الأحداث الدكتور كمال اكوجكال
مراكش الحمراء… مراكش وجامع الفناء..
مراكش والمراكشيون… مراكش وناسها المبتهجون…
أهلا بك في مراكش… أهلا بك “يا بيه… أهلا بك يا باشا…”
في مراكش طويت سنواتي الجامعية الأولى… سنوات خالدة بما تخللها من نعيم الحرية والانعتاق والاعتماد على الذات بعد الحصول على الباكالوريا…
حصلت على الباكالوريا في الآداب غير مكترث آنذاك بالموجة الجديدة… بل موضة العصر بالتوجه نحو التخصصات العلمية… كنت من نجباء “الثانوية الجديدة” قبل تغير اسمها بعد زمن إلى ثانوية الشهيد صالح السرغيني التأهيلية… تأهلت منها بتفوق إلى الجامعة… تأهلت منها وسافرت للتسجيل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش في شتنبر سنة 1995. لم يحالفني الحظ في “قرعة” امتياز الحصول على مكان في الحي الجامعي المتاخم للكلية… قرعة غريبة… قرعة عجيبة… يتم تجميع كافة البطائق الوطنية للطلبة المرشحين في صندوق، ليتم بعد ذلك سحب بطائق المستفيدين “بشكل عشوائي” من ذات الصندوق من قبل لجنة تطل من سطح أحد بنايات الحي الجامعي على ساحة اجتمع فيها جيش عرمرم من المرشحين…
تزاحم وتدافع المرشحين يزداد كلما اقتربت ساعة الحقيقة… الحقيقة المرة… وتزيد الأمور مرارة، بل خطرا حقيقيا عندما تترك اللجنة، بعد نطق أسماء المستفيدين، ذلك الصندوق المليء ببطاقنا وتنصرف… يتحول الصندوق إلى فريسة يرغب في افتراسها آلاف الذكور… استعادة البطاقة الوطنية أشبه بحرب ضروس… تدافع إلى حد الاختناق… وأحيانا لكمات من هنا وهناك… وقد تعود في النهاية بخفي حنين… تضيع بطاقتك كما تضيع كرامتك في تلك الفوضى وسط وبين الحشود… تتذكر في النهاية أنك لست من المستفيدين… نعم لن تستفيد من السكن في حي جامعي لسنة جامعية كاملة مقابل أداء مبلغ لا يتعدى خمسمائة درهم… الحي الجامعي للأكثر حظا… الأكثر حظا في القرعة أو ربما بما تقارع الآباء عليه مع المسؤولين… لا يملك باقي الطلبة إلا مواساة بعضهم البعض بأهمية الاعتماد على الذات وإيجاد غرفة، ولو كانت في “ديور المساكين” (الوحدة الثالثة) أو في إحدى الوحدات الأربع الأخرى لحي الداوديات…
ويكون الطالب أكثر حظا إن وجد رفقة أصدقائه، في أحياء أخرى جديدة وغير بعيدة من كليتي الآداب والحقوق، من قبيل أسيف أو البديع أو إيسيل، غرفة للكراء بحصة من السومة الكرائية لا تتجاوز مائتي درهم شهريا على أكثر تقدير لكل رأس…
كنا، نحن القادمون من خارج مراكش، مضطرين إلى تحمل ذلك العبء الإضافي الذي لا مناص منه… لا مناص منه لأن لا أهل لنا ولا عشيرة في مدينة لونها قاني… يحيلك اللون الأحمر عموما على الخطر إلى أن تكتشف أن ذلك اللون الذي يزين أزقة مراكش وسماءها كلما حل الغسق يعني الحرية والزهو…
حرية لم أكن مستعدا لها وكنت ممتعظا منها لأنني أتيت بحثا عن العلم لا عن اللغو والبهجة… لكن البهجة تدركك… البهجة تغمرك… البهجة في كل مكان ولدى كل الناس في مراكش… لن تحزن أبدا في مدينة الفرح والسعادة… لن تيأس في مكان تملؤه ضحكات هنا وهناك بسبب نكتة أو كلمة أو تحية تخرج عن المألوف… الرتابة… الرتابة لا مكان لها… أحزان البدايات تذهبها أزمنة من سرور… أنت في حضن مدينة تحكيك القصص المسلية… أنت في مكان لا مكان فيه للتفكير في الصعوبات… جميع الناس يفكرون في الترف والترفيه… لا مكان لكلمة أخرى غير كلمة يسر… كل كلمة ترفه عن النفوس…
إنها مدينة البهجة… إنها مدينة من لا مدينة له… تفنى الهموم كما فنى قبلها ما يسر… تفنى الهموم لأنك في بلاد البهجة… بلاد البهجة والزهو…
بعد تخرجي من جامعة القاضي عياض بسنوات، عدت إلى مراكش أستاذا بها… أستاذ مع وقف التنفيذ… اشتغلت بالجامعة وليس في مراكش… الجامعة الأكثر تمددا في المغرب… توجد مؤسساتها في آسفي والصويرة وبني ملال وقلعة السراغنة، بالإضافة إلى مراكش بالطبع… في سنة الجائحة، غادرت كلية آسفي… غادرت تلك الجوهرة المعمارية البديعة بآسفي وتركت ناسها إلى كلية الحقوق العتيدة بمراكش… مراكش التي كنت زائرا وفيا لها وشاهدا حيا على تحولاتها… ولم أكن أختار من فنادقها العديدة سوى فندق الزاهية… زاهي في مراكش وزاهية معي الحياة في مدينة المجون والانقلاب على الذات… مدينة الزهو الذي لا ينتهي… مدينة البهجة المتقدة اتقاد شمسها الحارقة…
هيئة التحرير27 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره