Catégorie : حوارات

  • نهضتُنا «مُعلَّقة» طالما لم نستثمر في بناء الإنسان

    أجرت الحوار: سعيدة شريف

    تقديم عام

    يقوم المشروع الفكري للأكاديمي المغربي محمد نور الدين أفاية على مفهوم النقد، فقد اهتم منذ دراساته الجامعية وكتاباته الأولى بالنقد الفلسفي والجمالي، وغاص في مدارات التفكير النقدي وسياقاته وأدواته وأهدافه الإنسانية والكونية، وقدم العديد من الكتابات والدراسات المهمة التي لم تقتصر على المجال النظري النقدي الفلسفي فحسب، بل تجاوزها إلى البحث في أسئلة الهوية والغيرية، والدولة والمجال العام، والإبداع والتواصل والفكر الجمالي، وتحديدا المجال السينمائي وثقافة الصورة التي أنتج فيها مجموعة من الأعمال الفكرية المهمة.

    نعيد نشر هذا الحوار الذي أجرته معه «الجزيرة نت» عن مشروعه الفكري واهتمامه بالنقد في مختلف المجالات والقضايا التي تناولها، ومن ضمنها كتابه الأخير عن المتوسط.

    الحلقة 1 : مساءلة البداهات في عصر التشتت

    *يقوم مشروعك الفكري على مفهوم النقد، فمنذ كتاباتك المُبكرة وإلى الحالية التي أغنت المكتبة العربية، غُصت في مدارات التفكير النقدي وسياقاته وأدواته وأهدافه الإنسانية والكونية. بعد هذا المسار المهم، ما المفهوم الذي يقدمه اليوم الأستاذ أفاية للنقد والفكر النقدي بشكل عام؟

    **صحيح أنني اهتممت، منذ دراستي الجامعية، بمسألة النقد في الفلسفة والجماليات وشكَّل، باستمرار، انشغالا نظريا في معالجة العديد من الموضوعات التي وجدت نفسي أكتب عنها، سواء تعلق الأمر بالنظرية النقدية، وبالهوية والغيرية، بالدولة والمجال العام، بالإبداع والفكر الجمالي، بالتواصل واستراتيجيات التلاعب والاستخدام، إلى غيرها من القضايا التي اقتربتُ منها في التدافع الفكري. وسواء اكتفينا بلفظة النقد أو ما تواطأ الناس على تسميته «الحس النقدي» يتعرض لكثير من الالتباس، وللاجترار في الغالب الأعم، فإنه يصعب ادعاء تقديم «مفهوم» عن النقد خارج ما اقترحه المفكرون والفلاسفة الذين جعلوا من النقد أفقا لتفكيرهم، ومنطلقا لمعالجتهم لأحداث التاريخ، وظواهر المجتمع، وتحولات مقولات الفكر، والتباسات السياسة وتجليات الجمال.

    وأحسب أن كل نشاط فكري أو اجتماعي أو سياسي يمكن أن يكون نقدًا كلما أنتج معنى جديدًا، قادر على تغيير، أو تعديل منطوق نص أو معنى أو علاقات ما؛ بل إن النقد قد يوجد، بشكل أصلي، في لعبة اللغة، وفي تصورات ونظرات وممارسات ناتجة عن مسافة مُولدة للاختلاف. يستمد الفكر النقدي جدارته، ويستحق تسْميتَه ويكتسب وظيفتَه كلما انتزع لذاته فضاءً مناسبًا في الإنتاج الفكري والنظري والثقافي والسياسي؛ بحيث لا يمكن الوصول إليه من دون تفكير مُنتبه إلى العمل الفلسفي والفكري، باعتباره تفكيرًا تساؤليًا، مجادلاً، برهانيًا وباحثًا عن المعنى. لذلك ثمة من يرى أن النقد شكَّل ويشكل دائما قضية نقدية بل وتبدو تسمية النقد صفة زائدة، لأنه يميز كل خطاب يفكر بالفعل.

    عرف تاريخ النقد، باعتباره ترجمة لفعل التفكير في الوجود، مرجعيات توزعت بين النقد المعياري، والأكاديمي أو الإيديولوجي، انطلاقًا من اعتبار النقد شرط إمكان تأسيسي لكل فكر كما أسس له كانط، مرورًا بالنقد الجسور للاقتصاد السياسي بهدف التغيير الاجتماعي عند ماركس، إلى التمظهرات المختلفة للإخفاق الثوري التي أدت بما سماه تيودور أدورنو «بالجدل السلبي» إلى آخر انفتاحات ديريدا التفكيكية. هذا إن حصرنا نظرنا في تاريخ الفكر النقدي الأوروبي.

    وللاقتراب من سؤالك فإنني أرى أن المهمة النظرية والتاريخية، بله السياسية، للفكر النقدي تتمثل، بالأساس، في مساءلة البداهات، أو ما يبدو كذلك، وكشف تداعيات «الدوكسا» Doxa السائدة، وخلخلة أطر التفكير والمناقشة التي تستهدف تعليب عقول الناشئة، واستلاب الإرادات، والتشويش على حرية الكائن، وإلهائه بمظاهر الأمور وإغراءات الاستهلاك، وإخضاعه لما يستنفر الإدراك والانفعال. ولعل الجميع ينتبه، اليوم، إلى أن قسما كبيرا من البشرية عرَّض ويُعرض نفسه للعبودية الطوعية التي أنتجتها وسائط التواصل الاجتماعي، بما نجم عنها من إضعاف لملكات الإنسان على الانتباه، والتركيز، والتذكر والتعلم الرصين وما يترتب عن غياب هذه الملكات من تراجع للفكر النقدي. وأما ما يوفره الذكاء الاصطناعي من عروض وفتوحات ذات جوانب إيجابية لا شك في ذلك، فإنه يشكل، في نظري، تدميرا سريعا لهذه الملكات وانحسارا للاجتهاد الفكري، إن لم يعمل الفاعلون كافة على التنبيه إلى استنهاض بعض مقومات اليقظة النقدية لكشف تعبيرات «الدوكسا» الجديدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف: “سمير شعو” مسيرة رجل عصامي من نادل في مقهى الى فاعل جمعوي و مسرحي

    العرائش نيوز:

    برنامج صدى الضيف يستضيف الفاعل الجمعوي و المسرحي “سمير شعو ” نتعرف على مسيرة رجل عصامي من نادل في مقهى الى فاعل جمعوي،انتهاء بمعاناته مع المرض الذي تسبب له في فقدان البصر:

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بودكاست نيوز مع محمد اخريف: فيضان القصر الكبير بين التاريخ و المستقبل

    العرائش نيوز:

    بودكاست نيوز مع المؤرخ والباحث محمد اخريف ، نقاش هام حول علاقة مدينة القصر الكبير بالفيضان عبر التاريخ ، قراءة رجل خبير في تاريخ المدينة بما حدث خلال هذه المحنة ، بالاضافة الى استشرافاته المبنية على خبرة تاريخية و إطلاع واسع :

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. السعدوني: لوبيات تقف وراء ارتفاع أسعار السردين وقرار منع التصدير خاطئ

    مع قدوم شهر رمضان، ترتفع الأسعار بصفة عامة، وفي مقدمتها أسعار الأسماك خاصة السردين، غير أن ما شهده سوق الجملة بالدار البيضاء عشية رمضان هذه السنة كان لافتا، شاحنات قادمة من العيون وطانطان وأكادير عادت من حيث أتت دون أن تفرغ حمولتها من السردين « الرقيق »، في وقت يفترض فيه أن يبلغ الطلب ذروته.

    هذا المعطى أعاد طرح أسئلة حول واقع الثروة السمكية، واختلالات مسالك التوزيع، وحدود تدخل الدولة في تنظيم السوق، إضافة إلى تأثير العوامل المناخية والراحة البيولوجية والمضاربات على الثمن النهائي الذي يؤديه المستهلك.

    في هذا الحوار مع « تيلكيل عربي » يقدم عبد اللطيف السعدوني، رئيس الكونفدرالية الوطنية لتجار السمك بالجملة بالموانئ المغربية، قراءة من داخل القطاع، يشرح فيها أسباب عزوف التجار، وخلفيات استمرار ارتفاع الأسعار رغم استئناف الصيد، والفرق بين أنواع السردين وحدود مبادرات تسويق السردين المجمد، كما يتوقف عند مسألة اللوبيات والصيد الجائر وقرار تقييد التصدير.

    لماذا فضلت الشاحنات القادمة من العيون وطانطان وأكادير العودة دون بيع حمولتها من السردين بسوق الجملة بالدار البيضاء عشية رمضان؟

    في اليوم الذي سبق حلول شهر رمضان، سجل سوق الجملة بالدار البيضاء عزوفا لافتا من طرف التجار عن اقتناء الأسماك، إلى درجة أن عددا من الشاحنات المحملة بالسردين « الرقيق » عادت أدراجها دون أن تفرغ حمولتها، ولم يقتصر الأمر على تجار التقسيط، بل حتى معامل دقيق السمك لم تبادر إلى استيعاب هذه الكميات، ما جعل التجار يتحملون الخسارة في نهاية المطاف.

    الحديث هنا ينصب أساسا على السمك السطحي، وعلى رأسه السردين الذي يتصدر قائمة الاستهلاك لدى المواطن المغربي، ويشكل تقليديا عنصرا أساسيا في سلة الأسر البسيطة.

    ويعود ذلك، أولا، إلى أن حجم السردين المعروض لم يكن مناسبا للتسويق، إذ كان في معظمه صغيرا، وهو ما يقلل من الإقبال عليه. كما أن فترة الراحة البيولوجية التي دامت شهرا ونصف الشهر أثرت بدورها على دورة النشاط التجاري، حيث لم يستطع عدد من التجار الصغار الذين يمونون الأسواق الصمود دون دخل طوال مدة التوقف، فاضطروا إلى مزاولة مهن أخرى، ما جعل شبكة التوزيع لا تعمل بكامل طاقتها عند استئناف الصيد.

    في الظروف العادية، وخاصة خلال رمضان، يستقبل سوق الدار البيضاء  يوميا نحو 70 شاحنة محملة بما يقارب 800 طن من السردين يتم توزيعها بسلاسة على مختلف نقط البيع.

    لماذا يستمر ارتفاع أسعار السردين مع حلول شهر رمضان رغم استئناف نشاط الصيد؟

    ارتفاع السعر لم يأت من فراغ، فالقطاع خرج لتوه من راحة بيولوجية دامت شهرا ونصفا، ولم تبدأ القوارب في ولوج البحر إلا ابتداء من الأحد الماضي، كما أن البحر لم يستعد توازنه بعد، إذ تكون الفترة الأولى بعد التوقف عادة غير مستقرة في صيد السمك السطحي.

    ومع دخول رمضان ارتفع الطلب كثيرا مقابل عرض محدود، وعندما يختل هذا الميزان يرتفع الثمن بشكل تلقائي.

    ولم يقتصر الوضع على السردين وحده، بل شمل باقي الأصناف، بعدما توقفت أغلب الموانئ عن الاشتغال بسبب اضطراب البحر، ولم تستأنف بعض الأنشطة إلا مع بداية الأسبوع الجاري، لذلك ظل المنتوج المعروض في السوق قليلا، خاصة بالنسبة إلى « الميرلان » والسمك الأبيض المخصص للقلي، وهما من أكثر الأنواع طلبا في الاستهلاك اليومي.

    إلى جانب ذلك، تغيرت بنية التجارة نفسها، إذ توسع عدد المتدخلين ودخلت الرقمنة إلى القطاع، ولم يعد المنتوج يتجه فقط إلى الأسواق التقليدية، بل أصبح يوزع أيضا على المطاعم والفنادق.

    في الظرفية الحالية، النقص في السمك الأبيض والرخويات يعني أن الأسعار مرشحة للارتفاع نسبيا شأنها في ذلك شأن  السردين القادم من آسفي والجديدة والدار البيضاء يكون أعلى ثمنا لأنه يباع في الميناء بسعر مرتفع.

    يوم الأربعاء بيع صندوق سمك آسفي بـ350 درهما، أي ما يعادل 15 درهما للكيلوغرام في الميناء، وبعد إضافة مصاريف الثلج والضرائب والنقل وغيرها من المصاريف، يصل الثمن إلى حوالي 17,50 أو 18 درهما قبل بلوغ السوق، والتاجر الذي يقتني أربعة أو خمسة صناديق وينقلها إلى منطقة بعيدة داخل الدار البيضاء قد يبيع الكيلوغرام بـ25 درهما، بالنسبة إليه، الأمر مرتبط بالكلفة وتغطية المصاريف، لكن بالنسبة إلى المواطن البسيط يظل الفرق كبيرا.

    ورغم أن المواطن يردد شعار « لدينا 3500 كيلومتر من السواحل »، فإن البحر ليس مستقرا طوال السنة، هناك تقلبات مناخية وعوامل مرتبطة ببرودة المياه خلال السنتين الأخيرتين، حيث يعيش المغرب تأثير ظاهرة « النينيو »، وأصبحت المياه أبرد من المعتاد، ما يؤثر مباشرة على حركة الأسماك وجودتها وتوزيعها، خصوصا في الجنوب المغربي الذي يوفر حوالي 80 في المائة من المنتوجات السطحية، لذلك نجد اليوم في السوق سردينا « رقيقا » بثمن أقل مقارنة بالسردين الجيد.

    كيف يمكن للمستهلك أن يميز بين السردين الجيد وغيره؟

    لكل ميناء خصوصيته في المنتوج، وهناك ما يسمى « طابع الجودة » المعتمد دوليا، والذي يتطابق مع سردين آسفي والصويرة وسيدي إفني وبعض المدن ذات المناطق الصخرية، هذا السردين معروف بقيمته الغذائية ومذاقه، كما أن سردين الجديدة والدار البيضاء والشمال، مثل الحسيمة، يتميز بطعم لذيذ، خاصة بسبب طبيعة مياه البحر الأبيض المتوسط.

    في المقابل، فإن السردين القادم من جنوب سيدي إفني، مثل طانطان وطرفاية والعيون، تكون جودته أقل نسبيا، بسبب طبيعة المياه البحرية، ولأنه يصاد في مناطق رملية لا صخرية، ما يؤثر على جودته.

     كما أن الكميات تلعب دورا مهما، فالقارب الذي يجلب 50 أو 60 طنا لا يوفر الشروط نفسها من حيث المحافظة على الجودة مثل القارب الذي يجلب 5 أطنان فقط، لأن الكمية الكبيرة تؤثر على ظروف النقل والحفظ.

    وبالنسبة إلى التمييز العملي، فهناك نوعان أساسيان: النوع الجيد يتراوح بين 16 و24 سمكة في الكيلوغرام، وهو مؤشر على حجم مناسب وجودة مقبولة، أما النوع الثاني فقد يصل إلى 40 سمكة في الكيلوغرام، ويعد متوسطا أو ضعيفا، والسردين بطبيعته غير مقاوم، خاصة الرقيق منه، فإذا تجاوز عدد الوحدات 26 أو حتى 40 حبة في الكيلوغرام، فإنه لا يتحمل البقاء إلى اليوم الموالي، ويرمى إذا لم يبع في يومه.

    هل تشكل مبادرة « الحوت بثمن معقول »، التي يعرض فيها السردين المجمد بـ13 درهما للكيلوغرام، حلا فعليا لإشكالية الأسعار ؟

    لفهم هذا النقاش، لا بد أولا من التمييز بين درجات الجودة المعروضة في السوق، فالسمك ليس نوعا واحدا، بل درجات متعددة، خذ مثلا « الصول »، الذي قد يتفرع إلى 10 أو 15 أو حتى 20 نوعا، وغالبا ما يعرض على المواطن المغربي ما يصنف ضمن الدرجة الثالثة من الجودة، وهي جودة كانت توجه سابقا إلى بعض الأسواق الإفريقية بثمن أقل مما تباع به اليوم داخل السوق الوطني.

    أما بخصوص السردين المجمد، فقد سبق أن جرب أحد المهنيين بأكادير تسويق كيلوغرامات معبأة في أكياس، وقد تكون التجربة ناجحة من حيث منطق العرض التجاري، غير أن السؤال الجوهري  المطروح هو: هل لدى المستهلك المغربي ثقافة استهلاك السردين المجمد؟ وهل يقبل استعماله للشواء أو لإعداد الكفتة كما يفعل مع الطازج؟

    السردين بطبيعته سمك غير مقاوم، خاصة « الرقيق » منه. فعندما يجمد ثم يفك تجميده، يفقد تماسكه بسرعة، ولا يتحمل البقاء لساعتين أو ثلاث بعد إذابته، بخلاف السردين الطازج الذي يستهلك في يومه، وإذا ظل مجمدا لأشهر، قد تصل إلى عشرة أشهر، فإنه عند إذابته يتفتت، ولا يمكن مقارنته بسردين يباع ويستهلك في يومه سواء أكان قادما من الدار البيضاء أو من العيون.

    هل يمكن القول بوجود مضاربات في مجال السمك؟ ولماذا يصل السردين إلى المستهلك بثمن مرتفع  مقارنة مع ثمن الميناء؟

    على مستوى البيع بالجملة، المسار واضح لأن البيع يتم داخل الموانئ، وأصبح اليوم رقميا عبر منصة تربط مراكز الفرز بالموانئ التي يسيرها المكتب الوطني للصيد البحري بالإدارة المركزية بشكل مباشر، كما تخضع العملية لمراقبة مجلس المنافسة، ويعلن المكتب الوطني للصيد البحري يوميا عن الأثمان التي خرج بها المنتوج من الموانئ.

    إذن، أين يكمن الخلل؟ الإشكال لا يظهر أساسا في مرحلة الجملة، بل يتجلى في مرحلة التقسيط، ففي هذه الحلقة تغيب المراقبة اللحظية والفورية.

     لا توجد لجان مراقبة محلية مفعلة بشكل دائم تضم وزارة الداخلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية « أونسا » والمكتب الوطني للصيد البحري والجماعات، ترصد الأسعار آنيا في كل نقطة بيع.

    كما أن الأمر يزداد تعقيدا في رمضان، حيث يدخل عدد كبير من الأشخاص إلى المهنة بشكل موسمي، فيتحول من لم يبع السمك طيلة السنة إلى بائع مؤقت، ما يوسع هامش التفاوت في الأسعار،  لذلك قد يباع السردين في حي العكاري بالرباط بـ15 درهما، بينما يصل في حي الرياض إلى 25 درهما، في ظل غياب مراقبة آنية تحد من هذا التفاوت.

    هناك مفارقة أخرى تتمثل في أن ثمن السردين قد يكون منخفضا في مدينة داخلية، ومرتفعا في مدينة قريبة من البحر، ما تفسير ذلك؟

    المسألة لا ترتبط فقط بقرب الجغرافيا من الساحل، بل بتموقع أسواق الجملة وشبكات التوزيع وعدد الشاحنات التي تمون السوق يوميا. فمثلا، رغم قرب الرباط وسلا من البحر، فإن تجار المدينتين يتزودون غالبا من الدار البيضاء أو المهدية، بعدما لم يحقق سوق تمارة النتائج المرجوة.

     في المقابل، مدينة مثل مراكش، رغم بعدها عن الساحل، تستقبل يوميا ما بين 40 و60 شاحنة، ما يضمن تموينا منتظما، وقد تجد سعر السمك فيها أقل من آسفي.

    هناك عنصر آخر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن الأسعار، وهو مسألة اللوبيات داخل بعض المدن، كل مدينة تقريبا لها شبكة توزيع خاصة بها، ولوبي يشتغل بطريقته في التقسيط والتحكم في مسالك التوزيع.

    إلى جانب هذه العوامل، تطفو ظواهر موازية مثل ما يسمى « الصيد الجائر »،  أي السمك الذي لا يسلك المسار القانوني الكامل أو يصطاد بطرق غير سليمة، خصوصا في الأقاليم الجنوبية،  فالسردين يفترض أن يصاد بشبكة عائمة دائرية، لكن بعض السفن تستعمل أسلوب الجر، وهو ممنوع دوليا لأنه يجرف كل ما في العمق،  ونسمي السفن المستخدمة بـ »المدمرات »، مما يؤثر على جودة المنتوج وعلى استدامة الثروة السمكية، وقد يؤدي إلى دخول كميات بجودة أقل إلى السوق.

    تم منع تصدير السردين مؤقتا وإخضاعه  لنظام الترخيص لمدة سنة ابتداء من فاتح فبراير، ما رأيكم في هذا الإجراء؟

    هذا القرار في نظري خاطئ، ففي المنطقة الممتدة بين العيون وبوجدور وصولا إلى الداخلة، توجد أكثر من 46 وحدة لتجميد السردين موجهة أساسا للتصدير إلى الخارج، هذه الوحدات لم تأت من فراغ، بل أنشئت لأن هذه المنطقة تشكل خزانا أساسيا للمنتوج السطحي على الصعيد الوطني.

    في سنوات سابقة، كانت مدينة العيون وحدها قادرة على إدخال ما يقارب 2000 طن يوميا إلى السوق، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تراجعا واضحا، إذ لم تعد الكميات الداخلة تصل حتى إلى 400 طن في اليوم، هذا المعطى وحده يكشف أننا أمام تراجع كبير في الثروة السمكية.

    وفي الفترة التي كان يقال فيها إن السردين متوفر بكثرة، كانت الموانئ الممتدة بين العيون وطانطان وآسفي وأكادير وبوجدور والداخلة تدخل مجتمعة ما يصل إلى 8000 طن يوميا، وكان الإنتاج الوطني يقارب مليونا و200 ألف طن، بل كان يمكن أن يصل إلى مليون و600 ألف طن إذا صرحنا بكل الكميات واحتسبنا ما يرتبط بالسمك المهرب.

    توجد سفن استنزفت الأخضر واليابس،  بينما نشاط التجميد والتصدير يقوم على منظومة متكاملة يشتغل ضمنها الفاعلون بوضوح  يملكون منشآت ثابتة واستثمارات كبيرة، يتم جلب المنتوج، وتجميده داخل هذه الوحدات، ثم تصديره إلى الخارج،  هنا يجب أن نكون واقعيين فالدولة لا تستطيع أن تأتي في لحظة وتقول لهم توقفوا عن التصدير، لأن ذلك  بمثابة حكم بالإعدام على استثمارات قائمة وعلى شبكة واسعة من مناصب الشغل.

    هم يصدرون الجزء الأكبر من الإنتاج، وهذه حقيقة، لكن في المقابل، خرجت الحكومة أو الوزارة أو كاتبة الدولة لتقول إن هذا المنتوج يجب أن يبقى لصالح المستهلك المغربي. هنا وقع نوع من التبسيط، لأننا في الواقع لا نتوفر اليوم على كميات مجمدة كبيرة كما يتصور البعض، ولا توجد وفرة حقيقية يمكن تحويل مسارها بسهولة إلى السوق الداخلية.

    ثم إن المنتوج المجمد المتوفر يتجه في معظمه إلى البرازيل وإلى مصر، كما أن هناك منافسة غير شرعية كذلك، حيث يعاد استعمال بعض المنتوج الموجه للتصدير أو للتصبير، ويتم تعليبه وطرحه في السوق بطريقة تخلق منافسة حتى للمصانع المغربية المتخصصة في التصبير، هذا هو السبب العميق للاختلال، وليس مجرد مسألة ظرفية مرتبطة بالأسعار.

    أما القول إن منع التصدير أو رفع شعارات تموين السوق كاف لحل المشكل فهو غير صائب، إذا أردنا فعلا حماية المستهلك، فعلينا العمل على مدى أربع أو خمس سنوات، ووضع استراتيجية عميقة وبنيوية تعالج أصل الإشكال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الشيات: الحكم الذاتي انتقل من مقترح سياسي إلى مرجعية أممية ملزمة

    قال خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية، إن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب سنة 2007 شكلت منذ الإعلان عنها تحولا عمليا في مقاربة ملف الصحراء المغربية، معتبرا أنها انتقلت عبر مراحل متعددة من مجرد مقترح سياسي إلى إطار مرجعي يحكم اليوم مسار التسوية داخل الأمم المتحدة.

    وأوضح الشيات أن المرحلة الأولى من المبادرة تمثلت في طرح حل سياسي قابل للتنزيل والتوافق، ومنسجم مع الأنساق القانونية المرتبطة بالأمم المتحدة، مضيفا أن الهدف آنذاك كان تقديم تصور عملي يوازن بين المفاهيم التي كانت ترد في مخرجات المنظمة الأممية، والتي كانت أحيانا تُكيّف القضية في إطار اعتبره مناقضا للمصالح الوطنية.

    وأضاف الشيات، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن مبادرة الحكم الذاتي استطاعت في تلك المرحلة إحداث توازن داخل مقاربة مجلس الأمن، من خلال الجمع بين الإرث القانوني الأممي والجوانب المرتبطة بالمبادرة المغربية باعتبارها حلا قابلا للتفاوض والتنفيذ، يرضي جميع أطراف النزاع “لا غالب ولا مغلوب”، كما ورد في الخطاب الملكي.

    وأشار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إلى أن هذا التوازن تعزز مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2703 (أكتوبر 2023)، الذي وضع الحل السياسي في إطار المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ما أخرج النقاش، بحسب تعبيره، من المجالات النظرية السابقة إلى المجال الواقعي والعملي، القائم على آليات وأدوات تنزيل واضحة.

    واعتبر المتحدث أن قرار مجلس الأمن 2703 وما تلاه من مواقف جماعية وثنائية يشكلان أدوات تنزيل أساسية، سواء في الإطار الجماعي داخل الاتحاد الأوروبي الذي يزكي دور الحكم الذاتي كآلية لإنهاء النزاع، أو على المستوى الثنائي من خلال مواقف عدد من الدول الداعمة للمقترح المغربي.

    وسجل الشيات أن المرحلة الراهنة تتميز بتفعيل مخرجات القرار الأممي برعاية أمريكية وتحت سقف الأمم المتحدة، معتبرا أن ذلك يعكس انتقال المسار إلى مستوى نهائي غير قابل للتراجع، وأنه “لم يعد هناك مجال للحديث عن حل خارج إطار الحكم الذاتي”.

    وأكد أن منطق الأمم المتحدة يقوم على البحث عن حل سياسي واقعي وعملي وقابل للتنفيذ والتفاوض، يرضي جميع الأطراف، مضيفا أن أدوات المنظمة الأممية متعددة، بدءا بالمسار التفاوضي والسلمي، مرورا بالعقوبات، وصولا إلى أشكال مختلفة من التدخل، كما حدث في حالات دولية سابقة.

    وأوضح أن آلية التنزيل في ملف الصحراء المغربية تظل محكومة بطبيعة الأزمة وبالإطار القانوني الذي حدده مجلس الأمن، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة، برعاية أمريكية، يمكن أن تمارس ضغوطا على بعض الأطراف، خاصة تلك التي تتبنى مواقف مترددة أو معاكسة.

    وفي هذا السياق، اعتبر الشيات أن أدوات الضغط التي تمتلكها الجزائر وجبهة البوليساريو ضعيفة، بما فيها الأدوات العسكرية، وأن سياسة ربح الوقت لن تغير من مسار التوجه نحو حل سياسي تفاوضي في إطار الحكم الذاتي المغربي.

    وأشار إلى أن المسار الحالي يمثل بداية الطريق نحو الحل النهائي، موضحا أن الإطار القانوني والشرعي محدد داخل الأمم المتحدة، وأن أطراف النزاع – بما فيها الجزائر – باتت معروفة، وهو ما يترتب عنه تحميلها مسؤولياتها التاريخية والقانونية في الإسهام في الحل.

    وتطرق أستاذ العلاقات الدولية إلى حديث عن مفاوضات محتملة بين المغرب والجزائر من أجل اتفاق للسلام، كما وصفه أحد المسؤولين الأمريكيين، معتبرا أن ذلك قد يفتح الباب أمام بناء منطقة مغاربية مندمجة ومتكاملة وسلمية، تتيح فرصا للاستثمار وتقوية القدرات الاقتصادية الجماعية والتعاونية.

    وفي المقابل، أشار إلى وجود تحديات مرتبطة بما وصفه بطبيعة السردية التي انتهجتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، خاصة على المستوى الاجتماعي والإعلامي، من خلال تقديم المغرب في صورة “العدو الدائم”، ودعمها السياسي والاقتصادي والمالي والدبلوماسي والإعلامي لجبهة البوليساريو، معتبرا أن ذلك قد يصعب عليها التراجع عن هذه المواقف.

    ولفت إلى وجود حالة تقابل بين الموقف الرسمي الجزائري والخطاب الإعلامي الموجه إلى الداخل، إضافة إلى الخطاب الذي تتبناه جبهة البوليساريو تجاه الصحراويين في المخيمات، معتبرا أن تجاوز هذه الإشكالات يتطلب تقديم الحل السياسي باعتباره حلا ناجحا يرضي جميع الأطراف.

    كما ربط الشيات بين تسوية النزاع وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، التي تواجه تحديات أمنية مرتبطة بالحركات الإرهابية والجريمة المنظمة وشبكات تهريب المخدرات، فضلا عن إشكالات اجتماعية في عدد من الدول الإفريقية.

    وختم بالقول إن نجاح نموذج سلمي لتسوية هذا النزاع يمكن أن يشكل نموذجا قاريا في تدبير النزاعات الحدودية والسياسية داخل إفريقيا، ويفتح المجال لبناء فضاء مندمج ومتكامل يتجاوز الحدود الموروثة عن الاستعمار، ويؤسس لمنظومة اقتصادية قوية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية في القارة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تكريم.. ليلى شهيد النضال حتى النهاية

    « دبلوماسية، ناشطة وامرأة مثقفة، لقد اجتازت ليلى شهيد نصف قرن من التاريخ دون أن تتخلى يوما عن قناعاتها. من بيروت إلى باريس، ومن الرباط إلى بروكسل، جسدت صوتا فلسطينيا فريدا، عند تقاطع السياسة والذاكرة والنضالات من أجل العدالة ».

    ليلى شهيد، السفيرة السابقة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، توفيت يوم الأربعاء 18 فبراير 2026. وكان موقع « تيلكيل » قد أجرى معها مقابلة في أكتوبر 2023، بعد أيام قليلة من هجوم حماس في 7 أكتوبر وبدء حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة.

     » تم تحديث المقال في 18 فبراير 2026″

    عرفت ليلى شهيد خبايا نصف قرن من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو (1993)، تم تعيينها مندوبة عامة لفلسطين في فرنسا. ثم، لمدة عشر سنوات (حتى 2015)، كانت سفيرة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي.

    بعد عشرة أيام من هجوم حماس، التقينا بها في باريس. وبينما لم تخف غضبها من المؤسسات الغربية، فإن الدبلوماسية السابقة كانت قبل كل شيء حزينة على بلدها. قالت: « منذ عشرة أيام، لم يكن لدينا حتى الوقت للبكاء على موتانا قبل أن نسمع بحدوث هجوم أكثر دموية من سابقه ».

    « أُجريت هذه المقابلة قبل قصف مستشفى الأهلي في غزة، مساء 17 أكتوبر »

    لقد مرت عشرة أيام منذ هجوم حماس (7 أكتوبر). متى تعودون بذاكرتكم إلى أسبوع مؤلم ودموي مماثل؟

    أفكر في مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت، 18 شتنبر 1982. كنت مع جان جينيه (الكاتب الفرنسي المناصر للقضية الفلسطينية، مدفون في العرائش) وسط جثث الفلسطينيين. كان ذلك فظيعا على الأقل بقدر ما نعيشه منذ عشرة أيام.

    « عندما تسلب منك إنسانيتك، يمكن قتلك بدون ضمير. هذا ما تفعله إسرائيل منذ 75 سنة »

    لم أشارك في حرب 1967، التي كانت حرب جيوش. ما رأيناه في 1982 وما نراه اليوم، هي مجازر. اليوم، أرى هذه الجثث على شاشات التلفزيون.

    الجديد في حروب اليوم، هو أن كل شيء مباشر، هذا يثير شعورا ليس فقط لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، بل لدى الأوروبيين والأمريكيين والعالم كله. الجميع غاضب، الجميع في حداد. الفرق هو أن درجة الانفعال ازدادت.

    أنا منهكة، أشعر وكأنهم ينهالون علي بالضرب منذ عشرة أيام متواصلة. وذلك بسبب كمية سوء النية والأكاذيب، كمية المعلومات المضللة، ونقص الإنسانية الممنوحة للفلسطينيين، « هؤلاء البشر الحيوانات »، كما قال رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي. ومتى سلبت منك إنسانيتك، يمكن قتلك بلا أي ضمير. هذا ما تفعله إسرائيل منذ 75 عاما.

    هل كان بالإمكان التنبؤ بقرب هجوم 7 أكتوبر؟ كيف تفسرين أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فاجأها الأمر؟

    الشعب الإسرائيلي مرعوب، لأنه لم يظن يوما أنه يمكن أن يفاجأ من قبل حماس مع جيش قوي وماهر. إسرائيل أخطأت عندما استهانت بحماس، معتقدة أنها مجموعة صغيرة يمكن التحكم فيها كما تشاء، بل طلبت حتى من القطريين تمويلها.

    « عندما يظن القوي أنه لا يمس، يرتكب أخطاء، وينتهي به الأمر إلى تدمير نفسه ».

    في 2005، عندما قرر شارون الانسحاب من غزة، تمت إزالة المستوطنات، وبناء الجدار، وسلم الإسرائيليون غزة لحماس، غير راغبين في تقوية السلطة الفلسطينية. لا أقول إن إسرائيل أرادت هذا الهجوم، وأعتقد بصراحة أن أحدا لم يره قادما.

    « إسرائيل كانت عمياء بسبب غطرستها وخداعها الخاص. بعد أن غذوا الجناح العسكري لحماس المكوّن من سجناء سابقين، كانت لديهم الغطرسة للاعتقاد أنه لن يفلت من السيطرة الإسرائيلية ولن ينقلب ضدها ».

    في العبرية، نقول « chutzpa »: إنها غطرسة السلطة. عندما يظن القوي أنه لا يمس، يرتكب أخطاء، وينتهي به الأمر إلى تدمير نفسه.

    كيف تقيمين رد الفعل الأوروبي، بقيادة أورسولا فون دير لاين التي زارت إسرائيل في 15 أكتوبر وقالت إنها « تقف إلى جانب إسرائيل » وتذكر بحقها في الدفاع؟

    إنه مخزٍ. أورسولا فون دير لاين ركبت الطائرة وذهبت إلى إسرائيل، دون أن تأخذ حتى وقتا للذهاب إلى رام الله، حيث يقيم محمود عباس، منذ 56 سنة يملي علينا الأوروبيون قرارات، لم يطبق حتى عشرها.

    « أوروبا لا تميز بين حق إسرائيل في الدفاع، وسياسة الانتقام ».

    لم تعد هناك قوة أوروبية متوسطية ترغب في التدخل في هذا الصراع. أوروبا لا تميز بين حق إسرائيل في الدفاع، وسياسة الانتقام. عند سماع رد الفعل الأوروبي، يبدو أن إسرائيل وحدها لها الحق في الدفاع.

    لا أقول إن هجوم حماس عادل، أي هجوم ضد المدنيين يستحق الإدانة: إنه جريمة حرب، ويجب أن نسميها كذلك. لكن ما تفعله إسرائيل الآن في غزة، هو جريمة ضد الإنسانية. أحياء بأكملها تدمر، والأوروبيون عاجزون عن الاعتراف بذلك..

    من أين يأتي هذا المعيار المزدوج الذي تذكرينه؟ لماذا لا يرى العالم الشيء نفسه أمام نفس الصور؟

    عملت عشر سنوات في الاتحاد الأوروبي. هذا المعيار المزدوج رأيته بعيني، في عقل الغربيين، الهولوكوست، الذي هو فعل أوروبا وليس العرب، لم يختفِ أبدا، وهذا ما ذكره هجوم حماس للغرب. إذا كان العرب دائما يرون إسرائيل كقوة مهددة، فهي المرة الأولى التي يرون فيها إسرائيل في موقف مهين.

    فلسطين لم تعد تستطيع الاعتماد على دعم اليسار الغربي التقليدي. انظروا إلى فرنسا، حيث تزداد قوة اليمين المتطرف، ويجد نفسه بجانب القومي والمتطرف في حكومة نتنياهو. ألمانيا والنمسا قررتا تعليق مساعداتهما للشعب الفلسطيني. هم الذين يزعمون محاربة حماس، يلقون الفلسطينيين في أحضانها.

    في أوروبا، هناك مشكلة حقيقية مع الإسلاموفوبيا، التي تضع حماس و »داعش » وحزب الله في سلة واحدة. كل أطر القراءة منحازة. ولا ننسى أن العالم العربي له نصيبه من المسؤولية في هذا الدمج، لأنه لم يدن الإسلاميين بالشكل الكافي عندما كان يجب.

    أنا، لا أريد أن أكون قد ناضلت من أجل فلسطين نصف قرن لأجد نفسي مع الإسلاميين في السلطة، وسأحاربهم سياسيا عند الحاجة. لكن لا يأتِ أحد ليقول لي إن حماس هي الوحيدة المضادة للديمقراطية والإرهاب في هذا الصراع، كما لو أن إسرائيل لم ترتكب هجمات على غزة بلا عقاب منذ عقود.

    أي قدر من المسؤولية تنسبينه للغرب في الحرب الجارية اليوم؟ هل يمكنه الاكتفاء بالمراقبة والإدانة من بعيد؟

    مسؤولية أوروبا ليست نفسية فقط، بل تاريخية وسياسية ودبلوماسية. حماس، التي ينسب إليها اليوم كل الشرور، لم تولد إلا في 1987. الحرب والصراع كانا موجودين من قبل. منذ ثلاثين عاما، منذ اتفاقيات أوسلو، ينتظر الفلسطينيون أن يتدخل الأوروبيون والأمريكيون، الذين كانوا ضمن الضامنين لتطبيقها، ليفعلوا شيئا. ولم يفعلوا شيئا.

    « عندما يتعلق الأمر بنا، العرب، لا يرى الأوروبيون والأمريكيون ضرورة حتى لتطبيق ما وضعوه بأنفسهم ».

    باعونا أحلاما، وكنا سذجا جدا. انظروا إلى عقوبات أوروبا ضد بوتين بعد غزو أوكرانيا: لم تصدر أي عقوبة ضد إسرائيل لانتهاكاتها المتعددة لاتفاقيات أوسلو. لأنه عندما يتعلق الأمر بنا، العرب، لا يرى الأوروبيون والأمريكيون ضرورة لتطبيق ما وضعوه بأنفسهم. نعم، يمكننا لوم أوروبا على تقاعسها، ليس اليوم فقط، بل منذ 30 سنة.

    كيف تتابعين المظاهرات المؤيدة لفلسطين التي جرت في العالم هذه الأيام؟ هل تعتقدين أن القضية الفلسطينية اكتسبت دعم الرأي العام أكثر من القوى السياسية التقليدية؟

     نعم. القوى الغربية تنصلت، لكن ليس كل شعوبها. خلال الأسبوع، خرجت الجالية اليهودية الأمريكية أمام البيت الأبيض، مدينة دعم الولايات المتحدة لإسرائيل. أعتقد أنه خلال 25 سنة الماضية، سقط قناع إسرائيل تدريجيا. لم يحظ الفلسطينيون بدعم مثل هذا من الشعوب في العالم. لكن هناك انقسام بين السياسة والمجتمع. في أوروبا، فقدت المؤسسات الحكومية مصداقيتها، حتى أمام مواطنيها.

    هل الوساطة عبر طرف ثالث ما زالت خيارا لحل الصراع؟ في ظل الوضع الحالي، هل هناك دول أو منظمات دولية قادرة على لعب هذا الدور؟

    ما يظهره السياق الحالي، هو فشل آليات التنظيم الدولية الدبلوماسية متوقفة. لنر من سيكون هؤلاء الوسطاء.

    مصر لا يمكنها القيام بذلك. السيسي يرفض فتح الحدود، لأنه يعلم أنه سيجد نفسه مع 300 ألف لاجئ على الأقل في سيناء، بعضهم نشط سياسيا، ولن يستطيع احتواءهم. بالنسبة لتركيا، ليست لها مصداقية: يوما مؤيدة للفلسطينيين، ويوما مؤيدة لإسرائيل. قطر كانت وسيطًا بين إيران والولايات المتحدة، لكن الفرق مع هذه الحرب، أننا لن نشتري حقوق الفلسطينيين بحقائب أموال. ولا أتحدث عن السعودية، التي تصرفت في السنوات الأخيرة كفرع للولايات المتحدة. بعد اتفاقيات إبراهام، كان يمكن لبعض الدول أن تكون وسيطة. لكن المشكلة في هذه الاتفاقيات أنها لم تُنظّم أي شيء للقضية الفلسطينية.

    أي أن أي محاولة تفاوض اليوم ستفشل على المدى الطويل، مثل اتفاقيات أوسلو عام 1993؟

    إن كنت صارمة في حديثي مع الهيئات الدبلوماسية، فذلك لأنني أعرف طريقة عملها ورأيت بعيني تفاوض اتفاقيات أوسلو. نفس الاتفاقيات التي لا تعترف بدولة فلسطينية، بل بالحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لم يكن أحد مستعدًا لمنحنا أكثر من حق الحكم الذاتي المحلي.

    لقد مرت ثلاثون سنة ونحن ننتظر تطبيق اتفاقيات أوسلو. رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد الذي كان مستعدًا لذلك، كان يتسحاق رابين. في اليوم التالي لاغتياله، دخلت مكتب ياسر عرفات في غزة. نظر إلي وقال: « ليلى، السلام والتفاوض انتهى. لقد اغتالوه لإيقاف عملية السلام. »

    منذ ذلك الحين، ماتت ودفنت اتفاقيات أوسلو، ولم تتوفر أي فرصة لاستئناف عملية التفاوض.

    ماذا تتوقعين في الأيام القادمة؟

    خطر حرب إقليمية يقترب أكثر كل يوم. نصف مليون شخص طُردوا من منازلهم وتجمعوا على حدود مصر. أمر الإخلاء في غزة من قبل إسرائيل ليس سوى تطهير عرقي. قطاع غزة بلا ماء، بلا طعام، بلا كهرباء.

    منذ اللحظة التي لا يمكننا فيها ضمان أدنى قدر من ضبط النفس عبر تطبيق القانون الدولي، وفرض عقوبات على من لا يحترمه، يمكن توقع أي شيء. الضربات الإسرائيلية ستكون أكثر عنفًا، لأن الحقيقة أنه لا أحد يوقفها. اليوم، العالم مختل. لم تعد له بوصلة، ولا مرجعيات. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اجتمع، ولم يستطع حتى التصويت على قرار أو إصدار بيان.

    وكلاء السلام لم يعودوا الدول، بل المجتمعات المدنية. لكن، بما أن معظم الدول في العالم العربي غير ديمقراطية، حيث لا تستطيع المجتمعات المدنية التعبير، فهي لا تستطيع التحرك. لاستعادة أدنى قدر من العقلانية، يجب أن تعمل الهيئات السياسية والدبلوماسية الدولية، وهو ما لا يحدث اليوم. وفي انتظار ذلك، تسود العاطفة والانتقام الأعمى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. مسؤول يكشف لـ »تيلكيل عربي » تفاصيل سلامة السدود وحقيقة الغطاسين والمرسوم المؤجل

    في سياق التساقطات المطرية التي عرفتها بلادنا خلال الفترة الأخيرة وما رافقها من ارتفاع ملحوظ في حقينة عدد من السدود، والتي نتج عنها إجلاء ما يزيد عن 154 ألف مواطن، يجري حاليا العمل على إعادتهم تدريجيا بعد تحسن الأحوال المناخية، برزت إلى الواجهة تساؤلات متعددة بشأن الوضعية الفعلية للموارد المائية، ومدى خروج البلاد من دائرة الجفاف، فضلا عن معايير سلامة السدود ومنظومة تدبير المخاطر والإنذار المبكر.

    في هذا الإطار، حاور « تيلكيل عربي » المهندس رشيد رجل، رئيس قسم تخطيط المياه بالمديرية العامة لهندسة المياه التابعة لوزارة التجهيز والماء، الذي قدم توضيحات تقنية مفصلة بشأن تطور الوضعية الهيدرولوجية، ومفهوم الأمن المائي، وسلامة المنشآت، إلى جانب حقيقة ما راج حول سد وادي المخازن ومستجدات مشروع مرسوم تصنيف السدود.

    – كيف تطورت وضعية الموارد المائية في المغرب خلال السنوات الأخيرة؟ وما آخر المستجدات المرتبطة بها ؟

    شهدت وضعية الموارد المائية في المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا بسبب توالي سنوات الجفاف وضعف التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى انخفاض نسبة ملء عدد من السدود وتراجع منسوب المياه الجوفية، غير أن الموسم الحالي الذي نعيشه سجل تحسنا مهما، مما ساهم في رفع نسبة الملء السدود التي فاقت 70 في المائة.

    -إلى أي حد يمكن اعتبار التساقطات الأخيرة مؤشرا على خروج فعلي من أزمة الجفاف؟

    من الناحية العلمية، لا يمكن اعتبار التساقطات الأخيرة مؤشرا كافيا على الخروج الفعلي من أزمة الجفاف، لأن تقييم الوضعية الهيدرومناخية يتم بالاعتماد على معطيات زمنية تمتد لعدة سنوات، وليس على سنة واحدة فقط. فالمقارنة تتم بالمتوسطات التاريخية الممتدة أحيانا إلى 30 سنة أو أكثر، من أجل تحديد ما إذا كان هناك تحول حقيقي في المنحى العام أم مجرد تحسن ظرفي. كما أن المؤشرات العلمية تأخذ بعين الاعتبار التراكم الزمني للعجز المائي.

    إضافة إلى ذلك، فإن الاتجاه التصاعدي لدرجات الحرارة أظهر أن الجفاف لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية، بل أصبح معطى بنيويا مرتبطا بالتغيرات المناخية، حيث يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة التبخر وقلة التساقطات. لذلك، فإن موسما مطيرا واحدا ولو كان جيدا لا يكفي علميا للقول إن البلاد خرجت من أزمة الجفاف، ما لم يتأكد ذلك عبر توالي مواسم ممطرة وتحسن مستدام في المخزون المائي.

    – ما الفرق بين التحسن الظرفي في الموارد المائية والأمن المائي على المدى الطويل؟

    التحسن الظرفي في الموارد المائية يعني تسجيل ارتفاع مؤقت في حقينة السدود أو في منسوب المياه الجوفية نتيجة موسم مطير جيد، لكنه يظل مرتبطا بعوامل مناخية آنية وقد يتراجع بسرعة مع عودة الجفاف. أما الأمن المائي على المدى الطويل فيرتبط بالقدرة على ضمان تزويد منتظم ومستدام بالماء في مختلف الظروف، بما فيها سنوات الشح، وذلك عبر التخطيط الاستراتيجي متعدد الآفاق الزمنية.

    في سياقنا، يتم تأطير هذا الأمن المائي عبر اعتماد وثائق التخطيط المائي على المستوى الوطني من خلال المخطط الوطني للماء، وعلى مستوى الأحواض المائية عبر المخططات التوجيهية للتهيئة المندمجة للموارد المائية، التي تعد رؤية تمتد إلى أفق 30 سنة لضمان استدامة الموارد المائية وتوازنها المجالي. أما على المدى القصير والمتوسط، فقد تم إطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، الذي يهدف إلى تسريع الاستثمارات المائية لضمان استمرارية التزويد، من خلال بناء السدود، وتطوير تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتقوية الربط بين الأحواض.

    وتتميز هذه المقاربة بكونها دينامية وقابلة للتحيين حسب تطور الوضعية الهيدرولوجية، حيث تم مثلا تحيين كلفة البرنامج من حوالي 115 مليار درهم إلى 143 مليار درهم لتعبئة موارد مالية إضافية تواكب حدة الجفاف. كما تم إرساء حكامة مؤسساتية معززة، من بينها إحداث اللجنة الوطنية للماء لتتبع الوضعية المائية واتخاذ القرارات الاستعجالية.

    ويعد إنجاز الشطر الاستعجالي لربط حوض سبو بحوض أبي رقراق مثالا عمليا على المرونة وحسن التدبير، حيث مكن من تحويل المياه لتأمين تزويد مناطق تعرف ضغط مائيا، لذا  فإن الأمن المائي لا يقاس فقط بوفرة ظرفية في التساقطات، بل بوجود رؤية  استراتيجية، واستثمارات مستدامة، وحكامة مرنة قادرة على التكيف مع التقلبات المناخية.

    – ما المعايير المعتمدة لضمان سلامة السدود والمنشآت المائية؟

    تخضع سلامة السدود في المغرب لمنظومة تقنية وهندسية متكاملة تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات وضمان استدامة هذه المنشآت الحيوية. وترتكز هذه المنظومة على محورين رئيسيين: هما معايير التصميم والإنجاز وكذا معايير المراقبة والتشغيل والصيانة.

    وتشكل معايير التصميم أساس ضمان سلامة السد وتعتمد مراجع علمية ومهنية، كما تستند إلى توصيات المنظمات الدولية مثل اللجنة الدولية للسدود الكبرى، وتشمل الاستكشافات الجيولوجية والجيوتقنية، والتي تتضمن التجارب الهادفة لتحديد خصائص التربة والصخور المكونة لأساسات السد والتثبت من قدرتها على تحمل الأثقال المختلفة، كما تشمل أيضا عداد الدراسات الهيدرولوجية التي تهدف أساسا إلى تحديد الحمولات المائية المناسبة لحساب ارتفاع السد  تجنبا لخطر تجاوز المياه لقمته، إلى جانب التصميم الإنشائي الذي يرتكز على تحليل الاستقرار ضد الانزلاق والانقلاب، وضمان قدرة جسم السد على تحمل الضغوط الهيدروستاتيكية وكذا الزلازل وفق دراسة خاصة بموقع السد من خبراء متخصصين في الميدان، فضلا عن النموذج المصغر، حيث يخضع اشتغال السد وملحقاته قبل إنجازه إلى نمذجة هيدروليكية مصغرة في المختبر، للتحقق من سلوك المنشأة تحت مختلف السيناريوهات الهيدروليكية والإنشائية وفق المعايير الدولية المعتمدة.

    ونظرا لطبيعة السدود المركبة، فإنه لا يتم إنجازها إلا من طرف مقاولات جد متخصصة. ويتم تتبع إنجازها من طرف مكاتب دراسات ومختبرات معتمدة.

    أما بالنسبة لمعايير المراقبة والتشغيل والصيانة، فإن السدود تجهز بأنظمة مراقبة متقدمة تتيح تتبع سلامتها خلال مرحلتي البناء والاستغلال، وتشمل الرصد الآلي وبرامج تفتيش دورية.

    فبالنسبة للرصد الآلي، يشمل تركيب أجهزة لقياس ضغط المسام، والتسرب، والتحركات الهيكلية، وتحليل بياناتها بانتظام للكشف المبكر عن أي خلل.

    أما بخصوص برامج التفتيش الدورية فتشمل تفتيشا روتينيا يوميا أو أسبوعيا من طرف مشغلي السد، وتفتيشا فنيا دوريا حيث تخضع جميع السدود وطنيا، وبدون استثناء، لزيارات دورية من طرف خبراء للتأكد من احترام المعايير وتقييم مستوى الأداء العام، إلى جانب تفتيش استثنائي يتم بعد الزلازل، الفيضانات الكبرى، أو أي أحداث غير عادية، إلى جانب صيانة المعدات الميكانيكية من خلال اختبار بوابات مفرغ القعر ومفرغ الحامولات بشكل منتظم لضمان جاهزيتها في حالات الطوارئ.

    -كيف يتم تقييم المخاطر البنيوية من قبيل التشققات والتسرب والترسبات؟

    يتم تقييم المخاطر من خلال أجهزة رصد وتتبع يتم وضعها مسبقا داخل جسم السد خلال فترة الإنجاز، بحيث يتم من خلالها تتبع الحالة الهيكلية للمنشأة المائية وكذا تتبع التسربات المائية والقياس المتواصل لصبيبها.

    ويتم تحليل البيانات المستخلصة من هذه الأجهزة وفق منهجية علمية دقيقة ومقارنتها بالحالة المرجعية للمنشأة المائية مما يمكن من رصد استباقي لأي خلل قد يشوب الاشتغال العادي للمنشأة. وعند الاقتضاء يتم إنجاز خبرة ميدانية قصد تحديد الإجراءات التي سيتم اتخاذها لضمان الاشتغال السليم لها.

    ولا بد من أن أشير إلى أن منظومة الفحص والرصد بالسدود الوطنية تستجيب إلى معايير تقنية دقيقة مطابقة للمعايير الدولية المعمول بها في هذا الباب، وقد راكم  المغرب تجربة وخبرة في تدبير واستغلال السدود مشهود له بها على المستوى الدولي.

    -تم الحديث عن الاستعانة بغطاسين للتدخل على مستوى أبواب سد وادي المخازن، ما حقيقة ذلك؟ وما الإجراءات المعتمدة لتدبير عمليات التفريغ الجزئي بشكل آمن؟

    هذا الخبر عار من الصحة، فوجود غطاسين بالتزامن مع ارتفاع حقينة السد مرتبط بأشغال مبرمجة مسبقا متعلقة بأنبوب الماء الشروب قيد الإنجاز في إطار مشروع الربط المائي بين سدي واد المخازن ودار خروفة.

    وبخصوص إجراءات التفريغ الاستباقي والتدريجي للحقينة، فقد تم وفق تعليمات استغلال السد مع مراعاة التخفيف من التداعيات بالسافلة من جهة، وسلامة المنشأة المائية من جهة أخرى.

    وبالنظر إلى حجم الواردات الاستثنائية الذي تم تسجيله على مستوى حقينة سد واد المخازن منذ فاتح شتنبر 2025 إلى 16 فبراير 2026 والذي بلغ 1565 مليون متر مكعب، منها 720 مليون متر مكعب خلال الأسبوعين الأخيرين أي ما يعادل 55 في المائة من مجموع الواردات التي تم تسجيلها، فلم يكن ممكنا التسريع بعملية التفريغ بالنظر لقدرة تصريف السد للمياه عبر منشآته الملحقة (مفرغ القعر، مفرغ الحامولات ومأخذ الماء الصناعي) مع الأخذ بعين الاعتبار التأثير على سافلة السد.

    -هل توجد منظومة إنذار مبكر في حالة الخطر أو الفيضانات؟

    نعم، يتوفر المغرب على منظومة للإنذار المبكر تعتمد على تتبع الأحوال الجوية ومستويات الأودية والسدود، بتنسيق بين المصالح المختصة والسلطات الترابية. هذه المنظومة تتيح إصدار نشرات إنذارية استباقية عند توقع تساقطات قوية أو فيضانات، مما يسمح باتخاذ تدابير وقائية لحماية الأرواح والممتلكات.

    كيف تؤثر التقلبات المناخية على متانة المنشآت المائية؟

    تؤدي التقلبات المناخية وتغير أنماط التساقطات إلى زيادة حدة الظواهر الهيدرولوجية القصوى، مما يضع المنشآت المائية تحت ضغوط كبيرة قد تتجاوز أحيانا قدرتها التصميمية. ويمكن تلخيص أبرز التأثيرات في الفيضانات والتوحل،  ففي الحالة الأولى تتسبب الزيادات المفاجئة في حجم التدفقات المائية في الضغط على مفرغات الحامولات، وقد تتجاوز هذه التدفقات القدرة التصميمية للمنشأة، مما يرفع خطر تجاوز المياه لقمة السد، أما الحالة الثانية والمرتبطة بالتوحل فإن الأمطار الغزيرة تؤدي إلى تسريع تعرية التربة في الأحواض المزودة للسدود، مما يزيد من كمية الرواسب المحمولة نحو حقينة السدود. ومع تراكم هذه الرواسب، تنخفض السعة التخزينية الفعلية للسد، كما تتأثر بذلك كفاءة مآخذ المياه والمعدات الهيدروميكانيكية اللازمة للتشغيل والصيانة. ولمواجهة ذلك، يتم اعتماد مجموعة من التدابير المتكاملة تشمل تهيئة الأحواض المائية عبر التشجير، وإنشاء الحواجز والسدود الصغرى والتلية، وتنظيم المجاري المائية، إضافة إلى إزالة الأوحال دوريا وإفراغ الرواسب، مع ضمان المراقبة الطبوغرافية المنتظمة لتتبع تطور الترسبات واتخاذ التدابير المناسبة في الوقت الملائم.

    -هل يتم تأطير السلامة بمنطق الوقاية أم بمنطق التدبير بعد الأزمة؟

    تعتمد مقاربة السلامة أساسا على منطق الوقاية والاستباق عبر المراقبة المستمرة وإعداد خطط الطوارئ، غير أن التدبير بعد الأزمة يظل جزءا مكملا في حالة وقوع أحداث غير متوقعة. التوجه الحالي يركز على تقوية آليات الوقاية لتقليل المخاطر قبل حدوثها.

    -يلاحظ أن هناك غيابا أو نقصا في عمليات التحسيس والشرح المبسط للمواطن حول وضعية السدود والمخاطر المحتملة، خاصة أثناء الفيضانات أو عمليات التفريغ الجزئي، ما رأيكم؟

    قد لا يكون التواصل أحيانا بمستوى  التبسيط المطلوب، ما قد يفتح المجال أمام الإشاعات وسوء الفهم، خصوصا في الفترات الحساسة مثل الفيضانات أو عمليات التفريغ الجزئي للسدود. فالمعطيات التقنية غالبا ما تقدم بلغة متخصصة يصعب على عموم المواطنين استيعابها، وهو ما يستدعي اعتماد خطاب تواصلي مبسط، منتظم، واستباقي يشرح السياق والأسباب والإجراءات المتخذة بشكل واضح.

    في هذا الإطار، تم إطلاق منصة « الما ديالنا » كآلية رقمية للتحسيس والتواصل حول قضايا الماء، إلى جانب صفحاتها الرسمية على فيسبوك وإنستغرام، بهدف تقريب المعلومة من المواطن بلغة مبسطة وتفاعلية. هذه المبادرات الرقمية تساهم في نشر ثقافة مائية قائمة على الفهم والمشاركة، وتدعم الشفافية المؤسساتية، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر مهم للمعلومة.

    -تدارس مجلس الحكومة، يوم الخميس 05 فبراير 2026، مشروع المرسوم رقم 2.25.542 المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها لكن لم تتم المصادقة عليه، ما أبرز مضامين هذا المرسوم وما هي الآثار الناجمة عن تأخره؟

    إن المشروع المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها يعد نصا من ضمن ثلاثة مشاريع مراسيم مترابطة، بحيث يتعين أن تمر دفعة واحدة ضمن أشغال المجلس الحكومي؛ بالنظر إلى ارتباط مقتضياتها بوحدة الموضوع المتعلقة بالسدود.

    كما أن إعداد مشروع المرسوم السالف الذكر تطلب وقتا بحكم كثرة المتدخلين، إذ يتعين على كل طرف الإدلاء بملاحظاته بشأنه والتوافق على صيغة تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الاقتراحات.

    ويهدف مشروع المرسوم رقم 2.25.542 المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها إلى تطبيق المواد 2 و14 و 15 و 16 و24 من القانون 30.15 المتعلق بسلامة السدود بتنظيم  المناهج والمعايير التي على أساسها يتم تصنيف السدود (المادة 2 من القانون 30.15)، ثم كيفيات رصد سلامة السدود ولا سيما دوريته وتنظيمه ومؤهلات الأشخاص المكلفين به (المادة 14 من القانون 30.15)، إلى جانب الشروط التي على أساسها يكلف مستغل السد المهني المعتمد للقيام بدراسات تقييم سلامة السدود وكذا مضمون هذه الدراسة وشروطها ووتيرة إنجازها (المادة  15 من القانون 30.15)، فضلا عن كيفيات المصادقة على دراسة تقييم سلامة السدود وعلى الأشغال المزمع القيام بها وكذا على الجدول الزمني لتنفيذها (المادة 16من القانون 30.15)، ثم المعلومات التي يتعين إدراجها بدليل السدود ( المادة 24 من القانون 30.15)

    ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن سلامة الحظيرة الوطنية من السدود شكلت وتشكل منذ انطلاق إنجاز برنامج السدود بالمملكة أولوية قصوى بالنسبة للساهرين على تصميمها وإنجازها واستغلالها. ويأتي المرسوم المذكور لتنظيم وتفصيل المساطر المتبعة حاليا لضمان سلامة مستدامة ومقننة للسدود  تأخذ بعين الاعتبار توجه الحكامة الجيدة واللاتمركز وتطبيق الممارسات الفضلى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • السيمو: التعمير بالقصر الكبير مؤطر قانونيا.. و »مطلب العمالة » يسرع التنمية

    هسبريس من الرباط

    قال محمد السيمو، رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، إن الأخيرة “ليست خارج قانون التعمير”، موردا تفاصيل في هذا الصدد عن التعمير وتهيئة البنية التحتية للتطهير السائل.

    وفي “لقاء خاص” مع جريدة هسبريس الإلكترونية، عقب انتهاء “محنة الفيضانات” التي امتدت طيلة الأسبوعين الماضيين، ردّ محمد السيمو على من يتّهمونه بتدبير المدينة في غياب وثائق تعميرية، مشيرا إلى “التحول القانوني في اختصاصات التعمير (بعد 2015)”.

    وقال السيمو: “عند تولّينا مسؤولية الجماعة في شهر أكتوبر من سنة 2015، خصصنا الشهرين الأولين لترتيب البيت الداخلي والتجهيز، ومع حلول سنة 2016 بدأنا في وضع تصورنا الميداني. إلا أننا اصطدمنا بصدور القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء. هذا القانون حدد بوضوح نطاق تدخُّلِنا؛ حيث سحب من رئيس الجماعة سلطة الانفراد بالقرار التي كانت قائمة قبل 2015، حين كان الرئيس يمنح الرخص بمفرده لمدة سنوات طويلة”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتابع شارحا: “اليوم، أصبح رأي الوكالة الحضرية ملزما قانونا، وأي إخلال بذلك يعرض الرئيس للمتابعة القضائية والسجن. كما أن مهام المراقبة الميدانية لم تعد من اختصاصنا كمنتخبين، بل أصبحت بيد السلطات المحلية من عمالة، وقوّاد، وأعوان سلطة، وهم المسؤولون عن ضبط أي عملية بناء غير قانونية في مهدها”، بتعبيره.

    وفي معرض حديثه، سجل أن “المشاكل التي تعاني منها المناطق المهددة بفيضانات المجاري المائية حاليا تعود كلّها إلى فترة ما قبل 2015. الأحياء التي بنيت بشكل عشوائي لم تظهر في ولايتنا، بل هي نتاج مرحلة سابقة سمح فيها للناس بالبناء في ظروف سياسية معينة”.

    وبحسبه، فإنه “رغم ادعاءات البعض بأنهم أنقذوا المدينة من الفيضانات عبر قنوات منطقة المْرينة، إلا أن الواقع يثبت أن المدينة كانت تغرق عند كل زخات مطرية، وكان الناس يضطرون لاستخدام العربات المجرورة للتنقل، وهو وضع اشتغلنا بجد على تجاوزه وتصحيحه عبر القنوات الباطنية، رغم بعض الأخطاء التي ارتكبها مواطنون بفتح قنوات بشكل غير قانوني”.

    تصميم التهيئة والتعمير

    في التفاصيل، شدد رئيس جماعة القصر الكبير على أن “المشاريع الكبرى في المدينة (المداخل، الطرق، الساحات) تمت وفق رؤية هندسية دقيقة وليس بشكل عشوائي”، وقال: “من يدعي أن القصر الكبير تعيش فوضى في التعمير فهو واهم أو يجهل الواقع. نحن نشتغل في إطار تصميم تهيئة قانوني، ومصالح الوكالة الحضرية شريك أساسيٌ لنا في كل خطوة”.

    “واجبي كرئيس للمجلس هو أن أجد الحلول للمواطن الذي يريد بناء منزله. نحن لا نشجع على العشوائي، بل على التعمير المنتج الذي يحترم كرامة القَصْراويّين”، يورد المسؤول ذاته في حواره مع جريدة هسبريس، قبل أن يعود إلى علاقته بمدينة القصر الكبير وبساكنتها، التي هي “علاقة وجدانية وتاريخية”، وفق توصيفه، وزاد مفصلا: “نحن اليوم لا نشتغل من فراغ، بل هناك استراتيجية واضحة لتنمية هذه المدينة التي عانت طويلا (…) إن الاتهامات التي تُكال لنا بين الحين والآخر لا تزيدنا إلا إصرارا على مواصلة العمل. نُؤمن بأن القضاء هو الفيصل، ومكتبي وأبواب المجلس مفتوحة دائما لأي افتحاص أو مراقبة، لأننا نشتغل في وضوح تام وتحت سقف القانون”.

    “مطلب العمالة” يسرّع التنمية

    في لقائه مع هسبريس، عدّ محمد السيمو أن تحويل القصر الكبير إلى عمالة (إقليم) هو “قضيّتُه الأولى” و”مطلب شعبي لا تنازل عنه”، مبررا ذلك بـ”معايير ديموغرافية وتاريخية”.

    مدافعا عن استحقاق وأهليّة المدينة لتحظى بمقر عمالة بكل ما يعني ذلك من استقلالية إدارية، دفَع رئيس جماعة القصر الكبير بمجموعة من الاعتبارات، مُحاجِجا بأهمية “الثقل الديموغرافي”، ومستحضرا معطى أن ساكنة القصر الكبير تتجاوز 130 ألف نسمة، وهو رقمٌ يفوق-بحسبه-ساكنة أقاليم (عمالات) قائمة بذاتها في المغرب.

    وقال ضيف هسبريس بهذا الشأن متفاعلا مع الأسئلة: “مطلب عمالة القصر الكبير ليس ترفا، بل هو حق مشروع لمدينة تفوق ساكنتها مدنا أخرى هي اليوم مراكز أقاليم. لماذا تُحرم القصر الكبير من هذا الاستحقاق؟”.

    وفي هذا المنظور، يرى السيمو أن “التبعية الإدارية لإقليم العرائش تُعيق التنمية وتجعل المدينة تعيش تحت الظل، بينما تستحق أن تكون لها ميزانيتها وقرارها الإقليمي المستقل”. كما استدل براهنية تنزيل العدالة المجالية، وطالب بـ”إنصاف المدينة تاريخيا”، معتبرا أن “القصر الكبير كانت دائما مركزا حضاريا وإشعاعيا يستحق مكانة إدارية تليق به”، وأردف: “نحن لا ننافس أحدا، لكننا نطالب بالعدالة. القصر الكبير هي القاطرة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، وتحويلها إلى عمالة سيعني تقريب الإدارة من المواطنين بشكل حقيقي وليس كشعارات”.

    ولفت المتحدث ذاته إلى أنه سيظل مطالِبا وضاغطا من داخل المؤسسات ومن تحت قبة البرلمان “حتى يتحقق هذا الحلم”، وواصل: “القصر الكبير ولاّدة للأطر والعلماء والأبطال، ولا يُعقل أن تبقى مجرد باشوية تابعة”.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • سعيد منتسب: الهامش يتحول إلى « مركز السرد » في التجريب القصصي

    حاوره: عبد الله الساورة

    في الكتابة التي ينسجها الكاتب والقاص المغربي سعيد منتسب، لا ندخل عالما سرديا جاهزا، وإنما نعبر عتبة ارتجاف طويل، حيث الكلمة لا تستقر في معناها، وحيث الشخصية لا تكتمل إلا لتنكسر من جديد. نحن إذن، أمام كاتب يشبه رساما يلوّن الهامش ويترك المركز عاريا، يكتب كما لو أنه ينصت إلى طفل داخلي يرفض أن يهادن العالم، ويصرّ على فضح ارتباكاته الأولى. من ” تشبه رسوم الأطفال” إلى” جزيرة زرقاء”، ومن “طائر أبيض بأجنحة مؤقتة” إلى “ضرع القنفذ”، ومن “حساء بمذاق الورد” إلى “نزال على جسر مائل”، وصولا إلى “قبو إدغار آلان بو” ولا أحد يدنو من روني زيلويغر”… تتشكل خرائط نصية لا تقود إلى يقين، وإنما إلى أسئلة تتوالد في الظل.

    وهذا الحوار على جريدة هسبريس الإلكترونية، ليس مجرد مساءلة لكاتب عن تقنياته، فهو اقتراب من مختبر داخلي تتجاور فيه الطفولة بالعنف والهشاشة بالمقاومة والسياسي بالهمس والقلق باللغة. والكاتب سعيد منتسب، يكتب بالطفل لا بوصفه موضوعا رومانسيا، وإنما باعتباره موقفا معرفيا من العالم، يكتب من منطقة التماس بين الجرح والمعنى، بين ما يُعاش وما يُعاد تخييله، بين السيرة والاحتمال. ولا تمشي شخصياته في الضوء الكامل، وإنما تعيش على الحواف، تحمل السياسي في أجسادها، وتقاوم الاختزال بإصرارها على التعقيد.

    في هذا اللقاء على هسبريس، نقترب من رؤيته للقصة القصيرة كفن للصدع أكثر مما هي فن للحكاية، كمساحة مقاومة لضغط السرعة والخطابات المهيمنة، كاستعارة كبرى للارتباك. ونلامس فهمه للعنوان باعتباره فخا دلاليا لا خارطة طريق، وحواره العميق مع أسلافه في الأدب العالمي بوصفه تفاعلا لا تبعية، وإعادة تركيب لا استحضارا احتفاليا. ونستمع إلى قلقه بوصفه طاقة كتابة وإلى عزلة يراها شرطا للفهم، لا عزوفا عن العالم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وهذا الحوار هو عبور داخل لغة ترى في الهامش مركزا، وفي الشك فضيلة، وفي الانكسار مدخلا إلى معنى قابل للانكسار من جديد. وهو اقتراب من كاتب لا يبحث عن أجوبة مريحة، بقدر ما يحرص على إبقاء النص مفتوحا، متوترا، يقظا، كأنه يكتب دائما على جسر مائل، فوق هاوية الأسئلة التي لا تنتهي.

    شخصياتك تبدو وكأنها تعيش على حافة العالم، لا تنتمي بالكامل إلى الواقع ولا تنفصل عنه. من أين تأتي هذه الشخصيات؟ هل هي نتاج مراقبة خارجية، أم امتداد لسير ذاتية متشظية تعيش داخلك؟

    لا أكتمك أن شخصياتي هي جزئي المتعدد الذي يولد من احتكاك الذات بسياقاتها الثقافية والتاريخية والاجتماعية والرمزية. والشخصيات لا تظهر كيفما اتفق، لأنها تتحقق عبر التجربة الحية، سواء عبر الاشتباك المباشر مع الآخر، أو من عبر التوغل في مسارب الذاكرة والتخييل. ولذلك، فشخصياتي، رغم عجائبيتها اللافتة، نتاج وعي يرى العالم شبكة علاقات وقوى وخطابات. وهذا هو الدم الذي يسري في نصوصي.

    فإذا كانت الكتابة، كما أفهمها، هي ممارسة التفكير في الواقع (الصلب والسائل) بوسائط سردية تخييلية، وتحويل التفاصيل العابرة إلى مؤشرات على تحولات أعمق في بنيات المعنى، فإن شخصياتي تولد من هذا الاشتغال على المرئي والمضمر لإنتاج أثر ثقافي قابل للتأويل ما دمت أطمح إلى قول شيء ما بواسطة “التشظي” وإخلاف التوقع، أو عبر نشر المرايا (بكل هيآتها وأبعادها) في كل أركان النص. فمن هذا التشظي الداخلي، إذن، تنبع الشخصيات بوصفها صيغا متعددة للوعي، ومحاولات لفهم موقع الإنسان داخل منظومات سلطوية تضبط سلوكه وتعيد تشكيل أحلامه ومخاوفه. وربما هذا هو الذي يجعلها تعيش حياة كاملة دائما على الحواف. شخصيات لا ملامح لها، ولا يقين. في المجمل هي شخصيات حيوانية أو خرافية أو أدبية أو سينمائية، وأحيانا شخصيات مقتطعة من سيرتي الذاتية أو من تخييلي الذاتي.

    الحقيقة أن شخصياتي مفكر فيها بعمق، وتشبهني كثيرا، حتى في أعطابها وهشاشتها وأحلامها، كما أرى أنها تمارس نوعا من المقاومة الصامتة عبر إصرارها على الاحتفاظ بتعقيداتها في عالم يفضل الاختزال والانكماش والامتثال، ويتحيز إلى “النماذج المقولبة” سلفا. شخصياتي تدافع، كل واحدة من زاويتها، عن تعددها في سياق يميل إلى التصنيف. ولهذا أستطيع القول إنها أجساد تفكر، وذاكرات تمشي، وأسئلة تتحرك، ومصائر تتمرد، وتوترات تترجم العصر كله.

    ومن هذا الأفق تولد شخصياتي، أي من التجرية واللغة والخيال والاحتمال والشك، ولهذا سوف تلاحظ بأنها لا تولد كاملة، ولا تأتي من قرار مسبق. إنها تظهر كما تظهر فكرة مزعجة في الذهن. ذلك أن ما أراه وأحسه وأفكر به، لا يهمني إلا بقدر ما يوقظ شيئا خامدا في داخلي ويدفعني نحو الكتابة دون أن أبدي أي مقاومة.

    بهذا المعنى، فشخصياتي، حتى الحيوانية منها، مناطق تماس بين الخارج والداخل، بين ما يحدث فعلا وما يُعاد تخييله نفسيا. ومن هنا يمكن القول إنها جزء من لحم سيرتي الذاتية، ولا ينبغي أن يُفهم هنا أنني أكتب حياتي، فالأصح في رأيي أنني أكتب الاحتمالات التي لم أعشها وألاحق المخاوف التي لم أسمها، وانكسارتي التي تعزز انتمائي إلى الحواف.

     في كثير من قصصك، لا يحدث “الحدث” بقدر ما يحدث الانكسار الداخلي. هل ترى القصة القصيرة بوصفها فنا للصدع النفسي أكثر من كونها فنا للحكاية؟

    في نصوصي، سيحدث دائما ما ينبغي أن يحدث. القصة لا تحتاج حرفيا إلى حدث جاهز، بل تحتاج إلى شرارة تقدح في الحواس. لحظة توتر قصوى تحول “الشيء القصصي” إلى ذريعة قابلة للسرد وقول ما ينبغي أن يقال قصصيا. ولهذا ما يهمني أثناء الكتابة هو الصدوع التي تتشكل منها الدراما الحقيقية؛ وأعني بالصدوع الوعي بطبقات الكلام، ثم الاشتغال على الإيماءة والفراغ والصمت والحذف والتطريس، والالتفات الارتيابي في الكلمات والجمل والإيقاعات. ومن هنا يتحول “الحدث القصصي”، الذي أميل إليه، إلى بناء سحري أشبه ما يكون بإخراج أفيال من قبعة. ذلك أن الحدث لا يقع إطلاقا في الفضاء الخارجي. كما الزمن يتكثف، والمكان يتقلص، بينما تتسع مساحة التفكير والارتباك والشك.

    وهل يمكن النظر إلى هذا الفهم بوصفه خروجا عن “الحدث”؟ لا أرى ذلك على وجه الإطلاق. ذلك أن الحدث الأكبر الذي يواجه الإنسان المعاصر هو الانكسار الداخلي وتلاشي السرديات الأخلاقية الصلبة في هذه اللحظة السائلة التي نعيشها. أين هو الحدث الذي يمكن أن نثق به إذا كانت القصة القصيرة مجرد مساحة مقاومة لضغط السرعة، وضغط التوقعات الاجتماعية، وضغط الخطابات المهيمنة حول النجاح والهوية والمعنى؟

    إن الحكاية، بهذا المعنى، تعيد التفاوض مع صورتها الجديدة عن نفسها وهي تصطدم بفراغاتها وانكساراتها وأعطابها (اللاتسلسل، التشظي، اللايقين، اللااتساق..). لهذا تبدو قصصي منشغلة بما يتكسر في الداخل أكثر مما يقع في الخارج، لأنني أرى في هذا الكسر على مستوى اللغة والبناء والحبكة، وحتى على مستوى الواقع، مدخلا لفهم الإنسان في لحظته الراهنة. نحن نعيش داخل شبكة معقدة من الرغبات والمخاوف والتمثلات، ومن الطبيعي أن تتحول القصة القصيرة، شئنا ذلك أم أبينا، إلى فن حاضن للصدوع (التعري والخروج عن النظام). لم تعد القصة تملك ترف الحكاية إلا إذا كانت ممتلئة عن آخرها بالكسور.

    يشتغل نصك على التوتر بين البراءة والعنف، بين الطفولي والمأساوي. لماذا هذا الإصرار على إعادة العالم إلى هشاشته الأولى؟ وهل ترى في الطفولة شكلا من أشكال المقاومة السردية؟

    لا أعتقد أن الطفولة، في نصوصي، موضوع رومانسي. في كل مجموعاتي تقريبا، منذ “تشبه رسوم الأطفال” إلى “سوق الساعات” (العمل الذي سيرى النور قريبا)، أكتب بالطفل؛ أولا: لأن الأطفال لا يبررون العالم بدل يفضحونه، ويشيرون بوضوح إلى ارتباكاته. هذا يهمني كثيرا. ثانيا: لأنني أعتبر الاتكاء على السارد الطفل انغماس كلي في لحظة الاهتزاز التأسيسية التي تتكون فيها علاقتنا الأولى بالعالم (اللغة والأحاسيس والأشياء والخيالات). تلك اللحظة التي نتعلم فيها، من دون وعي نظري، أن العالم مساحة غير مستقرة، وأن المعنى قابل للانكسار في أي لحظة، بعيدا عن الأوهام التي يصنعها الخطاب الراشد حول العقلانية والصلابة والسيطرة، وخارج التبريرات الأيديولوجية والتكييفات الاجتماعية.

    وفي نصوصي، الطفولة حالة تسمح له بأن أعيد طرح أسئلة بسيطة في ظاهرها، مقلقة في عمقها: (لماذا يحدث هذا؟ لماذا نقبل به؟ لماذا نصمت؟). معنى ذلك أن الطفولة انتباه حاد وحساسية مفرطة، وقدرة عارمة على التسلل إلى التفاصيل الصغيرة، وعبرها تستعيد الكتابة حق الكائن في الارتباك والاعتراض، وفي الألم غير المؤدلج.

    بهذا المعنى، أرى الكتابة بالطفل موقف من العالم لا براءة فيه، لأنه يرتبط بالارتياب في فكرة “النضج” نفسها. إذ أن كثيرا مما يُسمى نضجا ليس سوى ترويض طويل للهشاشة، وتدريبا على التكيف مع اللامعقول، وتعلما للصمت أمام ما يستحق الرفض، أي أن النضج ركوع أمام سلطة ما، سواء أكانت سياسية أم ثقافية أم أخلاقية. ومن هنا فالطفولة لغة موازية تسمح بإعادة النظر في العالم من زاوية أقل تواطؤا مع عنفه..

    السياسي في قصصك لا يأتي كشعار، بل كاختناق، كظل، كخوف غير مسمّى. هل تعمدت تفكيك السياسي من خطابه وتحويله إلى أثر نفسي؟ وأين تقف حدود التزام الكاتب في هذا السياق؟

    لسنا محصنين ضد السياسة. ليس بوسع أحد أن يدرك ذلك. ولهذا السبب، تتسلل السياسة إلى كل شيء (الجسد واللغة والذاكرة)، كما بوسعها أيضا أن تقتحم القصة القصيرة. لا تهمني السياسة كموقف إيديولوجي أو شعار أخلاقي. ما يهمني هو الطريقة التي تستقر بها داخل المتن القصصي، أي كيف يمكنها أن تترجم توترات الواقع بمسميات وأقنعة أخرى متعددة. وبمعنى آخر كيف يتحول السياسي إلى اختيار جمالي وموقف معرفي. ذلك أن الخطاب السياسي، في كثير من تجلياته، يشتغل بمنطق التعبئة والتصنيف والبيانات والتصريحات، بينما التجربة الفعلية للعيش داخل شروطه تكون أكثر تعقيدا والتباسا وتناقضا، لأنها تمثل الحياة بكل آثارها الثقافية والاجتماعية والنفسية واللغوية.

    عطفا على ذلك، فالشخصيات في قصصي، حتى وإن كانت حيوانية أو خرافية، تحمل السياسي في أجسادها قبل أن تحمله في مواقفها، في طريقة جلوسها، في اختيار كلماتها، في علاقتها بالفضاء العام والخاص، مما يسمح لي بإزاحة مركز الثقل من الحدث السياسي إلى أثره الوجودي، مع تلك الرغبة في الاختفاء أو في التمويه. هنا يصبح “العجائبي” جزء من البنية السياسية للكائن، وليس فقط اختبار جمالي.

    لن أقول مع بيسوا: ” لا أنتمي إلى شيء، لا أشتهي شيئا، لست بشيء”. ومن هنا، فالتزامي السياسي مرتبط بالصدق المعرفي والجمالي أكثر من ارتباطها بالاصطفاف الإيديولوجي. كما يتمثل في رفض التزييف، ومقاومة الاختزال، والدفاع عن التعقيد، ورفض تحويل الألم إلى مادة دعائية، وأيضا في الاشتغال بالتجريب ليظل الصوت الداخلي مكسورا، دون أن يصادر “الحزبي” أو “الإيديولوجي” باسم قضية كبرى أو شعار تم ترتيبه في الظل.

    من هنا، أرى أن كاتب القصة لا ينظر إلى العالم من الخارج ليحاكمه، بل يكتب من داخل ارتباكاته وتناقضاته، محاولا أن يمنح هذا الارتباك شكلا أدبيا قابلا للتداول المعرفي أو الثقافي.

    نلمس حضورا قويا للقلق، للعزلة، وللشخصيات التي تواجه نفسها أكثر مما تواجه العالم. هل تكتب من منطلق سؤال نفسي عن الإنسان المعاصر، أم من إحساس وجودي بفقدان المعنى؟

    لا تستقيم الكتابة دون قلق. كل ما أكتبه وراءه قلق ما. القلق هو ما يفرغ الإطارات الصلبة من قوتها، بما فيها الإطارات الأدبية. لذلك أعتبر أن نصوصي مشغولة جدا بالالتفات في وجودها، على مستوى اللغة والموضوعات والمرجعيات. كما لا ينبغي ألا ننسى أن العالم لم يعد يقدّم نفسه بوضوح، أو على الأقل لم يعد يوهمنا بأنه يفعل ذلك. ومن ثم، لا يمكنني الاسترخاء أو الكتابة من زاوية أخرى غير القلق بوصفه دينامية لتبديد الواقع الضبابي بكل إشاراته الظلية المتناقضة.

    أما العزلة، فهي قدر الكاتب وخادمته، وربما هي وجهته الجميلة لمحاولة للفهم، والعثور على ما يليق باللايقين الذي يسيطر على وجودنا. حين أواجهها أو أنغمس فيها أو أستظل بها، فهذا معناه أني أبحث عن صيغة محتملة للعيش وسط هذا الفقدان العام للمعنى.

    في كل نصوصي تقريبا، أستدعى القلق والعزلة واللايقين من داخل التجربة، أي من الحيز الممتلئ بالشك في البدائل التي يطرحها عصر يهيمن عليه الامتلاء الظاهري والفراغ العميق والمنظومات الضاغطة. ما يهمني في الكتابة الآن، وحتى في القراءة، هو الحديث الهامس مع التفاصيل والمفارقات و”اليقينيات”، ذلك أن الحياة كما نعيشها تجري في اتجاهات كثيرة من دون مركز واضح. وهذا ما ينبغي أن تعكسه الكتابة التي أنظر إليها الآن من زاوية ارتباطها بتآكل الدلالة على جميع المستويات.

    نصوصي، كلمات أفهمها، كانت دائما محاولة لاختراع “لغة خاصة” أو “إدراك خاص” وسط ضجيج الصور والخطابات والتوقعات. وربما لهذا السبب، أكتب دون أن أطالب النص بأن يكون سعيدا، ودون أن أنظر إليه انطلاقا من تشخيص نفسي يضعه على نحو مسبق في دائرة التشظي، أولا لأنني لا أؤمن بنص يعاني من الانفصال المتزايد عن سياقه، وثانيا لأنني أعي بأن الأدب عموما، والسرد خصوصا، مساحة لإعادة بناء معنى يقوم على القابلية للانكسار..

    عناوين مجموعاتك ليست عتبات تفسيرية بقدر ما هي فخاخ دلالية. كيف تولد العناوين لديك؟ هل تأتي قبل النص باعتبارها بوصلة، أم بعده باعتبارها خلاصة ملغزة؟

    العنوان عندي لا يسبق النص إلا نادرا. غالبا ما يأتي بعد تجريب الكثير من العناوين، لأنني لا أعتبره أثرا جانبيا في أي كتابة، بل يمكنه أن يكون (وينبغي له) الوحدة التي تحتشد فيها كل أجزاء النص ومقاصده. فالنص يكتب نفسه، ثم يتركني أمام فراغ صغير عليّ أن أملأه بشيء ما. أحب العناوين التي تضلل قليلا، ولهذا فعناويني سريالية إلى حد ما. العنوان الجيد، في نظري، لا يثرثر كثيرا، بل يجعلك تطل على ممكنات أخرى قد لا توجد في النص. لذلك أتعامل معه كاختبار دلالي: من يدخله يظن أنه فهم، لكنه في الحقيقة يبدأ ما إن يقرأه في الشك، وفي بناء الاحتمالات.

    إذا قرأنا مثلا عناوين مثل: (تشبه رسوم الأطفال؛ جزيرة زرقاء؛ طائر أبيض بأجنحة مؤقتة؛ تماسيح مصممة لقول شيء ما؛ ضرع القنفذ؛ حساء بمذاق الورد؛ نزال على جسر مائل.. إلخ)، فإننا سندرك أن العنوان لا يمكنه أن يكون خارطة للطريق، لأن كل العناوين مشحونة بالمعنى والفراغ في آن واحد، مما يجعلها مفتوحة على على طبقات أخرى من القراءة، ومن كشف المرجعيات. كل عنوان يطرح مسافة بين القارئ والنص. ومن ثم، فالعنوان اختبار للقارئ وتفخيخ للانصياع للمعنى السهل.

    تستحضر في بعض أعمالك أسماء وأجواء من الأدب العالمي، كما في “قبو إدغار آلان بو”. هل هذا حوار مع الأسلاف، أم محاولة لإعادة كتابة القلق الإنساني بلغة محلية؟

    لا شك أن فعل الكتابة ينبني في المقام الأول على علاقة الكاتب بذاته، وبما يقرأ ويكتب. لا شيء يأتي من فراغ، ولا وجود للأصل على وجه الإطلاق. الكتابة تقوم على الاستبضاع، وعلى التفريغ الخائن لما سبق، أي على الإضمار والإخفاء والتطريس والحذف والاختزال. وبهذا المعنى، فنحن جميعا قادمون من نصوص رافقتنا طويلا، أي أن كل تجربة كتابية جديدة تنبع من تراكم معرفي وجمالي، ومن إدراك بأن الأدب كيان مفتوح يتغذى من تنوع مصادره وتجاوز الحدود دون أن يفقد جذوره.

    هكذا أفهم حضور النصوص الغربية داخل تجربتي المتواضعة: من الضروري الإصغاء إلى النصوص التي أرى أنها جوهرية في تكويني، والتمكن من آلياتها، وإعادة تركيبها داخل سياق محلي متحرك، ولا يتعلق الأمر هنا باستحضار الأرواح قدر رغبتي في الحوار وتوسيع الأفق والتفاعل مع النصوص التي تراكمت في ذاكرتي، تلك التي لا يمكنني الفكاك منها، لأنها جزء مني (نصوص عربية وأمازيغية وأوروبية وآسيوية وأميركية لاتينية)، مما يؤكد أن الأدب تجربة كونية تتشكل من تداخل الأصوات والذاكرات واللغات.

    أما اختياري للقبو في كتابي القصصي “قبو إدغار ألان بو “، فهو مجرد خلفية سردية أو “حافز سردي” للحديث عن ظلماتنا الداخلية، ولا علاقة للأمر بتكريم الأسلاف أو الانصهار في إرثهم الأدبي. القبو هنا يعمل كاختيار جمالي واع، لما يحمله من طاقة رمزية وتخيلية تسمح بتوسيع أفق السرد وتجديد مساراته. فهذا الفضاء، بما يختزنه من ظلال وعتمة وذاكرة وأسرار، يتحول إلى مختبر سردي تُختبر داخله الشخصيات، وتُفكك عبره علاقتها بالخوف والعزلة والذاكرة والهوية. ولهذا نقرأ في هذا الكتاب أقباء أخرى: (قبو موديغلياني؛ قبو ملك قرطاج؛ قبو سفالبارد؛ قبو ماريو بنيديتي؛ قبو دوستوفسكي؛ قبو القاتل الأعمى..). أما في المستوى البنائي، فيؤدي القبو وظيفة تنظيمية داخل النصوص، إذ يسمح بتدرج المادة الحكائية وتنوعها، وبتركيب مستويات متعددة من الحكي، تتراوح بين الاسترجاع والتداعي والاعتراف والتخييل.

    النصوص في أعمالي القصصية كلها تقريبا تتكلم بلغتين: لغة الأدباء والمفكرين والفلاسفة والعلماء الأسلاف، ثم لغتي الخاصة (اللغة والذاكرة والهوية)، مما يجعل الكتابة “ملتقى” تتجاور فيه الأصوات وتتقاطع الأزمنة وتتولد معان جديدة. يحضر بورخيس، كما يحضر كورثتار وكارفر وكالفينو وكارودنا.. إلخ. ولهذا أستطيع القول إن ثمة أشباح كتّاب وكتب، وثمة ترسبات حكائية لا بد من فحص دقيق لمعرفة عناصرها المورفولوجية، وهذا هو التحدي الذي تطرحه القراءة.

    في بناء شخصياتك، يبدو أنك تمنح الهامش مركز السرد، وتُسكت الأصوات الواثقة. هل ترى أن الكتابة القصصية اليوم هي كتابة ضد الطمأنينة، وضد الشخصيات المكتملة؟

    كانت الكتابة القصصية ولاتزال ضد الاكتمال، ولا ينبغي أن ننسى أن هذا الجنس لا ينتمي إطلاقا إلى أي نظام مغلق. القصة تثير الأسئلة وتسمح بالاختراق، وهي لهذا السبب تنتمي إلى الهامش لأنها مبنية على الاحتمال. جنس قلق يمنح الهامش مركز السرد. لا شيء مكتمل. تجريب وتخريق وبحث وملاحقة مستمر للإمكان. لهذا، تعمل نصوصي القصصية على قلب المتوقع، على تحويل الهامش إلى مركز (الهشاشة؛ اللحظات العابرة؛ الشخصيات المشوهة؛ الأشياء المهملة أو المنسية؛ فضاءات العبور؛ الأمكنة المتخيلة…إلخ). كما أن كل شخصية تحمل مساحة فراغ على الكتفين، وتتحرك بين الحواف، بين الارتباط بالعالم والانفصال عنه. لا وجود للأصوات الواثقة. كل ما هنالك هو الهامش الذي يضاعف المعنى ويمنحه كثافته.

    بهذا، تتحول القصص إلى مختبرات للارتجاف، حيث يصبح الهامش أكثر صدقا من المركز. وبهذا المعنى، فالهامش ليس مكانا بالضرورة، بل منطقة ظل دون بطولات مصطنعة أو نهايات مريحة؛ هو صيغة مؤقتة للتوازن. ففي القصة تتعلم اللغة نفسها التواضع، وتتخلى عن نبرتها الخطابية، لتصير أقرب إلى همس طويل، لأننا نكتب من منطقة التماس بين الجرح والمعنى. اللغة تصبح هامشا، كما الشخصيات والأمكنة والحبكات. لا شيء ثابت، ولا اهتمام بالبحث عن المراكز.

    من داخل هذا المختبر المفتوح، تعيد القصة تعريف المركز والهامش. إذ أن كل شيء كان صاخبا يتراجع إلى الخلفية، وتبرز في الواجهة تلك التفاصيل الدقيقة التي كانت تمرّ دون انتباه، وذلك عبر تفكيك جميع المسلمات التي احتشدت في أفقنا الفكري والأخلاقي، وتحويل الهشاشة إلى حساسية سردية..

    كتابتك عن ممثلة أمريكية شهيرة في حلقات متعددة تفتح أفقا مختلفا داخل مشروعك. ما الذي جذبك إلى هذه الشخصية؟ هل هي افتتان بالسينما، أم بحث عن صورة أنثوية متصدعة خلف بريق الشهرة؟

    ما جذبني إلى الممثلة “روني زيلويغر” هو حضورها العارم في فيلم “الجبل البارد” للمخرج أنتوني مانغيلا. لم تثرني الممثلة الرئيسة (نيكول كيدمان) بذلك القدر. تراجعت “آنا” لصالح “روبي”، وتراجع “إنمان” أمام “ستيفن”، فحضرت الرسائل. ولهذا أزعم بأن أحداث الفيلم مجرد خلفية سردية لممارسة تشويه الأصل. في الرسائل نعثر على الانكسارات الصغيرة التي تفتك بتماسك الجنود في الجبهة. كما نكتشف كيف يمكن أن نحول الحرب إلى أداء فني غير مسبوق، وكيف يمكن للإنسان أن يفرط في إنسانيته وسط الخراب.

    الكتابة عن “زيلويغر”، اقتضى مني مشاهدة أفلامها الأخرى. ذلك أنني حاولت أن أحول “الرسائل”- التي بلغ عددها حتى الآن مئة رسالة جمعتها في كتاب بعنوان “لا أحد يدنو من روني زيلويغر”- إلى مختبر صامت لفهم كيف تتقاطع الهوية مع الصورة، وكيف يتسرب القلق إلى الأداء، وكيف تصبح “خفة الكائن” جزءا من اللغة نفسها التي يصنع بها النص المعنى.

    ومع ذلك، أدعي بأن الانفتاح على شخصية مثل “روني زيلويغر” ليس افتتانا بالنجومية كما قد يتبادر إلى الذهن، لأنها تحضر في الرسائل كصورة متكسرة لامرأة أخرى، وهذا يتكرر في الكثير من كتاباتي بوجوه مختلفة، وأحيانا متقاطعة. ما جذبني إلى “زيلويغر” هو هذا التناقض بين الحضور الطاغي والفراغ الداخلي. تلك الأنوثة المرهقة والهشة، والتي لا يمكن تحويلها إلى عرض دائم. “زيلويغر” ليست هي كاترين زيتا جونس أو دومي مور أو سكارليت جوهانسون أو جينا أورتيغا أو مارغوت روبي أو كيت وينسلت.. إلخ. حضورها في الفيلم، كما في الرسائل، لا يقوم على صورة مكتملة قابلة للتسويق المستمر، ولا على كاريزما جاهزة تُستهلك بسهولة، وإنما على هشاشة مرئية وارتباك داخلي يتسرب إلى أدائها. فهي غالباً ما تستفزني بقدرتها على تحويل الصمت إلى لغة كاملة. نظرتها المرتبكة، ابتسامتها التي تبدو كأنها نجت من انهيار داخلي، كل ذلك يمنحني مادة خاماً لبناء شخصيات تعيش على حافة الانكسار دون أن تسقط فيه تماماً.

    في الكثير من قصصي، وبحكم اهتمامي الكبير بالسينما، هناك شخصيات سينمائية وأفلام ومخرجون وممثلون، ولذلك فإن حضور زيلويغر ليس أمراً غريباً. فهي لا تظهر بوصفها ممثلة فحسب، بل ككائن سردي يتسلل إلى النص مثل ظلّ يختبر حدود الواقع والخيال معاً. ذلك أن الممثل أو المخرج أو الكاتب حين يدخل المشهد النصي، تتكسر المسافة بين الشاشة والورق، ويصبح القارئ كأنه يجلس في قاعة عرض معتمة، يراقب الكلمات وهي تتحول إلى لقطات، والجمل إلى حركات كاميرا بطيئة تتأمل الوجوه قبل أن تلتقط ارتعاش الأرواح.

    لم أستدع زيلويغر وحدها فقط في نصوصي، هناك جون مالكوفيتش، شارلي شابلن، تارانتيتو، جيم جيرموش، أندرسون، مارغاريت دوراس، أنيس فاردا.. وغيرهم. هؤلاء جميعاً يشكلون، داخل قصصي، ما يشبه العائلة الجمالية الممتدة. إنهم يفتحون للنص منافذ جديدة للرؤية، فيصبح السرد، تبعا لذلك، أشبه بمونتاج داخلي تتجاور فيه الأزمنة والمرجعيات.

    بعد هذا المسار القصصي المشحون بالأسئلة والقلق والتجريب، ما الذي تخشاه في الكتابة؟ الصمت، التكرار، أم أن تتحول القصص إلى أجوبة بدل أن تظل أسئلة مفتوحة؟

    لا يمكن للقصص أن تكون جوابا على أي شيء، لأن الكتابة كما أفهمها تقوم على صيغ غير مُطْمئنَّة. ولهذا أحرص على التعامل معها كمنطقة شك، لأن حقنها بمقدار من الحذر والارتياب والتفخيخ والتثغير هو ما يدفعها إلى الاستمرار. فإذا فقدت القصة قدرتها على طرح الأسئلة، وعلى التفكير والبحث والحركة، ستموت، أو على الأقل ستشيخ وتتغضن وترتخي. ما يجعلها حية على الدوام هو التوتر، فضلا عن العمل المستمر من أجل إنتاج موجات من الاهتزاز بين المتاح وما ينبغي القبض عليه.

    القصة في رأيي هي “استعارة الارتباك الكبرى”. فهي لا تمنحنا سوى معنى مؤقت ينبغي قتله باستمرار لفسح المجال أمام معان أخرى. هكذا أفهم القصة: الاشتغال اليقظ لصنع المتاهات، وتحويل الحكايات إلى خريطة مؤقتة للنجاة من المينوتور. يمكنك أن تجد هذه الخاصية في كل أعمالي تقريبا. لا أحصر القصة في قوالب جاهزة، ولا في أحكام مسبقة، ولا تهمني التوقعات المسبقة.

    أعمل فقط من أجل إبقاء التصدع والارتباك، على مستوى اللغة والبناء والحبكة، وحتى على مستوى “الشيء القصصي”. لهذا، أعتقد أن خوفي الحقيقي يكمن في اللحظة التي يصبح فيها نصي مريحا جدا، وواثقا، ولا يعاني من أي شقوق أو جروح. الكتابة حالة من الالتباس إذا تلاشى ينهار النص، وتنهار أسباب وجوده. ربما لهذا السبب، اخترت بكل وعي أن أمارس الكتابة تحت يافطة “القصة البحثية” التي لا تسعى إلى تمثيل الواقع أو إعادة صياغته فحسب، بل أصبح البحث في النص نفسه، وفي طبقاته وترسباته، وسيلة لفهم الذاكرة، والتاريخ، والعلاقة بين اللغة والمعنى، كما أصبح مساحة نقدية يلتقي فيها البحث السردي بالتفكير النقدي والجمالي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأمراض النادرة.. موسيار: زواج الأقارب يزيد من احتمال انتشارها

    يعد تشخيص الأمراض النادرة صعبا نظرا لكثرتها وتنوعها الشديد، إذ يعتبر التحدي الأكبر الذي يطرحه هذا النوع من الأمراض. ولذلك من الأساسي أن يتم التكفل بها بطريقة جماعية وبمقاربة نظام متعدد التخصصات، يتمحور حول مراكز مرجعية واجتماعات استشارية متعددة التخصصات.

    وفي هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع خديجة موسيار، رئيسة ائتلاف الأمراض النادرة بالمغرب، أفادت من خلاله أنه رغم خطورة الأمراض النادرة فإن الاستراتيجية الوطنية الشاملة  لا تزال غائبة، كما لا يتم اعتماد فحص ممنهج للمواليد الجدد.

    ما أبرز العقبات التي تجعل تشخيص الأمراض النادرة يستغرق خمس سنوات في المغرب، وكيف يمكن تجاوزها بسرعة أكبر؟

    ليست هناك مراكز مرجعية، ففي الدول المتقدمة كل مجموعة أمراض تتشابه يكون لها مركز مرجعي، فإذا شك فيها طبيب ما عام أو مختص، يرسل المريض إلى المراكز المرجعية، وهذه الأخيرة تحتفظ بالتشخيص إذا شكت به أو تقترح تشخيصا آخر، هكذا يتبع المريض مسارا تكون نهايته مضمونة .

    هل توجد لدى المغرب استراتيجية وطنية شاملة لدعم المرضى المصابين بأمراض نادرة، أم أن الجهود ما زالت متفرقة؟

    للأسف، لا توجد استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الأمراض النادرة، خصوصا أننا لا نتوفر على فحص ممنهج عند الولادة. يجب أن يتم الكشف عن كل طفل، سواء ظهرت عليه أعراض المرض أم لا، من أجل رصد الأمراض النادرة والتعامل معها فورا. ومن بين هذه الأمراض « Hypothyroïdie congénitale »، إذ إن تأخر التشخيص يؤدي إلى عواقب وخيمة، على الرغم من إمكانية التشخيص لاحقا.

    في بلادنا، لا تزال  بعض الأمراض النادرة، مثل كليبوتغويد كونجينتال « قصور الغدة الدرقية الخلقي »، تؤدي إلى إعاقة ذهنية لا رجعة فيها، إذا لم يتم التشخيص المبكر. عندما يتم الكشف عن هذه الحالات بشكل مبكر، تتوفر إمكانية العلاج مما يمكن الطفل من النمو بشكل طبيعي.

    كما يلاحظ وجود مرض فيلأتولي الكيتو (Phenylketonuria – PKU) الذي ينتج عن عدم قدرة الجسم على استقلاب بعض المواد، ما يؤدي إلى تراكمها ويسبب إعاقة ذهنية. وغالبا ما يتم الخلط بين الأطفال المصابين بهذا المرض والأطفال الذين يعانون من التوحد.

    إلى أي مدى تلعب العوامل الوراثية والبيئية دورًا في انتشار الأمراض النادرة؟

    الأمراض النادرة تعد بالآلاف، إذ يقدر عددها بحوالي 8000 مرض نادر، ويتم اكتشاف حالات جديدة بشكل مستمر، وتشمل هذه الأمراض العديد من الأنواع، مثل الشيخوخة المبكرة، الأمراض العصبية، اضطرابات الاستقلاب، العظام الزجاجية، وأمراض المناعة الذاتية، التي يشكل يعظمها حالات نادرة.

    وتعود حوالي 80 بالمائة من هذه الأمراض لأسباب جينية، وهو ما يجعلنا نواجه في المغرب تحديا مرتبطا بزواج الأقارب.

    وكما هو معروف، فزواج الأقارب يزيد من احتمال انتشار الأمراض النادرة، ففي بعض الحالات تكون نسخة من الجين الحامل للمرض لكن تلزمه نسخة أخرى من أجل أن ينتج المرض، وبمجرد تزاوج الأقارب تكون حظوظ أكثر من أجل أن يكون لديهم نفس الجين وبالتالي يحدث المرض عند الأطفال، إذن زواج الأقارب من المشاكل التي يجب التصدي لها.

    إقرأ الخبر من مصدره