا جميعا.
    إنها لحظة صدق مع الذات:
    إما أن نكون شركاء في صناعة القرار، أو نتركه يُصنع دوننا.
    شباب الوطن، رجاله….
    سجّلوا…
    ليس لأنه إجراء، بل لأنه موقف.
    أخواتي في التأنيث في المدن كما في عمق جغرافية هذا الوطن
    سجلن…
    لأن الصوت الذي لا يُسجَّل اليوم قد لا يُسمع غدًا.
    سجّلوا…
    حتى لا نشتكي من نتائج صمتنا…
    هذه كلمتي، أبرئ بها ذمتي أمام الله وأمام وطني، وأضعها بين أيدي الناس وكل الضمائر الحية؛ دعوة لا *ادعاء* فيها، وموقف لا حياد فيه، ورغبة صادقة في أن يبقى الوطن لنا جميعًا لا لفئة دون أخرى.
    فإن أصبت فمن الله توفيق، وإن أخطأت فمن نفسي، ولكنّي أسجل اليوم موقفي كما سجلته غير ما مرة في خطابي المباشر مع الناس… ، وأشهد الله انني لم أصمت حين كان الكلام واجبا، ولم أتأخر حين كان للوطن موعد.
    وبالجملة
    “من لا يكتب اسمه اليوم في سجل الوطن… سيُكتب غدا في سجل الغياب.”

    دة نعيمة *نحن لا نملك ترف الغياب حين يتعلق الأمر بالوطن*

    رغم التعب الذي يثقل الأيام، ورغم انشغال البيوت بامتحانات الأبناء وما يرافقها من قلق ومتابعة، ورغم اقتراب العيد *الكبير* بما يحمله من التزامات ومشاغل أسرية ومعيشية، يظل هناك موعدٌ آخر لا يجوز أن يُؤجل ولا أن يُنسى: *موعد الوطن مع نفسه* .
    ففي زحمة الحياة، قد نتأخر عن كل شيء… إلا عن لحظة تتعلق بمصيرنا الجماعي.
    لأن بعض المواعيد ليست اختيارا، بل مسؤولية، وليست رفاها بل التزاما أخلاقيا اتجاه المستقبل الذي سنتركه لأبنائنا.
    وهنا بالضبط، لا نستطيع أن نخلف الموعد مع الزمن في هذا الوطن.
    نحن اليوم أمام معركة هادئة في ظاهرها، عميقة في أثرها: *معركة الوعي الديمقراطي*
    ليست صخبًا في الشوارع، ولا شعارات في الهواء، بل خطوة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها: التسجيل في اللوائح الانتخابية.
    قد يظن البعض أن الأمر مجرد إجراء إداري عابر… ورقة تُملأ وتنتهي القصة.
    لكن الحقيقة أعمق بكثير: إنه إعلان وجود سياسي، وإثبات أن الصوت ليس هامشًا، ولا يستعار، ولا يُؤجّل، ولا يترك للصدفة.
    كم تحدثنا عن “الفراقشية”… عن تضارب المصالح، عن الغول الذي يلتهم الفرص، عن المال الفاسد، عن التهميش الذي يطرد الكفاءات، عن “باك صاحبي” الذي يختصر العدالة، وعن الريع الذي يفسد معنى الاستحقاق؟!
    كم حملنا في صدورنا حرقة السؤال ومرارة الواقع… وقلق وطنٍ نريده أن يكون أعدل وأقوى وأشبه أبنائه!؟
    لكن السؤال الذي لا مفر منه اليوم:
    هل يكفي أن نتألم دون أن نشارك؟ أن نشتكي دون أن نؤثر؟ أن نراقب دون أن نغيّر؟
    إن الصناديق لا تصنع المعجزات وحدها، لكنها تعكس من حضر ومن غاب.
    وحين يغيب الصوت الواعي، يتقدم صوت المصالح، مع ما يصاحبها من مظاهر تبعث على الشفقة “الزرقلاف” “اللحم والبرقوق”.. وشعارات تبعث على الغثيان ” كع اولاد عبد الواحد واحد” ” بغينا الهوتة مشي لفلوتة” ” هذاك المرشح كياكل ويوكل”….
    وحين ينسحب المواطن المسؤول، يملأ الفراغ من لا يرى في الشأن العام إلا غنيمة أو فرصة.
    لهذا، فإن أول خطوة في الإصلاح ليست الخطاب، بل الفعل البسيط الذي يصنع الفارق:
    أن نسجل أسماءنا… لنكون جزءا من المعادلة، لا خارجها.
    قد لا نجفف منابع الفساد دفعة واحدة، نعم…
    لكننا نستطيع أن نواجهه، أن نحدّ من تمدده، أن نشهر في وجهه *فيتو* المواطن الواعي.
    نستطيع أن نحول الغضب إلى موقف، والشكوى إلى مشاركة، والانتظار إلى فعل.
    وبكلمة، نحن لا نملك ترف الغياب حين يتعلق الأمر بالوطن.
    ولا نملك رفاهية التأجيل حين يكون القرار متعلقًا بمستقبلنا جميعا.
    إنها لحظة صدق مع الذات:
    إما أن نكون شركاء في صناعة القرار، أو نتركه يُصنع دوننا.
    شباب الوطن، رجاله….
    سجّلوا…
    ليس لأنه إجراء، بل لأنه موقف.
    أخواتي في التأنيث في المدن كما في عمق جغرافية هذا الوطن
    سجلن…
    لأن الصوت الذي لا يُسجَّل اليوم قد لا يُسمع غدًا.
    سجّلوا…
    حتى لا نشتكي من نتائج صمتنا…
    هذه كلمتي، أبرئ بها ذمتي أمام الله وأمام وطني، وأضعها بين أيدي الناس وكل الضمائر الحية؛ دعوة لا *ادعاء* فيها، وموقف لا حياد فيه، ورغبة صادقة في أن يبقى الوطن لنا جميعًا لا لفئة دون أخرى.
    فإن أصبت فمن الله توفيق، وإن أخطأت فمن نفسي، ولكنّي أسجل اليوم موقفي كما سجلته غير ما مرة في خطابي المباشر مع الناس… ، وأشهد الله انني لم أصمت حين كان الكلام واجبا، ولم أتأخر حين كان للوطن موعد.
    وبالجملة
    “من لا يكتب اسمه اليوم في سجل الوطن… سيُكتب غدا في سجل الغياب.”

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسالخ التلوث


    عبد اللطيف مجدوب

    يطل علينا عيد الأضحى المبارك كل عام بنفحاته الإيمانية وأجوائه الروحانية، حاملاً معه بهجة اللقاء وقيم التكافل. لكن خلف هذا المشهد الروحي، تتحرك عجلة اقتصادية ضخمة ومتنوعة، تشمل قطاعات مهيكلة وغير مهيكلة؛ إذ تغزو الأسواق العشوائية المحلات والطرقات، وتفيض الأرصفة والأزقة بتجار الماشية ومستلزمات العيد. هذا الرواج التجاري الاستثنائي، رُغم أهميته الاقتصادية، يفرض تحديات بيئية وصحية جسيمة تتطلب وقفة تأمل لمواجهتها.

    من السكن إلى النحر: جغرافيا التلوث المحلي

    تبدأ المعضلة البيئية مع قضية اقتناء الأضاحي وإنزالها بالدور والمساكن داخل الأحياء الحضرية. هنا، تتحول التجمعات السكنية الهادئة إلى حظائر مؤقتة، وينجم عن ذلك تلوث بيئي وصوتي مقلق:

    التلوث السمعي: “البعبعة” المستمرة ليلاً ونهاراً التي تقض مضاجع الساكنة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    التلوث البيئي: تراكم روث البهائم ومخلفاتها في مداخل العمارات وعلى الأسطح، مما ينشر الروائح الكريهة ويستقطب الحشرات.

    وتتفاقم هذه الأزمة يوم العيد مع اللجوء إلى النحر التقليدي عشوائياً أمام المنازل وفي الأزقة. وينتج عن ذلك مشاكل حادة في صرف المياه العادمة الملوثة بالدماء، وتكدس الشوارع بالفضلات والرواسب (كجلود الأضاحي والأجزاء غير الصالحة للاستهلاك). وسواء كانت هذه النفايات مرزمة في أكياس أو متروكة عارية، فإنها تظل معرضة للتحلل السريع تحت أشعة الشمس، مهددة الصحة العامة.

    البديل الحضاري: النحر النموذجي وميثاق البيئة

    في المقابل، برزت الحاجة الملحّة إلى اعتماد “النحر النموذجي”، وهو الخيار الذي يتماشى تماماً مع صفاء السنة النبوية الشريفة ومقاصدها الطاهرة، والتي تحث على النظافة وعدم الإساءة إلى الوسط البيئي أو إيذاء الجيران قبيل العيد وبعيده.

    يتطلب تحقيق هذا التحول الحضاري تدخلاً حاسماً من السلطات المحلية عبر:

    تعيين مسالخ جماعية مجهزة ومراقبة صحياً.

    التنسيق الوثيق مع الجماعات الترابية، والجمعيات، والوداديات السكنية لتنظيم العملية وتوعية المواطنين.

    النموذج التركي: تجربة ملهمة في التنظيم

    وتقدم دولة تركيا في هذا السياق نموذجاً ملهماً يحتذى به في إدارة هذه المناسبة؛ ففي صباح العيد، يتوجه المواطنون مباشرة إلى مقرات مخصصة لعرض الأضاحي، وهي مواقع مجهزة بمسالخ نموذجية حديثة. تتيح هذه المنظومة للمواطن:

    حسن اختيار الأضحية وفحصها طبيّاً.

    الدفع بها مباشرة للنحر والتقطيع في ظروف صحية وبيئية سليمة.

    تخصيص جزء منها للصدقة عينياً في عين المكان إن رغب في ذلك.

    نقل اللحوم جاهزة ونظيفة إلى الدور والمنازل، بعد التوقيع والتصديق الفعلي على ميثاق “حسن الجوار وصيانة البيئة”.

    اختتمت: إن الانتقال من عشوائية النحر التقليدي إلى رحابة المسالخ النموذجية ليس مجرد ترف تنظيمي، بل هو ضرورة دينية وحضارية لحماية بيئتنا وصحة أجيالنا، وتأكيد على أن شعائرنا الدينية تنبذ التلوث وتدعو جهاراً إلى النقاء والجمال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “حولي الانستغرام”

    عبدالله أطويل

    مع اقتراب العيد، سجلت الأكباش “الطوندونس” محققة “الأدسنس” على منصات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وانستغرام وهلم “شرى”، إذ بات الحولي هو المؤثر الأول مستحودا على بورصات المتابعات، تطايرت حوله اللايكات والايموجات وقلوب الإعجاب. مع الخروف الفيسبوكي تهاوت أسوار “الرحبات” الكلاسيكية، وسقطت نجوم فنادق الخروف من التصنيف. غابت طقوس الرحبة من رائحة الغنم ولغة “الشناقة”. وأضحى الكساب صانع محتوى وعارض بضاعة.

    “السيمو” كساب فيسبوكي ينحدر من منطقة “بني مسكين” أحد معاقل سلالة الصردي، يحكي في أحد الأشرطة والعهدة عليه، أنه اعتمد مؤخرا عرض أكابشه…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحداثة الغربية


    عزيز بعزي
    استلهام الحداثة والوعي التاريخي

    لم يصل الغرب إلى ما وصل إليه اليوم، حسب ما خلص إليه عبد المجيد الشرفي، إلا بعد أن قطع أشواطا متقدمة في مجالات متعددة، وكان منطلقها فكريا حتى لا نحيد عن الصواب، بحكم أن الحداثة تعبر عن مرحلة تاريخية ذات ارتباط عميق بالفكر الغربي في مختلف مساراته، رغم أن لكل أمة، كما هو متعارف عليه، تجربة حداثية خاصة بها. وفي أبهى صورها، فالحداثة الغربية لصيقة بعصر” الأزمنة الحديثة” أو “الأزمنة الجديدة” كما يرى فريدريك هيجل (1770م- 1831م)، وهي تشير حقيقة إلى ثلاثة أحداث تاريخية وقعت حوالي 1500 عاما شهدتها القرون الثلاثة السابقة، وهي “اكتشاف العالم الجديد” و “عصر النهضة” و “الإصلاح”، وتشكل العتبة التاريخية بين العصور الوسيطة والأزمنة الحديثة.

    هذه المراحل، عرفت تغيرات جمة مست شتى مجالات المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفنية… ومن التحولات المؤثرة في بنية العقل الغربي، والتي أدت إلى الدخول في الأزمنة الحديثة، اختراع المطبعة واكتشافات جاليليو… واكتشاف أمريكا وبروز النزعة الإنسانية والإصلاح الديني وإصلاح الكنيسة الكاثوليكية، وظهور ما يسمى العلمانية… غير أن أسس الحداثة الفكرية بزغت في القرنين السابع عشر والثامن عشر. أما في القرن التاسع عشر، فنجد أن كل النزعات الفكرية تصب في مجرى واحد، يفضي إلى تكريس فكرة تقدم الإنسان الأوربي، وجدارة أوربا بالهيمنة على العالم بغية نشر قيمها المدنية والحضارية؛ وكل ذلك أسفر عن ظهور نزعات، كالنزعة التاريخية والنزعة التطورية والنزعة العرقية والنزعة العلموية والنزعة الاستشراقية، وبحكم أن القرن التاسع عشر في الغرب هو قرن التاريخ، فقد انكب المؤرخون هناك على إعادة كتابة تاريخ أوربا وفلسفته من منظور تاريخاني، ينطلق من أن الحقيقة لیست معطى جاهزا بل معطى تاريخي، بمعنى أنه يتطور مع التاريخي، ومعنى هذا أن الحقيقة في كل عصر هي أقرب إلى الكمال منها في العصر السابق، وأن الآتي أقرب إلى الحقيقة من الراهن، وبهذا المعنى تكون أوربا هي الحاضر، أي أنها العصر الحديث أو الأزمنة الحديثة، وتعيش وحدها الحداثة. بينما جميع العصور السابقة في تاريخ الإنسانية، فهي في تصورها عبارة عن مراحل قطعها التطور في مسيرة حضارية من أجل بلوغ ما وصلت إليه الحداثة الأوربية من تقدم، وهكذا يكون التاريخ قد اختار أوربا لتكون قمة مساره، والحق أن الحداثة هنا تعبر عن أيديولوجية.

    الحداثة الغربية والأيديولوجيا

    الحداثة في صميمها هي وليدة الفكر الغربي المعبرة في أحد جوانبها عن الأيديولوجيا التاريخية التي تعززت بنظرية التطور الداروينية، المكرسة لفكرة تغيير الأنواع (نبات، حیوان، إنسان) وإمكانية تحول بعضها إلى بعض على سلم من التطور، يتم فيه عمليا الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لقد فسر داروين ذلك بما يسمى “الاصطفاء الطبيعي” و”البقاء للأصلح”، وقد انتشرت هذه الفكرة، وصارت مبدأ يفسر به التطور في جميع الميادين بما في ذلك ميدان التاريخ والاجتماع.

    وهكذا سيتحول مبدأ “البقاء للأصلح” إلى مبدأ “البقاء للأقوى”، وعليه فإذا كان هذا المبدأ يقدم تبريرا أيديولوجيا سافرا للهيمنة الطبقية البرجوازية داخل أوربا وتبريرا لاستبدادها، فهو يقدم التبرير نفسه للهيمنة خارجها “الاستعمارية – الكولونيالية”، وقد ارتبطت هذه النزعة التطورية بالنزعة العرقية، وهي نزعة تعلي من شأن الاختلاف بين العروق البشرية، وتبالغ في دور الوراثة والاصطفاء الطبيعي، وتنقلهما إلى المجال الاجتماعي.

    ***

    هكذا ظهرت نظرية السلالات البشرية التي وزعت الجنس البشري إلى ثلاثة أعراق الأبيض والأصفر والأسود، وحددت لكل منها طبائع، فجعلت العرق الأبيض أقدرها على إنتاج الحضارة، وجعلت في مقدمته العرق الآري الذي يشمل اليونان والرومان في الماضي، والتوتونيين في العصر الحديث، وهم عروق أوربا الشمالية والتي انحدرت منها شعوب القارة الأوربية وأمريكا الحديثة.

    تعززت النزعة العرقية العنصرية بنزعة علموية، وهي نزعة بالغت عمليا في تطبيق العلوم الطبيعية، ومفاهيمها على العلوم الإنسانية والاجتماعية والسيكولوجية، وطبقت في مجال التاريخ “الاصطفاء الاجتماعي” الذي يتم عبر التاريخ بواسطة “الاصطفاء الديني” الذي يتم بالعزوف عن الزواج عند الرهبان، وبمنع الأفراد من الزواج من ديانات أخرى، كما دعت إلى “الاصطفاء الأخلاقي” الذي يتم من خلال نشر العادات الجديدة، والدعوة إلى قيم معينة، وطالبت ب “الاصطفاء الاقتصادي” الذي يتم بدافع التنافس من أجل تحقيق المصالح وكسب الثروة.

    في هذا السياق جاء الفكر الاستشراقي الذي انكب على دراسة الشرق “الآخر” للتأكيد على تفوق الإنسان الأوربي تاريخيا. وعمل على إنكار التجارب الإنسانية وأهمية الآخر، وحضوره المعبر عن الهوية كما بين عبد الوهاب المسيري(1938م- 2008).

    كيفما كان الأمر، فالحداثة الأوربية التي بشر بها قادتها في بداية عصر الأنوار، نشرت قيما ليبرالية كانت لصالح الإنسان الأوربي، غير أنها أخفقت في تحقيق مشروعها؛ أي مشروع جعل الإنسان هو القيمة العليا، وذلك عندما تطورت الأوضاع بأوربا إلى أن أصبحت الحداثة الأوربية فيها تتغذى مما كانت ترفض التفكير فيه ومما كانت تستنكره. وفي مقدمة ذلك نجد استغلال الإنسان للإنسان ثم سلب حرياته، وقد تطور الأمر بالحداثة الأوربية إلى الإمبريالية وإلى سجن الإنسان في نظام اجتماعی واقتصادي وثقافي وتكنولوجي، جعل منه إنسانا ذا بعد واحد كما عبر عن ذلك المفكر الألماني هربرت مركوز(1898م-1979م)، وقد أسفر عن هذا الوضع حدوث نوع من النقد للحداثة الغربية داخليا. ويمكن للمرء في العالم العربي – الإسلامي أن يلمس حقيقة الوجه المزدوج للحداثة الأوربية من حملة نابليون على مصر والشام في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية التاسع عشر. فقد قاد الإمبراطور نابليون بونابرت (1769م-1821) – سليل الثورة الفرنسية بنت فكر “الأنوار” المنادية ب” حقوق الإنسان والمواطن” – حملة إلى الشرق عام 1798م منافسا الإنجليز هادفا إلى قطع الطريق دونهم ودون الهند وباقي الشرق.

    وقبل دخوله أراضي مصر خاطب المصريين بمنشوره الشهير يخبرهم فيه بقدومه، مقدما نفسه منقذا لهم من ” حكم الممالك الظالم” ومبشرا ب ” المساواة والعدل”. وقد نقلت حملة نابليون معها إلى مصر الدعائم الثلاثة التي قامت عليها الحداثة الأوربية: “القوة” و”المنافسة” و”المعرفة”، لذا قال محمد عابد الجابري ( 1935م-2010) ” إذا شئنا التعبير عن هذه العناصر بما يعكس علاقتها مع المشروع النهضوي العربي قلنا: إنها التوسع الاستعماري، التنافس الأوربي الإنجليزي- الفرنسي، والفكر التحديثي” .

    الحداثة الغربية والمشروع النهضوي العربي- الإسلامي

    أسئلة النهضة في العالم العربي الإسلامي، لم تستطع أن تفرض وجودها عمليا إلا بعد طرحها في ظل فكرة الحداثة العربية التي أقحمت المجتمعات التقليدية في وضع عسير، وإذا كانت حركة الحداثة قد تمت في المجتمعات المتقدمة بفعل دينامية داخلية فإنها تحدث في المجتمعات التابعة بفعل دينامية خارجية، أي تحت تأثير الاستعمار، وهو القوة التحديثية الأولى، والأداة التي اكتسب بها التحديث طابعا كونيا. وكيفما كان الوضع فإننا في الحقيقة كما أكد الجابري ” لا نعرف من الاستعمار إلا ما يمكن وصفه ب”الاستعمار المطبق. أما النظام الفكري الذي أسسه في أوربا، وفي قلب الحداثة الأوروبية بالذات، فنحن في الغالب إما نجهله وإما نتغاضى عنه”.

    من هذا المنطلق، يمكن التمايز بين كلمة الحداثة وكلمة التحديث، فالأولى تعبر عن موقف عقلي تجاه مسألة المعرفة، وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى معرفة ملموسة… أما الثانية فهي تشير إلى عملية استجلاب التقنية والمخترعات الحديثة؛ حيث توظف هذه التقنيات في الحياة الاجتماعية، دون إحداث أي تغيير عقلي أو ذهني للإنسان من الكون والعالم، وغالبا ما يجري استخدام مفهوم التحديث للدلالة على الحداثة، وعلى خلاف ذلك، فكثيرا ما يستعمل مفهوم الحداثة للدلالة على ظاهرة التحديث.

    عموما، فقد أحدثت الصدمة الاستعمارية مخاضاً عنيفاً في المجتمعات التقليدية ولد ردود فعل عنيفة، فقد أفاقت هذه المجتمعات على هول الصدمة مدركة واقعها الدوني، ومحاولة أن تربح الرهان من دون أن تخسر هويتها، وقد أحدثت هذه الصدمة ثنائية عميقة في جميع مستويات وجود هذه المجتمعات، بما في ذلك مستوى الرؤية والخلاص نفسه، وهي ثنائية تسعى إلى استلهام الماضي، ودعم الهوية من جهة، واحتذاء النموذج الغربي من جهة ثانية.

    ***

    كلما تزايدت مظاهر الحداثة التي تفرض نفسها يومياً بقوة – بواسطة التجهيزات والأنماط الثقافية الحديثة الآتية من الغرب – ازدادت الثنائية حدة، ونمت ردود الفعل ضد الاغتراب، ومهما يكن من أمر، فإننا نجد أن الفكر العربي والإسلامي تناول مسألة روح الحداثة والتحديث باستعمال مفردات شائعة في أدبيات الفكر النهضوي الحديث والمعاصر مثل “النهضة” و “الإصلاح” و”التمدن” و”التنمية”، وظلت مفردة الحداثة والتحديث غائبة من قاموس التداول في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة إلى حدود الربع الأخير من القرن العشرين، واللافت أن معظم ردود الفعل التي تم التعبير عنها في محيط الثقافة العربية في موضوع الحداثة في الغالب استند إلى تصورات قبلية، كما اعتمدت نظرة انتقائية لدلالات الحداثة، ووقع فيها نوع من الخلط والتلفيق، الأمر الذي جعل البعض يقبل أغلب مظاهر التحديث في المعرفة والمجتمع و التقنية، ويرفض مقابل ذلك الأبعاد الأخرى التي لا يمكن فصلها عن المنظور الحداثي من قبيل الرؤية التي ركبت في موضوع النظر إلى العالم والقيم.

    يأخذ التحديث في التجربة العربية – الإسلامية طابع المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية في الغرب ونماذجه الحضارية، وهذه المظاهر لا تنم عن حالة حضارية أو حداثية تنبثق من صميم المجتمع، وقيمه الحضارية. وغالباً ما يظهر أن هذه النماذج الحضارية، تتعارض مع النسق الحضاري العربي- الإسلامي في أصوله، وهذا يعني أن استجلاب مظاهر الحداثة من الغرب قد يؤدي إلى مزيد من الخسران، وقد يعني ذلك تعايش منظومتين اجتماعيتين متنافرتين في آن واحد هما: – مجتمع تقليدي يمارس حياته، وفق معايير وقيم تقليدية من جهة، ومجتمع حداثي يعيش وفق أحدث المعايير العصرية، دون أن يتمثل روح هذه المعايير، ويتشرب من تدفقاتها الذاتية من جهة أخرى.

    وتبعا لهذا التصور، فإن التحديث العربي في تاريخنا المعاصر يأخذ صورة متناقضة مع روح الحداثة، وبما أن التحديث في حد ذاته يحمل معنى مفهوم الأيديولوجيا الحداثية كما يرى محمد جمال باروت فإن عملية التحديث غير منفصلة عن وجود النزوع الحداثي بمعناه الحضاري الغربي، وهذا من بين الأسباب التي تجعل الكثير يأخذ موقفا حذرا من المشروع الحداثي ككل.

    وعليه فإذا كانت الحداثة قد فرضت نفسها بديلا للإنتاج التاريخي للمجتمعات البشرية ” الديمقراطية، حقوق الإنسان، المواطنة، إسقاط المشروعية المسيحية اللاهوتية” كما أكد محمد أركون( 1928م-2010) في عدة مناسبات، فنحن نعيش حقيقة على فتات الحداثة، وقشورها بشتى الصور المعبرة عن الأزمة، وبالتالي فإن الروح الحقيقية للحداثة لم تستطع أن تأخذ مكانها في بنية الحياة الاجتماعية والروحية في المجتمعات العربية- الإسلامية، كما لم تستطع أن تفرز التقدم والتجديد في بنية الفكر والواقع معا لاستشراف المستقبل، وذاك ما يجعل سؤال الحداثة والتحديث محيراً إلى حدود هذه اللحظة في تاريخنا الراهن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل يتعظ المفسدون من سقطة الوزير مبديع؟!

    هل يتعظ المفسدون من سقطة الوزير مبديع؟!

          تعتبر ظاهرة الفساد التي تعود إلى قرون سحيقة من بين أخطر الآفات التي تتضرر منها المجتمعات، ولم تحظ باهتمام الدول سواء منها المتقدمة أو النامية، إلا في تسعينيات القرن العشرين، لما صار لها من آثار وخيمة على التنمية.

    إذ لولا خطورتها وحجم أضرارها ما كانت لتؤدي إلى استقالة حكومات ومحاكمة عديد الشخصيات السياسية البارزة عبر العالم.

    لذلك تشير عديد الدراسات الحديثة إلى أن للفساد كلفة باهظة وانعكاسات سلبية على معدل النمو ويساهم في تدهور الكفاءة، سوء توفير الموارد، نقص في الاستثمار المحلي والأجنبي والإضرار…

    إقرأ الخبر من مصدره