الشباب المغربي بين الإحتجاج والإبتكار المفتوح: من الغضب الإجتماعي إلى الإبداع التشاركي

Écrit par

dans

بقلم: الدكتور جمال العزيز

شهدت الأيام الأخيرة تداول دعوات على بعض المنصات الإلكترونية للخروج في تظاهرات يومي 27 و28 شتنبر 2025 بعدد من المدن المغربية، احتجاجا على ما يوصف بالأوضاع الكارثية التي يعرفها قطاع الصحة العمومية، إضافة إلى مطالب اجتماعية أخرى. ورغم مشروعية القلق الشعبي إزاء وضعية المستشفيات، والخدمات الإجتماعية، والبطالة في صفوف الشباب، فإن خطورة هذه الدعوات تكمن في غياب التأطير وغموض الجهات المنظمة، مما يجعلها مفتوحة على احتمالات الإستغلال وإثارة التوتر الإجتماعي.

هذا الوضع يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن للشباب المغربي التعبير عن مطالبه المشروعة، والمشاركة في صنع القرار، دون الوقوع في فخ العدمية أو الإنجرار وراء دعوات مجهولة؟ الجواب، في تقديري، يكمن في تبني مقاربة جديدة عنوانها: الإبتكار المفتوح (Open Innovation).
من ثقافة الإحتجاج إلى ثقافة الإقتراح

يتميز الجيل الجديد من الشباب المغربي بحس نقدي عال، وانفتاح على العالم الرقمي، ورغبة في التغيير السريع. لكن هذه الدينامية غالبًا ما تُختزل في الإحتجاج، بدل أن تتحول إلى طاقة اقتراحية تسهم في صياغة حلول عملية.

الإبتكار المفتوح يقدم بديلًا واقعيًا، حيث لا يظل القرار حِكرًا على المؤسسات، بل يصبح ثمرة تفاعل جماعي بين الدولة، الجامعات، المقاولات الناشئة، والمجتمع المدني. وهنا ننتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الإبداع المشترك.

مفاهيم جديدة في الابتكار المفتوح

الإبتكار التشاركي (Co-creation):

إشراك المواطنين بشكل مباشر في صياغة السياسات العمومية والخدمات.

الإبتكار الإجتماعي (Social Innovation):
تصميم حلول عملية للتحديات الإجتماعية مثل الصحة والتعليم والتشغيل.

المختبرات الحضرية (Living Labs):

فضاءات داخل المدن تُختبر فيها الحلول بمشاركة فاعلين متنوعين قبل تعميمها.

الحكامة المبتكرة (Innovative Governance):
اعتماد أدوات رقمية ومنصات مفتوحة لزيادة الشفافية وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

التجارب الدولية:

فنلندا:
اعتمدت نموذج “المختبرات الحضرية” لتطوير حلول في النقل والصحة بمشاركة المجتمع المحلي.

إستونيا:
جعلت من الرقمنة ركيزة للحكامة، فأتاحت للمواطنين متابعة وتنقيح السياسات العمومية عبر منصات إلكترونية.

الهند:
أطلقت “India Innovation Portal” كمنصة وطنية مفتوحة لاستقبال حلول الشباب والباحثين في مجالات الصحة والتنمية الاجتماعية.

البرتغال:
اعتمدت “الموازنة التشاركية” التي تخول للمواطنين اقتراح وتمويل مشاريع محلية عبر آليات ديمقراطية رقمية.
هذه التجارب تثبت أن التغيير الإجتماعي لا يمر فقط عبر الضغط في الشارع، بل أيضا عبر آليات مؤسساتية مبتكرة تجعل المواطن شريكا في الحل.

في المغرب، يظل قطاع الصحة من أبرز نقاط التوتر الإجتماعي. ضعف البنية التحتية، نقص الموارد البشرية، وطول آجال الإنتظار كلها عوامل تُغذي الإحباط. لكن بالموازاة، هناك فرص كبيرة:

الجامعات المغربية تُخَرِّج سنويًا آلاف الباحثين القادرين على تطوير حلول تقنية وصحية.

الجماعات الترابية تملك ميزانيات يمكن توجيهها لبرامج ابتكارية تشاركية( مع تحيين الإختصاصات الذاتية للجماعات الترابية على المستوى المحلي).
الرقمنة أصبحت واقعا بعد جائحة كوفيد-19، ويمكن استثمارها في منصات مشاركة المواطنين.

ما ينقصنا ليس فقط الإمكانيات، بل منصة وطنية للإبتكار المفتوح، تُحوِّل الغضب إلى حلول، والإحتجاج إلى اقتراح.

نحو رؤية بديلة:

خارطة طريق بثلاثة مستويات

قصير المدى:

إنشاء منصات رقمية محلية تسمح للشباب بتقديم أفكار لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتأهيل قدراتهم المهنية و المعرفية.

متوسط المدى:

إطلاق “مختبرات حضرية” في كبريات المدن (الدار البيضاء، الرباط، فاس، مراكش، طنجة، أكادير، وجدة، مكناس، القنيطرة، بني ملال)،لتجريب حلول مُبتكِرة بتعاون بين الجامعات والجماعات الترابية والشباب والوزارات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني وجميع المتدخلين.

طويل المدى:

تأسيس “المركز المغربي للإبتكار المفتوح” كإطار وطني يربط بين البحث العلمي وصناعة القرار العمومي.

رسالة أمل للشباب المغربي:

الشباب المغربي اليوم أمام مفترق طرق: إما الإنجرار وراء دعوات مجهولة قد تزيد الفجوة بينه وبين المؤسسات، وإما تبني مسار جديد يقوم على الإبداع المشترك. إن بناء الثقة بين المواطن والدولة يمر عبر إشراك الشباب ليس فقط كقوة احتجاج، بل كقوة اقتراح.

لقد آن الأوان لنعترف أن الإصلاح لن يُصنَع داخل جدران المؤسسات وحدها، ولا في الشارع وحده، بل عبر عقل جماعي مبتكِر، يُدمِج الجميع: الدولة، المواطن، الجامعة، والمقاولة. هذا هو الطريق نحو مغرب جديد، يليق بطموحات شبابه، ويعيد الأمل في مؤسساته.

إقرأ الخبر من مصدره