محمد صادق*
كشفت الجزائر عن مبادرة دبلوماسية جديدة تهدف إلى إحياء مسار السلام في مالي، إدراكا منها بأن التدهور السريع للوضع في شمال البلاد يهدّد مباشرة أمنها القومي. وخلال مؤتمر صحفي عُقد في 18 نوفمبر 2025، أكّد وزير الدولة ووزير الشؤون الخارجية، أحمد عطّاف، أن «المخاطر المتراكمة في مالي تُقلق الجزائر أكثر من أي بلد آخر». وأشار إلى أن الجزائر تمدّ يدها إلى أشقّائها الماليين، وتبقى على استعداد لتقديم دعم سياسي ودبلوماسي وتقني من أجل المحافظة على وحدة مالي واستقرارها، مؤكّدا أن «الأزمة الراهنة لا يمكن حلّها إلا عبر الحوار السياسي والمسار السلمي».
ولا تمثّل هذه المبادرة مجرّد خطوة دبلوماسية رمزية، بل تأتي استجابة لظروف شديدة التعقيد تشمل تنامي النزعة الانفصالية الأزوادية، وتزايد التدخلات الخارجية، واحتمال انهيار الدولة المالية، إضافة إلى التفاقم الخطير لنشاط الجماعات الإرهابية. وهي عوامل تدفع الجزائر إلى اعتبار أن الوقت قد حان للتحرّك. وفي هذا السياق، أوضح أحمد عطّاف قائلا: «أملُنا الوحيد أن يُدرك القادة الماليون ضرورة العودة إلى المسار السياسي، وأن يقتنعوا بأن الحلّ لا يمكن أن يكون عسكريا أو إقصائيا، بل يجب أن يستند إلى خيارات سلمية وتوافقية».
تصاعد النزعة التوسّعية لدى جبهة تحرير أزواد (FLA): مشروع “أزواد الكبرى” يثير قلق الجزائر
منذ أشهر، يشهد شمال مالي عودة قويّة لجبهة تحرير أزواد (FLA)، التي عزّزت وجودها الميداني قرب الحدود الجزائرية. وقد رافق هذا التقدّم تطرّف متزايد في الخطاب السياسي للجبهة، ولا سيما بعد تصريحات العبّاس آغ إنتالا، أحد أبرز قادتها، الذي دعا إلى إنشاء دولة طوارقية مستقلة وإلغاء الحدود الاستعمارية التي فرّقت الشعب الطوارقي بين الجزائر ومالي والنيجر وليبيا وتشاد وبوركينا فاسو.
وما أثار قلق الجزائر أكثر هو تصريح سيد بن بيلا الفردي، ممثّل تنسيقية الحركات الوطنية الأزوادية، حين قال إن الطوارق «يطالبون الجزائر بالأراضي المسلوبة». هذا الخطاب ذو النزعة المراجعية يوسّع دائرة المطالب لتشمل مناطق من الجنوب الجزائري، حيث تعيش مجموعات طوارقية ترتبط بعمق بقبائل أزواد في مالي.
ميدانيا، استفادت جبهة تحرير أزواد من ضعف الجيش المالي واستئناف القتال لتوسيع نطاق سيطرتها، مما أضفى طابعا “واقعيا” ـ على الأقل في خطابها ـ على مشروع “أزواد الكبرى” ذي الامتدادات العابرة للحدود.
دعم خارجي محتمل وصراعات نفوذ حول الملف الطوارقي
تنشط طموحات جبهة تحرير أزواد في بيئة دولية تزداد تعقيدا. ففي مايو الماضي، قام بلال آغ الشريف، زعيم الجبهة، بجولة سرّية في عدد من العواصم الأوروبية طلبا لدعم سياسي لإنشاء دولة أزوادية مستقلة.
وتفيد مصادر مقرّبة من الحركة بأنه تلقّى ردودا إيجابية من بعض دوائر القرار في باريس، ما عمّق شكوك الجزائر في ظلّ التوتر المستمر بين البلدين، وعزّز مخاوفها من وجود تدخلات خارجية في الملف.
وفي سياق متصل، نشر معهد “نيو لاينز” الأمريكي مؤخرا تقريرا مثيرا للجدل يدّعي أن الدولة الجزائرية تُهمّش الطوارق في الجنوب، داعيا واشنطن إلى التدخّل في قضايا المنطقة ومنح المنظمات الطوارقية مساحة أوسع في الشؤون المدنية الجزائرية.
ويرى خبراء أن هذا الخطاب يُعد أداة ضغط جيوسياسية قد تُشجّع – على المدى المتوسط – ديناميكيات انفصالية داخل الجزائر نفسها.
وتعزّز الإشارات الأوروبية والأمريكية المتزامنة قناعة الجزائر بوجود استراتيجية دولية تسعى إلى تسييس واستغلال المسألة الطوارقية.
مالي على حافة الانهيار: تهديد مباشر للجزائر
يتمثّل مصدر القلق الثالث للجزائر في احتمال انهيار الدولة المالية تحت ضغط الجماعات الإرهابية، ولا سيما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) التي كثّفت هجماتها منذ سبتمبر على العاصمة باماكو، الأمر الذي أدّى إلى عجز الدولة عن توفير الأمن وضمان تدفق السلع الأساسية، ما فاقم الأزمة الاقتصادية.
وتشير تحليلات عدّة إلى أن سقوط النظام المالي قد يحدث أسرع مما كان متوقعا. وبالنسبة للجزائر، فإن هذا السيناريو يمثّل تهديدا مباشرا، إذ قد يتيح الانهيار فتح ممرّات لتحرّك الجماعات الإرهابية نحو الجنوب الجزائري، كما قد يؤدي إلى موجات نزوح ضخمة من الفارين من العنف، وهو ما يهدّد بإحداث حالة عدم استقرار جديدة على الحدود.
وقد دفعت هذه التطوّرات الحكومة الجزائرية إلى التعبير رسميا عن قلقها من المخاطر المحدقة بأمن واستقرار الجنوب.
لماذا ترى الجزائر أن الوقت حاسم للتحرّك؟
أمام هذه التهديدات المتشابكة، ترى الجزائر أن تحرّكا دبلوماسيا سريعا بات ضروريا لقطع الطريق أمام أي كيان أزوادي مسلّح على حدودها. فالديناميكية الحالية، التي تجمع بين النزعة الانفصالية والدعم الخارجي والتحالفات المتغيّرة مع التنظيمات الإرهابية، تهدّد بتحويل شمال مالي إلى منطقة خارجة عن السيطرة، تمتد آثارها نحو الصحراء الجزائرية.
وفي الوقت نفسه، تستشعر الجزائر في بعض الإشارات الصادرة من باريس وواشنطن محاولة لتوظيف القضية الطوارقية سياسيا، وتسعى إلى إحباط هذه المساعي عبر تثبيت الاستقرار في المنطقة ومنع تحويل الملف إلى ورقة ضغط جيوسياسية ضدها.
ويستند عنصر الاستعجال أيضا إلى احتمال الانهيار الشامل للدولة المالية، وهو سيناريو من شأنه إطلاق موجة إعادة تشكّل عنيفة في منطقة الساحل. وإدراكا لهذا الخطر، ترغب الجزائر في استعادة دورها الطبيعي كقوة دبلوماسية إقليمية تراهن على الحوار والوساطة وصياغة حلول سياسية قابلة للاستمرار.
وبذلك تؤكد الجزائر إرثها في حلّ الأزمات الإقليمية سلميا، خاصة من خلال اتفاق الجزائر لعام 2015 الذي ساهم في تهدئة الأوضاع بمالي. ومن خلال مبادرتها الجديدة، تسعى الجزائر إلى استعادة ريادتها عبر الدبلوماسية واتفاقات السلام الشاملة.
الخاتمة
من خلال مبادرتها الدبلوماسية الحالية، تهدف الجزائر إلى منع سيناريو يجتمع فيه الانفصال المسلّح، والتدخّلات الأجنبية، والانهيار المؤسسي. وفي منطقة الساحل التي تقف على حافة إعادة تشكّل عنيفة، يبدو تحرّك الجزائر ليس مشروعا فحسب، بل ضروريا.
فبفضل خبرتها الطويلة في الوساطة وحل النزاعات سلميا، تمتلك الجزائر قدرة حقيقية على إعادة الأطراف المالية إلى المسار السياسي، ومنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى.
وإن نجحت في إعادة تفعيل الحوار وفرض إطار توافقي والحد من التدخلات الخارجية، فستتمكّن – كما حدث عام 2015 – من لعب دور حاسم في استقرار مالي والمساهمة في إعادة التوازن الإقليمي الذي بات أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
- كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية