منذ الخطابات الملكية المتتالية الداعية إلى إصلاح عميق للإدارة العمومية، تواصل الحكومة التأكيد على أن التحول الرقمي هو الرافعة المركزية للنجاعة.
إلا أن تقرير الموارد البشرية، على الرغم من غناه بالأرقام والمشاريع، يميل إلى الطابع التبريري أكثر من التحليلي، فهو يسرد المنجزات دون تقديم مؤشرات دقيقة حول مدى تأثير الرقمنة في تحسين الخدمات أو تقليص آجال المعاملات الإدارية.
ورغم إشادة التقرير بمشاريع مثل منصة “إدارتي” أو تنظيم مناظرات الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يتفادى التطرق إلى التفاوت الرقمي بين الإدارات والجهات، حيث ما تزال مؤسسات كثيرة تعمل بأساليب تقليدية، تفتقر للبنية التحتية الرقمية والموارد البشرية المتخصصة.
كما يغيب عن التقرير أي تقييم لمستوى رضا المواطن والمقاولة، وهو ما يجعل الحديث عن “تحول رقمي شامل” أقرب إلى شعار سياسي منه إلى واقع ملموس.
يُظهر التقرير أن عدد موظفي الدولة بلغ سنة 2025 حوالي 576 ألف موظف مدني، أي أقل بنحو 9 آلاف مقارنة بسنة 2015. ظاهريا، يعكس هذا الرقم تحكما في كتلة الأجور، لكن من زاوية أخرى، يكشف اختلالا ديموغرافيا ووظيفيا، إذ يواكب هذا الانخفاض تزايد عدد السكان وارتفاع الطلب على الخدمات العمومية.
البيانات تشير إلى أن 69% من المناصب المالية الجديدة ذهبت إلى قطاعات الداخلية والدفاع والصحة، مقابل تراجع ملحوظ في قطاعات التعليم والثقافة والبيئة. وهو ما يعكس أولوية أمنية واجتماعية آنية على حساب الاستثمار في رأس المال البشري والمعرفة.
أما على مستوى التوزيع الجغرافي، فلا يقدم التقرير مؤشرات دقيقة حول تمركز الموظفين في الجهات، مما يحجب النقاش حول العدالة الترابية في توزيع الموارد البشرية، خاصة في المناطق القروية والجبلية التي تعاني خصاصا مزمنا.
كما يستعرض التقرير تفاصيل دقيقة حول الأجور والنفقات، مشيرا إلى زيادات تدريجية في الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص، ومراجعة الضريبة على الدخل.
غير أن القراءة النقدية لهذه المعطيات تُظهر أن التحسن في الأجور لا يواكب ارتفاع كلفة المعيشة، خصوصا في المدن الكبرى. فبينما يرفع التقرير شعار “تحسين القدرة الشرائية”، يغيب أي تحليل مقارن بين الأجر الصافي ومؤشر الأسعار أو مستويات الفقر.
كذلك، تكشف الجداول أن الفوارق بين السلالم ما تزال واسعة، إذ تستهلك الفئات العليا جزءا كبيرا من كتلة الأجور، في حين تبقى الأطر المتوسطة والدنيا محدودة التعويضات رغم مسؤولياتها الميدانية.
وتبقى كتلة الأجور عبئا ثقيلا على الميزانية العامة، إذ تتجاوز نسبتها 40% من ميزانية التسيير و10% من الناتج الداخلي الخام، مما يجعل أي إصلاح للوظيفة العمومية رهينا بمعادلة دقيقة بين التحكم المالي وضمان العدالة الأجرية.
النقطة الأضعف في التقرير تكمن في غياب البعد التقييمي. فلا وجود لمؤشرات دقيقة حول الإنتاجية الفردية أو الجماعية، ولا أثر ملموس لبرامج التكوين أو تحديث الكفاءات. وحتى الإصلاحات الكبرى، مثل تبسيط المساطر أو تشغيل الخبراء، تُعرض أرقاما لا قصص نجاح قابلة للقياس. ويبدو أن المقاربة الحكومية لا تزال أسيرة منطق الكم بدل الكيف، إذ تُقاس الإصلاحات بعدد المناصب أو المراسيم لا بنتائجها الاقتصادية والاجتماعية.
يقدم تقرير الموارد البشرية 2025 صورة رسمية مطمئنة، تُبرز التزام الدولة بالرقمنة والحوار الاجتماعي وتحسين الأجور، لكنه يغفل النقاش حول جودة الإدارة وجدوى الإصلاحات.
إن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط “إدارة رقمية”، بل إدارة ذات ثقافة تقييم ومحاسبة، تربط بين الأداء الفردي والنتائج الملموسة للمواطنين. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الوثائق أو المنصات الرقمية، بل بمدى شعور المواطن بأن الإدارة تخدمه بكفاءة وعدل.
وبينما يستمر الخطاب الرسمي في تمجيد التحول، يظل التحول الفعلي رهينا بإرادة مؤسساتية تقطع مع البيروقراطية، وتعيد الاعتبار للوظيفة العمومية كرافعة للتنمية لا كعبء على الدولة.