الدكتور كمال أكوجكال يكتب : “من آسفي.. حكاية عشق”

Écrit par

dans

الأحداثالدكتور كمال أكوجكال

في اليوم الثالث من يوليو 2003 حللت بآسفي لأول مرة منذ سنوات، ولكن هذه المرة بصفتي أستاذا بالكلية. لم تكن الكلية قد بنيت بعد، لم يكن لها وجود…لم أجد في المكان المخصص لها  سوى الرافعات والمسويات وغيرها من آلات الحفر والتسوية…غبار يتطاير هنا وهناك، مخاض ميلاد مؤسسة…مخاض عسير وزمن أكثر عسرا… تولد عن المخاض جوهرة هندسية جميلة بالفعل وانتابتني أحاسيس الوجود والانتماء وخضت معها عسر الميلاد وعسر البدايات…
لكنها اليوم مجرد ذكريات تدق أبواب أيامي كلما حل الثالث من يوليو الحار وكأنها من بعض المطر زخات…
اليوم بعد اثنين وعشرين سنة أجد نفسي هنا بآسفي الغالية قادما من العاصمة الرباط، مدينة الأنوار كما يسمونها….
عدت والظلام يحجب طريقي، عدت والليل الدامس يلفني، عدت مبعثر الأفكار، عدت تاركا  خلفي كل شئ …كل شئ وكل الناس…عدت وحيدا ومنعزلا. كان وباء الهلع والاكتئاب المعدي قد طالني كما أغلب سكان العاصمة ومرتاديها…
عدت إلى دياري، إلى مسكني، عدت إلى حيث روحي ووجداني…عدت إلى أهلي فكل الأهالي في حاضرة المحيط أهلي…
عدت وحذقت مطولا في المحيط. المحيط مختلف عن محيط الرباط…
لمحيط آسفي جمال أخاذ…
غير أن الأوضاع في المدينة زادت سوء للأسف…
أزبال متناثرة هنا وهناك، حفر غائرة في أزقة حي يقع في قلب المدينة…حمقى أكثر من العاقلين يجوبون الشوارع، كما سائقي الدراجات النارية المتهورين…والباحثين عن لقمة العيش في صناديق النفايات أكثر مما قد نتركه جميعا من مخلفات…
المدينة تبدو في حالة لا ترضي أحد…
المدينة تنتحب أو تموت في صمت…
لكن المدينة ليست أسورا وبنايات…
المدينة غناها في من يقطنها…
كرم أبناء آسفي لا حدود له…
في أقل من شهر، تعرفت على أصدقاء جدد وصاروا يمدونني بالنصيحة والاستشارات تلو الأخرى…
قدموا لي يوم أمس العزاء والمواساة في وفاة رفيقي الطائر الذي لم أختر له اسما بعد، بل اقترح أحدهم دفنه بنفسه بعدما اتضح له أنني كنت مستعدا للتخلي عن الجمل بما حمل…كنت مستاء ورميت القفص بجانب السيارة بعد أن اكتشفت أن الطائر نفق اختناقا داخلها بسبب الحرارة.
اقتنيت طائرا آخر بسرعة، لونه مختلف…
اللون ليس كل شئ…
الطائر الجديد أكثر ثقة من سابقه، هادئ وقليل الحركة، يغرد بشكل مختلف وبصوت أقل حدة…
لن يعوض أبدا المفقود…
لن يعوض أحد أبي ولا أحد أعز أصدقائي الذين فقدتهم إلى الأبد في نفس السنة…
أشعر اليوم باليتم لغياب والدي وأقاسيه أيضا بسبب غياب صديقي الحميم وزميلي ورفيقي (ذ. عبد الرحيم أحمين)، ولا سيما وأنا هنا بآسفي…
لنا معا ذكريات الأمجاد، حيث كنا نتفاخر ونحتفل بتفوق تلك الطالبة أو ذلك الطالب ونتحدث بإسهاب عن بناتنا الطالبات وأبنائنا الطلبة اللائي والذين لم ننجب أيا منهن أو منهم.
رحل عن هذا العالم تاركا خلفه فراغا لا يمكن أن يملأه أو يعوضه أحد.
أراه اليوم في عيون بناته اللواتي تناديني أكبرهن سنا خلافا لذلك الزمن الغابر : “عمي كمال”.
صرت عما، غزا الشيب رأسي ورسم عليه ما مضى من أزمنة بحلوها ومرها.
تغيرت كثيرا، شكلا لا مضمونا، لكن أبناء آسفي الأبرار سرعان ما تعرفوا علي ورحبوا بوجودي بشكل جعلني أخجل من مغادرتي المدينة في سنة الجائحة…تلك السنة التي حرمتنا هي الأخرى من كثير من الأحبة وغيرت مجرى حياتنا إلى الأبد…

هيئة التحرير5 سبتمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره