الأحداثبقلم الدكتور كمال أكوجكال
ارتبطت أسماء مدن ومناطق وجامعات بأسماء أعلام أو بنعوت قبائل…بعض الأسماء غريبة لدرجة تصيبك بالحيرة بل بالدوار…وعلى ذكر الدوار، فالمغاربة لا يسمون دواويرهم باسم مؤسس الدوار، بل باسم أولاده، من قبيل أولاد غانم مثلا، وأحيانا باسم أحفاده من قبيل ولاد بن رحمون… يذكرني كل ذلك بصاحب مقهى بآسفي الذي سلك المقاربة المعاكسة في اختيار اسم لمقهاه…المسمى أرض باديس (بالانجليزية). سألته يوما عن سبب التسمية، فقال أن الزقاق اسمه ابن باديس وأنه فضل التسمية لأن الإبن آت من الأب وأن هذا الأخير خلف الأرض بعد السلف… فالأرض ومن عليها ملك الأصول لا الفروع… عدت إلى آسفي في بداية شهر غشت وفوجئت بوفاة صاحب المقهى وكارول الفرنسي الذي غادر مسقط رأسه آسفي بعد أن بلغ إحدى عشر سنة، والذي عاد إليها وقضى فيها نفس المدة تقريبا قبل المغادرة إلى دار البقاء… أسر لي من تكفلوا بمواراة جثمانه الثرى بأن حارس الحي كان مصرا على تغسيله قبل دفنه، قائلا بكل غضب : إذا كانت الصلاة عليه غير جائزة، فإن تغسيله واجب وأنه مستعد للقيام بذلك بنفسه… أناس أنا متأكد أنك لن تجدهم في أي من تلك الأحياء في المدن الكبرى الجليدية… هؤلاء ما أكثرهم في هذه المدن الصغرى! اليوم، نعم اليوم كما كل يوم يفاجئك أحدهم… قال لي أحد الزبناء في مقهى بمدينة أزمور قبل قليل أن مكاننا في الدار الآخرة… وليس في الأرض… كنت سألت النادل عن طاولة قرب مزود بالكهرباء حتى أتمكن من شحن بطارية هاتفي، فقال : ذاك القابس معطل، وحده ذاك قرب طاولة مجاورة يأتي بتلك الطاقة الضرورية في زمن الاتصال…لكن الطاولة الأخرى كانت مشغولة، بل إن من يحتلها يشحن هاتفه من ذاك القابس… فما كان إلا أن تدخل ذلك الزبون وقال لي يمكن أن تشحن هاتفك هنا، وأنا مستعد لمغادرة هذه الطاولة… أردفت قائلا ألا داعي لذلك، ففضاء المقهى شاسع على كل حال وأنني سأجد حتما مكانا آخر…لا داعي لتغيير مكانك… فقال تلك العبارة… مكاننا هناك (السماء) وليس على الأرض… عبارة وسلوك يسميان إلى عوالم التفلسف، إلى السمو الذي قلما تجده في المدن الكبرى…
بين آسفي والدار البيضاء توجد مدن أصغر ومداشر بها أناس خدومون وشرفاء، لكن أسماءها محيرة… حد السوالم مثلا…كيف للسلم أن يكون محدودا في زمن تطوى فيها السلالم وتطول كما يحلو لك… كيف تم وضع حد لسلم مدينة توسعت إلى درجة فتح الحدود بينها وبين أكبر مدينة في البلاد؟؟؟ متى كان البئر جديدا وضخما؟ فقد أضحى متسعا إلى أقصى الحدود…في حين أن البئر بالضرورة ضيق!!! ثم آثنين اشتوكة… كيف أتى أبناء قبيلة من جنوب المغرب إلى وسط البلاد…أما أزمور…أزمور بأسوارها وناسها والأساطير المحبوكة حول تاريخها تجعلك تنسى أنها المدينة الوحيدة في المغرب المطلة على أهم واد في المملكة…واد يقسم المملكة إلى شطرين… هي باريس هذه البلاد… بل أفضل من باريس، إذ لا يفصلها عن الشاطئ سوى دقيقة واحدة على متن السيارة وعشر دقائق عن عاصمة دكالة… لدكالة باب خاص بهم بمراكش، ولعله الأشهر في المدينة الحمراء… أشهر حتى من باب أغمات… ولكن لأزمور شاطؤها… ذلك الشاطئ المنسوب مباشرة للحوز…جاء أبناء أحواز مراكش، أتوا غزوا للسواحل يوما ما وتركوا لزوجتهم الحوزية ولأبنائهم وبناتهم تلك الأرض الطيبة… ذلك الشاطئ الممتد والبديع الذي عدت إليه اليوم بعد ثلاثين سنة لإحياء صلة الرحم مع ذكريات الطفولة، وذكريات الاصطياف، وذكريات اكتشاف البحر، وذكريات العشق الأول، وذكريات تتجاوز كل الذكريات…عدت فعلا إلى زوجة الحوز في دكالة بعد انفصال عبدة عن دكالة وعقد قران آسفي على الحمراء… (يتبع)
هيئة التحرير11 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره