هبة بريس – عبد اللطيف بركة
تبدو العلاقات المغربية الجزائرية، رغم توترها الطويل، كمرآة تعكس تناقضات الجوار والقدر المشترك، أكثر مما تعكس الصراع أو القطيعة. فبين الماضي والحاضر خيط رفيع من المحاولات غير المكتملة لبناء الثقة، يربط بين لقاء أكادير سنة 1973 وخطاب الملك محمد السادس في 31 أكتوبر 2025، الذي دعا فيه إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرباط والجزائر، على أساس الحوار والثقة وحسن الجوار.
من الماضي: لقاء أكادير وبداية الجفاء
يستحضر التاريخ لقاء أكادير سنة 1973 كعلامة فارقة في مسار العلاقات المغربية الجزائرية. حينها، جمع اللقاء الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، في محاولة لإعادة الدفء إلى علاقات بدأت تهتز بفعل سوء الفهم وانعدام الثقة.
لكن اللقاء، كما تسجله مذكرات ولد داداه، كان بارداً وفاتراً، وانتهى دون تحقيق اختراق حقيقي. بدا أن الجفاء بدأ يتغلغل بين البلدين رغم ما كان يجمعهما من مشروع وحدوي لتحرير الصحراء وبناء فضاء مغاربي متكامل، يشبه ما كانت عليه منطقة “الرور” الصناعية بين ألمانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت تلك اللحظة التاريخية بمثابة بوابة نحو مرحلة من الفتور والتوجس، تُوجت لاحقاً بقطيعة غير معلنة، ثم بصدامات سياسية ودبلوماسية متكررة.
الكرونولوجيا: من الثقة المفقودة إلى الحوار المؤجل
منذ اتفاقية إفران عام 1969، ثم اتفاقية ترسيم الحدود سنة 1972، سعى القائدان الراحلان الحسن الثاني وبومدين إلى تجاوز الخلافات الحدودية والإيديولوجية. لكن سرعان ما أطاحت الحساسيات السياسية ومحاولات الانقلاب بتلك الجهود، لتعود أزمة الثقة إلى واجهة العلاقات الثنائية.
تكررت محاولات الوساطة: موريتانيا، السعودية، مصر… لكن الجذور العميقة للأزمة لم تكن في قضية الصحراء كما يُعتقد، بل في غياب الثقة وتضارب التصورات حول الزعامة الإقليمية ومستقبل الاتحاد المغاربي.
في المقابل، ظل الوعي الشعبي في البلدين متشبثاً بروابط الأخوة والتاريخ المشترك. شخصيات مغربية وجزائرية عديدة نادت بضرورة تجاوز الحسابات السياسية الضيقة لصالح مشروع مغاربي أوسع، مؤكدين أن أي مواجهة بين البلدين هي “عملية انتحارية” لا غالب فيها ولا مغلوب.
الحاضر: خطاب 31 أكتوبر.. نحو مصالحة ممكنة
بعد نصف قرن من لقاء أكادير، يأتي خطاب الملك محمد السادس في 31 أكتوبر 2025 كدعوة جديدة لإحياء الثقة وبناء مستقبل مختلف. الخطاب، الذي خاطب فيه الملك الشعب المغربي، حمل رسالة مباشرة إلى الجزائر: أن الحوار هو الطريق الوحيد الممكن، وأن العلاقات بين البلدين لا تحتاج إلى وساطة، بل إلى إرادة صادقة وإيمان بمصير مشترك.
الرسالة لم تكن سياسية فحسب، بل رمزية أيضاً؛ فهي أعادت إلى الواجهة روح الأخوة التي حاولت الجغرافيا والحدود أن تطمسها. فالملك، كما فعل والده من قبل، مدّ اليد من جديد في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بتقلبات أمنية واقتصادية، تجعل من الوحدة المغاربية خياراً استراتيجياً لا مفر منه.
من خطاب أكادير إلى خطاب المستقبل
الكرونولوجيا الممتدة من لقاء أكادير إلى خطاب 31 أكتوبر تُظهر أن التحولات السياسية لا تُقاس بالسنوات، بل بجرأة المبادرات. اليوم، تغير السياق الإقليمي والعالمي:
أفريقيا تشهد تحولات جذرية في موازين النفوذ
القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تعد تنظر بعين الريبة إلى تقارب مغربي جزائري، بل تراه ركيزة لاستقرار شمال أفريقيا.
الشعوب المغاربية، التي أنهكتها التجزئة، باتت أكثر وعياً بأن مستقبلها مرهون بالاندماج والتعاون.
نحو أفق جديد
إن خطاب 31 أكتوبر ليس مجرد استمرار لسياسة اليد الممدودة، بل هو انطلاقة جديدة لعلاقة ممكنة، تُبنى على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فالتاريخ علّمنا أن الأزمات لا تُحلّ بالقطيعة، وأن بناء الثقة عملية طويلة لكنها ممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية والشجاعة التاريخية.
تماماً كما كان لقاء أكادير في سبعينيات القرن الماضي محاولة أولى للالتقاء، يمكن أن يكون خطاب 31 أكتوبر بداية لمسار جديد، ينقل العلاقة من مرحلة الشك إلى مرحلة التفاهم، ومن عبء الماضي إلى أفق المستقبل.