رضوان بوسنينة
قطعت العدالة بالمغرب أشواطا في الإصلاح، ومن محاسن الصدف وإننا نعيش على حسم القضاء الدستوري في المسطرة المدنية والرسائل التي تكرس لنفس إصلاحي يعيد طرح مجموعة من الأسئلة المرتبطة،بفلسفة العقوبة بالمغرب والأثر الاقتصادي للجريمة وأنسنة السجون وتقييم استقلال القضاء ،وإشكالية التنزيل للعقوبات البديلة .
فلسفة العقوبة بالمغرب
تمثل العقوبة الجزاء الذي يلحق الشخص المدان، بعد صيرورة الحكم الجنائي نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به، وهي تمس مباشرة دمته المالية (الغرامة) أو حريته (العقوبات الحبسية والسجنية (، أو حقه في الحياة (الاعدام).
وقد تميز النظام العقابي في التشريع المغربي منذ وضعه بفلسفة أمنية تستند الى العقوبة باعتبارها الأداة الوحيدة للتحقيق الردع ومحاربة الظاهرة الاجرامية، ويظهر أن العقوبة في التشريع المغربي لم تستطع أن تتجاوز الطرح التقليدي الذي يتجه نحو الزجر، في وقت انفتحت فيه التشريعات الجنائية المقارنة عليه مقاربات اخرى بديلة سواء فيما يخص الدعوى العمومية أو العقوبات النافذة.
ومن ثمة فإن البحث في هذه فلسفة العقوبة إن على مستوى الوطني أو المقارن يكتسي أهمية كبيرة، ليس من حيث فهمها واستيعاب منطلقاتها، بل أيضا من حيث الوقوف على مدى نجاعتها في تحقيق عدالة جنائية وضمان استقرار وتوازن المراكز القانونية للأفراد والمركز الممتاز للدولة.
لأن حداثة النظام العقابي أصبح شأنا عالميا يهتم به المنتظم الدولي، ويجد مرجعيته كذلك في الوثائق الدستورية الوطنية، ومنها الدستور المغربي، مما ينبغي معه تنزيل متطلباتها وضماناتها وآليات تحقيقها على مستوى القانون الجنائي المغربي.
ولان العقوبة لم تعد قادرة على مواكبة المستجدات الطارئة بالنسبة للتشريع المغربي، في الوقت الذي اخذت فيه القوانين المقارنة ببدائل، فان المشرع الجنائي المغربي لم يتبنى سياسة جنائية واضحة بشأن البدائل التي تهم العقوبة.
لذلك حاول المشرع المغربي تجاوز النظام العقابي الحالي الذي اضحى يعيش عقما حقيقيا في تدبيره للسلوكات الاجرامية المختلفة، فقد اعاد النظر في النظام العقابي من خلال مجموعة من المقتضيات الجديدة التي ادرجها بمسودة مشروع القانون الجنائي، وفق رؤية جديدة تبحث في محاربة ظاهرة الاجرام لتفادي عقوباته وايجاد بدائل عقابية اخرى كحلول خارج المؤسسة السجنية.
فالعقوبات البديلة للعقوبات السالبة للحرية توحي من الوهلة الأولى على نظام جزائي يختلف عن فرض العقوبة السالبة للحرية ضد المحكوم عليه فهي مجموعة من البدائل تتيح للقاضي إمكانية اللجوء إليها بدل الحكم بعقوبات نافذة وهي بذلك لا تختلف في كنهها عن العقوبة السالبة للحرية من حيث النظام القانوني لأنها تعبر عن نوع خاص من الجزاءات يفرضها المشرع الجنائي على مرتكب الجريمة وبالتالي فهي تخضع لنفس المعايير التي تخضع لها العقوبة النافذة الاصلية.
من ناحية أخرى يتم اللجوء الى العقوبات البديلة في الجرائم البسيطة او الجرائم قصيرة المدة حيث يحكم على المجرم بالعمل مثلا لفائدة المنفعة العامة بدون اجر وفق شروط وظروف معينة فهي إذن باختصار اللجوء الى عقوبات غير حبسية بدلا من العقوبات الحبسية .
فقد تطورت السياسة العقابية بفضل النظريات التي وضعها علماء الاجرام والعقاب والبحوث التي أنجزت في هذا المجال والتي أفضت إلى أن العقوبة السالبة للحرية لا تتحقق أهدافها التي تروم حماية المجتمع، كما أن السجون لا تقوم بدورها في تأهيل وإعادة ادماج السجناء فضلا عن تضخم القوانين الزجرية والجنائية بالعقوبات النافذة وفشل السياسات الجنائية المعاقبة في تحقيق الأمن القانوني والتقليل من نسب الاجرام والحد من تفشي حالة العود.
وقد ترتب عن هذه البحوث والدراسات أن توجه المنتظم الدولي إلى الأخذ بنظام العقوبات البديلة تحت رعاية الأمم المتحدة كما هو شأن المؤتمر المنعقد في ميلانو سنة 1985 الذي أوجب اتخاذ كافة التدابير والإجراءات الناجعة لمعالجة ظاهرة الاكتظاظ في السجون والاستعاضة قدر المستطاع عنها بالتدابير البديلة بهدف إعادة تأهيل ودمج المحكوم عليهم في المجتمع باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي وضمان إعادتهم الى بيئتهم الطبيعية كأعضاء فاعلين في المجتمع.
وقد تضمنت التوصية رقم 16 التشديد على وجوب اتخاذ التدابير اللازمة لعلاج ظاهرة تكدس السجناء باتخاذ كافة الاجراءات لتبني العقوبات البديلة كطرق انسانية تسهل اعادة التأهيل والإدماج بشكل ايجابي في المجتمع.
ومن أجل تفعيل ذلك أوصت الأمم المتحدة بما يلي:
- أن تعمل الدول الأعضاء على زيادة جهودها الرامية إلى الحد من الأثار السلبية للسجن؛
- تكثيف البحث عن الجزاءات المعقولة التي لا تشترط الحبس كوسيلة لتخفيض عدد السجناء؛
- الانكباب على دراسة الجزاءات التي لا تشترط الحبس للبحث عن التدابير الرامية للإدماج الاجتماعي للمجرمين.
وجدير بالذكر أن الفلسفة العامة للأخذ بنظام بدائل العقوبات السالبة للحرية تحاول تجاوز الهدف التقليدي للعقوبة المتمثل في إيلام الجاني والانتقام منه إلى التقليل من قسوة هذه العقوبة بشكل يحفظ التوازن بين حرية الإنسان وكرامته وبين حق المجتمع في الزجر والحد من ارتكاب الجرائم.
الأثر الاقتصادي للجريمة
لقد شهدت السنوات الأخيرة ميلاد أنماط إجرامية مستحدثة تتصل بجرائم تهريب النقد وتزييفه(1)، و الجرائم الاقتصادية المتعلقة بإخفاء المواد الاستهلاكية أو بيعـــــها بأعلى مـــن سعرها، ومن ثم يمكن أن تمثل إلى حد كبير اتجاها جديدا في الأنماط الإجرامية الني تتخذ طابعا اقتصاديا عاما ، وترتبط الصورة المستحدثة للجرائم بعملية التغيير الاجتماعي ارتباطا وثيقا، إذ أن الجريمة كظاهرة أو مشكلة اجتماعية تخضع لمبدأ التنمية الاجتماعية.
إن بعض الجرائم اليوم هي في صورة مغايرة وجديدة و مختلفة عن جرائــــــم الأمس التي كانت جديدة بالنسبة للجرائم قبلها، مفهوم الجرائم المستحدث يعني بالضرورة صورا جديدة من الجرائم، دلك أن المجتمعات اليوم تعرف تغييرا اجتماعيا، تغييرا في الأدوار و المكانات الاجتماعية و الاقتصادية و التربوية و النفسية و الثقافية مما يؤدي إلى تغيير الانتماء إلى فئات أو طبقات اجتماعية متمايزة، إضافة إلى التحول الاقتصادي الكبير وانتشار الصناعة و الزراعة و إدخال الحضارة الحديثة المتمثلة في استخدام الآن و المكاتب المتطورة.
واتباع الأساليب الحديثة في البرامج الاقتصادية قد أوجد مراكز جديدة للأفراد و الجماعات مغايرة نماما للمراكز السابقة التي كان يشغلها هؤلاء الأفراد و تلك الجماعات.
فإذا كانت التنمية تقوم على دعامتين أساسيتين هي التوسع في الإنتاج الفلاحي و التركيز على التصنيع، فإنه من المتعارف عليه في مجال التصنيع هو العماد الذي يستطيع أي مجتمع أن يحقق لأعضائه ما يتوقون من عيش رغيد يتفق مع طموح الإنسان في هدا العصر فالصناعة هـــي القادرة على الوفاء بأعظم الآمال في تحقيق تقدم اقتصادي و اجتماعي، و التحضر مرتبط بالتصنيع أيما ارتباط .
أما بخصوص العلاقة بين التنمية الاقتصادية و الجريمة الناجمة عنها (الجريمة الاقتصادية) فقد عرفت المجتمعات مند فترة بعيدة الجرائم الاقتصادية كنتيجة للقيود الاقتصادية التي تصحب الأزمات و الحروب، وبرزت على نطاق واسع مع بدء الحرب الكونية الأولى بعد تطبيق نظم التسعير بالنسبة للمواد التموينية و توزيعها، إلا أنه بعد دلك يمكن القول بأن الجرائم الاقتصادية لا تقتصر فقط على الدول التي تملك وسائل الإنتاج كلا أو بعضا، أو التي تقتصر على توجيه الإنتاج فهـــي تظهر أيضا في الدول التي تأخذ بنظام الاقتصاد الحر، فيلجأ إلى إصدار تشريعات تنظم المنافسة و حماية التجارة و الملكية الصناعية و التجارية. لهدا فإن الجرائم الاقتصادية تحتل مكانا بارزا في قوانين العقوبات المعاصرة و إن اختلفت في مداها تبعا للنظام الاقتصادي و الاجتماعي للدولة..
كما اتسع نطاقها ليشمل مظاهر جديدة أوجدها تغيير العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية الني حدثت في كافة أرجاء العالم، وطبعا من ضمنها المغرب.
ويمكن القول باختصار شديد أن الجرائم الاقتصادية تنشأ عن الازدياد في تحول العلاقات الاقتصادية التقليدية مما يطلق عليه بالاقتصاد الحر إلى علاقات جديــــدة تزداد الغلبة و السيطرة فيها للدولة و للمجتمع نفسه على أساس تنظيمي جديد تصبح فيه هده العلاقات الجديدة، أي ملكية الدولة و ملكية المجتمع شرطا لا غنى عنه لقيام و تطور المجتمعات المعاصرة مستقبلا في اتجاه متقدم.
وبناء على ما تقدم يمكن القول أن حماية السياسة الاقتصادية لبلد ما يعني حماية وسائل هده السياسة سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو التوزيع أو الاستهلاك أو التشغيل أو التصدير.
فالبنسبة للمشرع المغربي و رغبة منه في حماية الاقتصاد الوطني من جميع الأخطار التي قد تعصف باستقرار وثباته عن طريق المس بالتوازنات الكبرى التي تشكل قوام الاقتصاد الوطني، نجده تدخل في الشؤون الاقتصادية، وكانت وسيلة هدا التدخل وضع قيود تحد من الحرية الفردية المطلقة التي تلخصها عبارة “دعه يعمل دعه يمر”.
وبحسب “المساء”، فقد أوضحت معطيات تقرير معهد الاقتصاد والسلام أن كلفة العنف ارتفعت خلال سنتي 2014 و2015، مقارنة بسنة 2013، حيث انتقلت من 12 مليار دولار أمريكي لتصل خلال السنتين ذاتيهما ما يفوق 16 مليار دولار أمريكي لكل منهما، بما يعادل 491 دولارا للفرد الواحد، وهو ما يفسر التقارير السابقة التي ذهبت إلى أن أمن المغاربة وسلامتهم الشخصية تراجعت بفعل مجموعة من العوامل، من ضمنها ارتفاع معدلات الجريمة والاتجار في البشر والاضطرابات الاجتماعية والعنف السياسي والجرائم، حيث أدت هذه العناصر إلى إضعاف السلامة الشخصية للأفراد.
وتابع تقرير المعهد البريطاني أن كلفة العنف تقدر بـ 6.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما جعل المغرب يحل في المركز 91 من أصل 163 دولة شملها التقرير. هذا الارتفاع يعزى إلى الجهود التي تهدف إلى ضبط الأمن، خصوصا مع التحديات التي بات يطرحها الوضع الأمني في دول عدة، والتي تعقبها الكثير من التحذيرات من طرف دول غربية.
في غضون ذلك، سبق لتقرير نفس المعهد أن كشف أن أمن المغرب وسلامه تراجعا مقارنة بالسنتين الماضيتين، وباتا أكثر كلفة اقتصاديا واجتماعيا من ذي قبل، نتيجة ارتفاع موجة العنف وانتشار الجريمة، حيث كشف التقرير أن المغرب تراجع بـ30 درجة على مستوى مؤشر السلام مقارنة بتصنيف سنة 2014، في حين تراجع بـ 6 درجات مقارنة بتصنيف سنة 201
أنسنة السجون
تعد العقوبات البديلة أحد أعمدة بناء دولة الحق والقانون، حيث أفضى الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، إلى ترسيخ القناعة بتبني إصلاح جذري عميق يستشرف مستقبلا يواكب التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية .
فمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء تعمل على النهوض بالبرامج الإدماجية لساكنة الفضاءات السجنية مع السعي إلى أنسنتها باعتبارها محطة ثانية، وفرصة جديدة لتأهيل وإصلاح النزلاء ثم مواكبتهم بعد الإفراج قصد إدماج مثمر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، إنشادا لدرء العود إلى الجريمة.
لكن مع أزمة اكتظاظ السجون بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الاعتقال الاحتياطي، وفي خضم ما سبق ذكره يعد قانون العقوبات البديلة من أهم الأوراش التشريعية ومحركا أساسيا لمنظومة العدالة الجنائية، لارتباطه الوثيق بمجال حماية الحقوق وصيانة الحريات ومكافحة الجريمة، ومواكبة التطور الحاصل على مستوى الأنظمة الجنائية المعاصرة.
بعدما شكلت العقوبات السالبة للحرية عجزا لا سيما في الجرائم البسيطة قصيرة المدة، باعتبارها وسيلة عقابية باهظة التكاليف لا سيما في ظل الارتفاع المتزايد للساكنة السجنية، ناهيك أن الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية خاصة القصيرة المدة، التي لا تكفي زمنيا لتحقيق برنامج تأهيلي فعال ومتكامل، زيادة على كونها تسمح باختلاط من هم قليلو الخطورة مع السجناء ذوي الخطورة الإجرامية.
فوعيا من المشرع المغربي بأهمية هاته البدائل، فقد أحاطها بترسانة قانونية حيث نجد تعريف للعقوبات البديلة في الفصل 1-35 على أنها العقوبات التي يحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا واستثناء لهته القاعدة فلا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة معاودة ارتكاب المجرم لنفس الفعل، “لا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة العود”، كما لا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة ارتكاب الجاني لإحدى الأفعال المنصوص عليها في الفصل 3-35، والمتمثلة في الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والإرهاب، الاختلاس أو الغدر أو الرشوة، غسل الأموال، الجرائم العسكرية، الاتجار الدولي في المخدرات، الاتجار في المؤثرات العقلية، الاتجار في الأعضاء البشرية، الاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعية إعاقة.
مما يفيد بأن القانون رقم 43.22 أعطى للعقوبات البديلة تأسيسا تشريعيا خاصا تضمن حيزا كبيرا لدور مختلف الأجهزة المتدخلة في عملية تنفيذ العقوبات البديلة، من خلال تعزيز دور النيابة العامة في تفعيل العقوبات البديلة ومراقبة تنفيذها، ومنح سلطة واسعة للقاضي الزجري في الحكم بالعقوبات البديلة في إطار السلطة التقديرية، مع إسناد مهمة التنفيذ القضائي للعقوبات البديلة إلى قاضي تطبيق العقوبات.
كما أسند هذا القانون للنيابة العامة، إلى جانب المحكوم عليه أو دفاعه أو الممثل الشرعي للحدث، صلاحيات متعددة تمارسها بمناسبة تطبيق أحكامه كأن تلتمس من المحكمة استبدال العقوبة الحبسية المحكوم بها بعقوبة بديلة.
كما عهد إليها بإحالة المقرر القاضي بعقوبة بديلة بعد اكتسابه لقوة الشيء المقضي به، إلى قاضي تطبيق العقوبات الذي يتولى السهر على تنفيذ إجراءات هذه العقوبة.
بالإضافة إلى صياغتها لمستنتجات تقدم إلى قاضي تطبيق العقوبات قبل الفصل في جميع المنازعات المتعلقة بتنفيذ العقوبات البديلة أو وضع حد لتنفيذها، كما ستعمل رئاسة النيابة العامة من جهتها على تتبع ومراقبة مدى إعمال هذه البدائل لبلوغ الغايات السامية التي شُرعت من أجلها.
كما صنف العقوبات البديلة إلى العمل لأجل المنفعة العامة ويقصد بها العقوبة التي تصدرها جهة قضائية مختصة تتمثل في قيام الجاني بعمل يعود بالفائدة على المجتمع دون أن يتقاضى أجرا على ذلك العمل وينجز لمدة تتراوح بين 40 إلى 3600 ساعة.
كما أن من بين العقوبات البديلة التي تساهم في أنسنة السجون نجد تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية حيث تكمن الغاية من بديل هاته العقوبة، اختبار المحكوم عليه للتأكد من استعداده لتقويم سلوكه واستجابته لإعادة الإدماج داخل المجتمع.
هناك الغرامة اليومية حيث عرف لنا المشرع المغربي الغرامة اليومية، بأنها بديل للعقوبة الحبسية، وتتمثل في مبلغ مالي تحدده المحكمة عن كل يوم من المدة الحبسية المحكوم بها، وبالرجوع لمقتضيات الفصل 15-35 من القانون نفسه، نجد أن مبلغ الغرامة اليومية محدد بين 100 و2000 درهم عن كل يوم من العقوبة الحبسية المحكوم بها، وتراعي المحكمة في ذلك الإمكانيات المادية للمحكوم عليه وتحملاته المالية وخطورة الجريمة المرتكبة والضرر المترتب عنها.
كما أن من بين بدائل العقوبات السالبة للحرية نجد المراقبة الإلكترونية، فهذه الآلية تضمن للمتهم حرية التنقل، من جهة، وتقلل من نفقات الدولة على السجين، سواء المتعلقة بالمبيت أو الأكل المخصص للسجناء، فضلا عن عدد الحراس.
تقييم استقلال القضاء
يُعد تقييم استقلال القضاء عملية مستمرة ضرورية للتأكد من تحقيق العدالة الفعالة والحفاظ على حقوق جميع المواطنين في ظل حكم القانون.
واستقلالية السلطة القضائية قد تم تكريسها دستوريا بمقتضى الدستور الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 91 .11. 1 الصادر في 27 شعبان 1432 الموافق ل 29 يوليوز 2011، بالتنصيص على استقلال القضاء صراحة عن باقي السلط، وبإعادة النظر في تركيبة المجلس الاعلى للقضاء( المجلس الاعلى للسلطة القضائية ) وذلك بإلغاء عضوية وزير العدل في المجلس والتي كانت محل انتقاد باعتبار وزارة العدل مؤسسة تنفيذية ومن شان ذلك ان يؤثر على استقلال سلطة القضاء، هذا بالإضافة إلى بعض المبادئ والضمانات الدستورية التي من شانها تعزيز هذه الاستقلالية وترسيخها.
لكن اذا كان الدستور قد وضع الاطار المؤسساتي لاستقلال السلطة القضائية وبعض المبادئ المحددة لها فان ذلك لا يكفي لتحقيق الاستقلالية المنشودة ما دام الدستور يحدد فقط الخطوط العريضة ولا يتسع للتفاصيل التي تترك للقوانين التنظيمية من جهة، ومن جهة اخرى لان مفهوم الاستقلالية يعني استقلالية كل من القاضي بصفته المنفردة والسلطة القضائية بصفة عامة، ولان استقلالية القاضي الفرد تتصل ارتباطا وثيقا بالنصوص القانونية المنظمة لمساره المهني والمؤسسات التي لها سلطة الاشراف على وضعيته الادارية تقييما وتقويما، لذلك يشكل اعداد القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاء ( القانون التنظيمي المتعلق بالقانون الاساسي لرجال القضاء، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية) امتحانا حقيقيا لتعزيز مبدأ استقلال السلطة القضائية المنصوص عليها دستوريا، وان لا تكمن الشياطين في تفاصيلهما وتفرغ هذه النصوص الدستور من محتواه، وان تضمن فيهما استقلالية القاضي الفرد واستقلالية السلطة القضائية وان يشكلا اطارا لممارسة مهنة القضاء بشكل يضمن كرامة القاضي ماديا ومعنويا ويعزز الضمانات المخولة للقضاة كما هي متعارف عليها عالميا.
ولعل المرجعية التي يتعين اعتمادها في اقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاء بالإضافة إلى نصوص الدستور، هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان من ناحية والقوانين الاساسية لبلدان اجنبية خاصة فرنسا التي استنسخنا نظامها القانوني والقضائي، ومن ناحية اخرى بعض الوثائق الدولية المتعلقة بالضمانات الممنوحة للقضاة خاصة الميثاق العالمي للقضاء، والميثاق الأوروبي بشأن النظام الأساسي للقضاة والمذكرة التوضيحية الملحقة به وغيرها من النصوص…..
وان اعتماد هذه المرجعيات الهدف منها اولا ملائمة القوانين التنظيمية الوطنية مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية فرديا ومؤسساتيا وتوفير الضمانات والشروط الملائمة لممارسة قضائية مستقلة.
إشكالية التنزيل للعقوبات البديلة
شكل صدور القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة نقطة تحول نوعية في السياسة الجنائية المغربية، إذ يمثل هذا القانون خطوة مهمة نحو اعتماد مقاربة متوازنة بين الردع والإصلاح الاجتماعي. فقد أظهرت الدراسات القضائية أن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة لم تحقق الهدف المنشود في الردع أو إعادة الإدماج الاجتماعي، وغالبا ما أدت إلى اكتظاظ المؤسسات السجنية، وتفاقم المشاكل الصحية والنفسية لدى المحكوم عليهم .
ويهدف هذا القانون إلى إدماج آليات بديلة تركز على العمل لأجل المنفعة العامة، تقييد بعض الحقوق، المراقبة الإلكترونية، والمصالحة الجنائية، بما ينسجم مع المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان، والتوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة حول التدابير غير الاحتجازية .
بالرغم ما تحمله العقوبات البديلة من أبعاد إيجابية تتجلى أساسا في التخفيف من الاكتظاظ السجني وتكريس العدالة الإصلاحية، فإن تنزيلها على أرض الواقع يصطدم بجملة من الإكراهات التشريعية والعملية، تتجلى في نقص الإمكانيات البشرية واللوجستية لتسيير العمل لأجل المنفعة العامة على نطاق واسع، بالإضافة إلى غياب.الوعي المجتمعي لدى بعض المواطنين ،مما يستدعس الى التنسيق بين مختلف المتدخلين من قضاة، إدارات تنفيذ العقوبات، جمعيات المجتمع المدني، والمؤسسات العمومية، حيث قد يؤدي ضعف التنسيق إلى تأخر تنفيذ العقوبات أو عدم فعاليتها .
فمن الناحية المؤسساتية، يبرز إكراه آخر يتمثل في ضعف الإمكانيات البشرية واللوجيستيكية لتتبع تنفيذ العقوبات البديلة، إذ يقتضي نجاح هذه الآلية وجود جهاز متخصص في المراقبة، وهو ما لم يتحقق بعد. وتجدر الإشارة هنا إلى التجربة الفرنسية التي أحدثت بموجب قانون 9 مارس 2004 أقسامًا خاصة بتطبيق العقوبات البديلة تحت إشراف قضاة تنفيذ العقوبات (juges de l’application des peines)، وهي ممارسة كرستها محكمة النقض الفرنسية في عدة قرارات، أبرزها القرار الصادر بتاريخ 19 شتنبر 2007 (غرفة جنائية، رقم 06-87.135) الذي شدد على ضرورة توفير الرقابة المؤسساتية لضمان نجاعة العقوبات البديلة.
كما أن ضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين – من قضاء ونيابة عامة وإدارة السجون وسلطات محلية – يكرس ازدواجية في الممارسة ويعرقل تحقيق الأهداف المرجوة. ويُضاف إلى ذلك غياب التكوين المستمر للقضاة وأعوان التنفيذ، مما يجعل تنزيل فلسفة العقوبات البديلة محدودًا، بالإضافة إلى الإكراه السوسيو-ثقافي المتمثل في ضعف وعي المجتمع بجدوى هذه العقوبات، إذ مازال ينظر إليها باعتبارها تساهلًا أو إفلاتًا من العقاب، وهو ما ينعكس على ثقة المتقاضين في العدالة.
أما على المستوى القضائي، فإن أحكام القضاء المغربي مازالت متحفظة على إعمال بدائل حقيقية، حيث أكدت محكمة النقض في قرارها عدد 680/2019 بتاريخ 14 ماي 2019 (ملف جنحي عدد 3517/6/3/2018) على أن “الأصل في العقوبة هو الحرمان من الحرية ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك”، وهو توجه يعكس محدودية الانفتاح على بدائل الزجر التقليدي. في المقابل، يلاحظ أن بعض المحاكم الابتدائية حاولت توسيع سلطة الملاءمة باعتماد تدابير شبه بديلة كالأوامر القضائية ذات الطابع التربوي، لكن دون سند تشريعي صريح، مما يعكس ارتباكًا في التطبيق.
وللتغلب على هذه الإكراهات، أصبح من اللازم الإسراع بتطبيق و تنزيل مقتضيات قانون العقوبات البديلة والعمل وفق احكام مرسومه التطبيقي، مع إحداث أقسام خاصة على مستوى المحاكم لتطبيق العقوبات البديلة، على غرار النموذج الإسباني الذي اعتمد عقوبة العمل لفائدة المنفعة العامة (Trabajo en beneficio de la comunidad) بموجب القانون الجنائي لسنة 1995، وأثبتت الدراسات الميدانية انخفاض نسبة العود وسط المستفيدين منها بنسبة تجاوزت 30% خلال السنوات الخمس الأولى لتطبيقها. كما أن التجربة التونسية بدورها مكنت من تقليص مدة الاعتقال الاحتياطي واعتماد آليات جديدة كالخدمة المجتمعية بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999، وهي تجارب يمكن للمشرع المغربي الاستئناس بها.
خلاصة القول، إن الرهان الحقيقي للعقوبات البديلة لا يقتصر على مجرد التنصيص عليها تشريعيا، بل يتطلب توفير الشروط المؤسساتية والعملية لضمان فعاليتها، بما يحقق التوازن بين ضرورة حماية النظام العام وصون الحقوق الفردية، ويعزز صورة العدالة الجنائية كعدالة إصلاحية أكثر منها زجرية.