
خالد غيلان
تقديـــم
يُمكن اعتبار علاقة السِّينما بالمدينة علاقة وُجودية ووجدانية ليس إدراكاً من جهة واحدة فحسب بل هي علاقة تَفاعلية مُتحركة في الاتجاهين وأكثر؛ من الواقع إلى عالم الأحلام، والعكس صحيح، وهي دعوة عامة للكشف عن ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سَمعتْ، وتفترض بالتَّالي وجود العين الثالثة “عين المتفرج”. نتعرَّفُ من خلال السينما على واقع المدن، كما نتعرف على أماكن لم نزرها من قبل، ونهتدي بالخصوص لاكتشاف الأحياء التي نُقيم فيها بحيث يتبين أننا لا نعرفها بالفعل. هكذا تلتئم السينما بالمدينة لتُشكل نُسخاً طبق الأصل لها وزيادة عن ذلك؛ مُلتقطة ما تبخر في أزقتها واندثر، ناقلة أحاسيس أهاليها دون أن يستشعر المُخَطّط، والسِّياسي، والفاعل الاقتصادي لما يجري، “فيحدث تأثير حقيقي وتَأثرٌ”، كما يقول رولاند بارت (1993).
السِّينما تلك القدرة العجيبة على التأثير في الإدراك
تقتربُ المدينة شيئاً فشيئاً، وفي غفلة من قاطنيها، من المُخرج ومن المُمثل فتبوح لهما، وتبتعد عن جل الزائرين وتتمرد عليهم ولا تقبل الصُّلح إلا بواسطة الفن، والفن السَّابع على وجه الخصوص، الذي يُعيد الاعتبار لها من زوايا مُختلفة؛ بروائحها، وضجيج دروبها وأسواقها، وبكواليس غرفِ بيوتها، فتُزيل السِّتار عن مُهمشيها في لحظة انشغال الجميع بروتين الحياة. تـقوم السِّينما بواجباتها مُتحملةً مسؤولية الوساطة بين التَّجمعات السكانية وقاطنيها لكن بطريقة جمالية تشدُّ إليها انتباه جمهور المشاهدين، ففي كل مشهدٍ متحرك كثافة حسية تستحق المُعاينة عن قُرب وكذلك تستدعي جُملاً من التَّأويلات.
وتستطيع السِّينما، والحالة هذه، أن تأخذ وأن تُعطي مُساهمةً في الدَّفع بالظواهر الحضرية للواجهة مُبرزة مقومات آلياتها وتأثيرها على نفوس المُتفرجين أو المُبدعين. فقبل أن تكون الحواضر تجمعات مادية مكتظة بالنَّاس وبالأشياء، فهي قبل كل شيءٍ، عبارة عن صور تعيش في مخيلة الساكنة وأذهانهم. فالسينما لا تُعيد إنتاج نفس الظواهر فحسب، بل تُبدع باستخدام الرُّموز برغبة جامحة في تمثيل المدينة على أحسن وجهٍ. ويمكن للسينما أن تفتح، على هذا النحو، آفاقًا جديدة فتبني جسور التَّواصل لتُعرِّف بالمدينة وقد تدفع بعجلة تنميتها إلى الأمام إذا ما تضافرت الجهود بين المُبدع والمُتَلقي والفاعلين المحليين. لا توجد سينما بدون جمهور، هي “منجزٌ فني” بتعبير أندري بازان (1981) بالتقاطها لأجزاء من الواقع بحس جمالي، وهي في نفس الوقت حضور خاص من خلاله تَفكُّ شفرة المجتمع الحضري المعقد الظواهر كما عبر عن ذلك الناقد سيغفريد كراكور بترديده لمقولة: “ تُخبر وتُكوِّن”. كما أن محتواها التَّعبيري، بحسب نفس الناقد، لا يكتمل المعنى إلا بتفاعل الجمهور لأنَّها من البداية للنهاية عرضٌ فُرجوي بغاياتٍ وأهدافٍ.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
فإذا كان في صفوف النّقاد من يؤكد بأن الرِّواية الحديثة قد وُلدت مع المدينة الصناعية الكُبرى وسوق المال والأعمال، فإن السينما وُلدت، بحسب سياق النشأة والتطور، لتواكب المَدَّ العُمراني. فأصبحت منذ ذلك الحين وسيلةً أساسية للتعبير عن هذا المُنعرج بحيث ستستوعب بسرعة باقي الوسائط دون أن تقضي عليها فتكاملتْ معها مثل تكاملها مع الصُّورة الفتوغرافية، واللَّوحة التشكيلية، والقصيدة، والنوطة الموسيقية، والمسرح، والرِّواية، وما إلى ذلك من أصناف التَّعبيرات لتصب في قالب يتميز بحسب والتر بنيامين بخاصيتين: “أولا قيمة ثقافية، وثانياً خاصية العرض”.
وأدرك عُمداءُ المدن بأن تسويق مُدنهم يتطلب الاعتماد على السِّينما لأنَّها تمتلك القدرة العجيبة على دمج المكتوب والمنطوق في إطار صور متحركةٍ ومؤثرةٍ. فظلوا يُلاحقون أشهر المخرجين لإنجاز أفلام في فضاءات حواضرهم، سواء باعتبارها ديكوراً أو حقيقة réalité-cinéma. فرُصدت بالتَّالي الاعتمادات المالية واللوجيستيكية لإنجاز أفلامٍ حول العديد من المدن خاصة بأوربا وبالشَّمال الأمريكي.
وفي هذا المضمار اختار مخرجو “الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة” و“الواقعية الجديدة الإيطالية” تصوير مشاهد في إطارها الحقيقي حتى يُجسد الفيلم روح الصِّراع الاجتماعي. وطبقاً لمنطقهم النَّظري والتطبيقي، كان لابُدَّ أن يكون المكان واقعيًا ليكون الفيلم كذلك. يقول النّاقد والتر بنيامين نقلا عن مشيل ماكس راينو (2010): “بالنسبة للإنسان المُعاصر، فإن صورة الواقع التي تقدمها السينما أكثر أهمية بكثير من الوسائل التعبيرية الأخرى [الرسم مثلاً]، لأنها تنجح في ولوج قلب هذا الواقع بتجنيد تجهيزاتها وآلياتها”.
وعليه، سمحتْ هذه التَّجارب بتطور السِّياحة السينمائية مما دفع بعض المُشاهدين لزيارة الأماكن التي تابعوها في يوم من الأيام على شاشة السِّينما. لن يتوقف المخرجون عند مقولة “ نسخ الواقع كما هو”، لأن الصور في مجملها “ تبدو معقولة وطبيعية بقدر ما تكون مُشبعة بحس إبداعي وفقًا لعدد مُعين من القواعد؛ فهي ليست نُسخاً طبق الأصل للواقع فقط”، بالعودة لوجهة نظر النَّاقد بيير فرانكستيل (1956). ويعتبر المحلل النفسي جاك لاكان بأن “ الواقع يظل دون معنى ” مما يستوجب اللَّمسة الإبداعية عند الإنجاز بغرض العرض احتراماً لذوق الجمهور.
هل تُخرج السِّينما المدينة التي نُريد؟
تشهد المدن حالياً، كما هو معلوم، نموًا مُتزايدًا في الحجم والعدد جعل دخول الألفية الثالثة يتميز بالانتقال من ألفية لا تزال ريفية إلى ألفية جديدة تتسم بالتَّحول نحو “عالم حضري شامل”. والمغرب ليس بمنأى عن ذلك، فالأرقام تُثير الانتباه، مُشيرةً إلى هيمنة المدِّ العُمْراني بحيث قفزتْ نسبة التمدن سنة 2024 لمعدل 63%. وفي هذا الصدد يقول لويس مومفورد في كتابه (المدينة عبر التاريخ، 1961): “… يظهر لنا العالم بأسره اليوم على هيئة مدينة”؛ فالمد الحضري واقع لا مفر منه، وبالتالي فالمدينة مُمَثَّلَة والمدخل لفهمها والترويج لها هو السينما من بين وسائط إبداعية أخرى؛ سواءٌ كانت الصُّور المُلتقطة إيجابية أو حتى سلبية.
تؤكد عدة دراسات ورسائل جامعية بأن السينما أصبحت الوسيلة الأساسية والضرورية لتمثيل المدينة. كما يَتبينُ فالذَّاكرة أمستْ تتغذى من خلال الأفلام التي تُزود المِخيال وتُنظمه ممَّا يُساعد على فكِّ رموز الواقع كما يقول بايي Bailly (1993).
وهذا المِخيال هو الذي تُشير إليه عدَّةُ بحوث جامعية وهو ما يُفسر الاهتمام بالسِّينما كصناعة قائمة الذات راهنت عليها الدُّول في الغرب (هوليود على سبيل المثال) مع بروز تجارب رائدة في دول الجنوب (بالهند، ومصر…) مساهمة في ربط الأمكنة بالمعاني والدَّلالات.
لقد صار البحث عن الصورة المُميزة للمدينة، في ظل المنافسة الحضرية العالمية، أولوية بالنسبة لعمداء المدن. فالحاضرة التي لا تمتلك صورةً واضحةً ومعروفةً تَبقى مجهولة الهوية. فالمدن الكبرى وحتى المتوسطة والصغرى مُطالبة بخوض غمار بناء الهوية البصرية عن طريق الصُّورة المتحركة التي تمكنها من الانتشار على نطاق واسع. ولِكَيْ توجد، يُفترض لِزاماً أن تحتل مكانتها أولًا في الذّاكرة بحيث لا يمكن فصل المدينة عن التمثلات كما أورد ذلك لفي ستراوس (1955).
تظل السينما بالنسبة لمهندسي المدن كما هو الحال بالنسبة لجميع المختصين في التخطيط العُمراني، مصدر جذب ترفيهي لا علاقة له بجدية الممارسة، ولذلك، لا يزال مجال الربط بين السينما والتنمية الحضرية غير مُستكشف إلى حد كبير. إنَّ السينما، بالرجوع للنقاد، تفتح لنا آفاقًا لفهم كيفية “وجود المدينة”؛ وكيف تكتسب شخصيتها لتصبح واضحة المعالم وبالتالي مُتَخَيَّلة ومرئية، تقترح ثقافة وتُمكن زُوارها من خوض تجارب فريدة ومتنوعة. يقول ماكس راينو (2010) “هكذا خطرتْ للمنتج والمخرج ولويليام وايلر فكرة تعريف الأمريكيين بسحر روما السِّياحي في فيلم (عطلة رومانية)”.
منذ صدور الأفلام عن بعض المدن الغربية كما هو الحال لفيلم (كينغ كونغ) الذي قدم نيويورك للعالم سنة 1933 “كشكل حضري حديث وأكثر إثارة…فتحولت ناطحات السحاب وتمثال الحرية لرموز خالدة بالنسبة لنيويورك” كما وضح ذلك ماكس راينو (2010) ولو في ظل الأزمة العالمية. وتوال صدور الأفلام فيما بعد بصغية إيجابية حول باريس، ولندن، وبرشلونة، وحتى بصيغة سلبية كما هو حال للفيلم المخصص لمدينة (بريج) البلجيكية.
وانتقلت عدسة الكاميرات صوب مدن الجنوب ومنها المغرب، ولا يمكن أن نقوم هنا بجرد شامل لكل الأفلام التي تناولت بشكل خاصٍ أو عامٍ، الحواضر المغربية لتظل مدينتي الدار البيضاء ومراكش على رأس القائمة التي ولجت الشَّاشة الكبرى مُبكراً، مع الإشارة لشهرة مدينة ورزازات التي تحولت لفضاء سينمائي يستهوي المُنتجين والمُخرجين العالميين لأنها تُقدم ديكوراً تتوفر فيه متطلبات الإضاءة والطبيعة والمِعمار. احتضنت ورزازات الكثير من الأفلام مثل ما حصل مع: (لورانس العرب،1962) ، من إخراج ديفيد لين، وبطولة بيتر أوتول، (الرجل الذي سيصبح ملكاً، 1975)، من إخراج جون هيوستن، و( أضواء النهار الحية، 1988)، و(الإغراء الأخير للسيد المسيح، 1997) من إخراج مارتن سكورسيزي، (غلاديايتر،2000) من إخراج ريدلي سكوت، بطولة راسل كرو، و( لعبة تجسس، 2001) من إخراج توني سكوت، وشارك في بطولته روبرت ريدفورد وبراد بيت، وغيرها من الأفلام والبرامج الوثائقية التي حولت مدينة ورزازات والمنطق القريبة منها (كمعلمة آيت بن بنحدو) “لهوليود إفريقيا” بحسب النقاد الأجانب.
وعلى منوال مدينة ورزازات ستلج بعض المدن المتوسطة والصغيرة عالم السينما والصورة المتحركة ومن بينها مدينة شفشاون التي لا يمكن فصل حركيتها السياحية عن بناء “صورة المدينة” بحسب الباحث غيلان خالد، (2022). وتزكي الباحثة نوال الشاوني (2016، 2018) علاقة الجاذبية السياحية بإنتاج أفلام ومسلسلات تلفزيونية (“الحسين والصافية” الذي صور سنة 2011 وعرض على القناة المغربية الثانية في نفس السنة، من إخراج عبد الرحمان التازي وبطولة سامية أقريو ورشيد الوالي، “وبنات لالة منانة” السلسلة التي عرضت على القناة الثانية المغربية سنتي: 2012-2013 من إخراج ياسين فنان وبطولة كل من السعدية أزكون وسامية أقريو ونورا الصقلي والسعدية لديب، إضافة إلى نادية علمي وهند السعديدي، انضافت أسماء أخرى مثل ياسين أحجام وإدريس الروخ. والقصة، كما هو معروف، مستوحاة من نص «بيت بيرناردا ألبا» للشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا). ساهمت هذه الأفلام في تقريب مدينة شفشاون من مغاربة الداخل ومغاربة العالم.
وساهمت تيمة “الجوهرة الزرقاء” في جلب السياح من الداخل والخارج. وهكذا انتقلت حاضرة شفشاون من الانغلاق إلى الانفتاح الكلِّي، ويالتالي عرفت كيف تجمع بين “معارف البيان والوسائط المرئية” في بيئة لا زالت محافظة.
ولا يسع المرء إلا أن يندهش من العدد الكبير من المنتجات السينمائية والإعلانات والفيديو كليب التي أُنتجت خلال هذه الفترة المتراوحة بين 2010-2022 في سياق بناء الهوية البصرية بالرغم من وجود المدينة خارج محور طنجة – الدار البيضاء، المحور المستقطب للاستثمار وللبشر. وقد لوحظ تأثير هذه الأعمال على تدفقات السياح المحليين بشكل ملحوظ بعد عامي 2012 و2013. وتتجلى هذه الحماسة بزيارة السياح لمواقع التصوير مرة أخرى مثل ما وضح ذلك الباحثان: نوال الشاوني (2016، 2018)، وغيلان خالد (2022)، مما أتاح “إعادة تجسيد هذه الصور، مع تعزيز الغرابة والمتعة المرتبطة بالمكان”، كما أكد ذلك غرينييه (2011) نقلا عن نوال الشاوني (2018). لقد ساعد ذلك على تشكيل “أمكنة مُفعمة بالعاطفة والانفعالات” بفضل تشبيك العلاقات بين الفاعلين: محلياً، وطنياً، ودولياً.
ويجري بالمدن المغربية: كمراكش، الرباط، طنجة، تطوان، وجدة، خريبكة، بني ملال، وزان تنظيم مهرجانات للسينما من خلالها يتم تعميق النقاش حول دور الفيلم في نشر الوعي الثقافي في أفق دعم التنمية المحلية بفتح فضائها على الصورة المتحركة وربطها بالجمهور الواسع وجدانياً وذهنياً.
خاتمة
تُعَدُّ الإبداعات الفنية في الزمن الراهن وسيلة من بين الوسائل لقراءة المدينة والتكامل مع وظائفها وتوسيع رؤية المشاهد لها مما يغني الذاكرة المشتركة ويُقويها. يمكن بالتالي رؤية التقارب بين المدينة والسينما بعين المتفرج المتفاعل الذي يحلم بتغيير الواقع لِوضعٍ يُسعدُ السُّكان والزّوار. فلم تعد السينما مجرد فرجة بل أصبحت تمثلا ضرورياً بمعانيه التأويلية. فمن الممكن أن يراهن عليها الفاعل المحلي وعلى الصورة المتحركة عامة، من أجل الجلب فترشد الباحث والمتابع، والسائح لجوانب جوهرية وجودية ومعرفية وجمالية من مدننا حتى الصَّغيرة منها.