انطلاق فعاليات النسخة 12 من “الحوارات الأطلسية” بمشاركة قيادات دولية بارزة (صور)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

انطلقت اليوم الخميس 11 دجنبر بالرباط أشغال الدورة الثانية عشر من مؤتمر الحوارات الأطلسية، الحدث الدولي البارز الذي ينظمه مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، حيث يجمع هذا اللقاء الرفيع، الممتد من 11 إلى 13 دجنبر، نخبة من القيادات والخبراء وصناع القرار من مختلف ضفتي الأطلسي، في جلسات مفتوحة وغير رسمية تناقش قضايا عابرة للحدود بين الشمال والجنوب، وتروم إعادة صياغة فهم جديد لديناميات المحيط الأطلسي في سياقات جيوسياسية متسارعة.

وفي سياق الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحوارات الأطلسية، قدم محمد لوليشكي، كبير الباحثين بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، عرضا شاملا حول تقرير “Atlantic Currents” في نسخته الثانية عشرة، واصفا إياه بـ”العمل الضخم” الذي جاء في نحو 400 صفحة وأسهم في صياغته 44 خبيرا من مختلف مناطق الفضاء الأطلسي. وأوضح أن هذا التقرير يُعد أحد أبرز المساهمات الفكرية التي يقدمها المركز لإغناء النقاش الدائر حول “الأطلسي الواسع” وفرص التعاون داخله.

وقبل الدخول في تفاصيل التقرير، توقف لوليشكي عند “الطابع التاريخي” لسنة 2025 بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى القرار الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر، والذي أكد لأول مرة بشكل صريح أن الحل النهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية سيكون حصريا في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

واعتبر ذات المصدر أن هذا التطور “تتويج لعشرين سنة من الدبلوماسية الهادئة والمثابرة بقيادة جلالة الملك”، والتي نجحت في إقناع أكثر من 140 دولة، فضلا عن أعضاء مجلس الأمن، بأن هذه المبادرة تشكل الأساس الواقعي والوحيد للحل، داعيا الأطراف الأخرى إلى الانخراط في هذا المسار بحسن نية.

وبخصوص مضمون تقرير “Atlantic Currents”، قال لوليشكي إنه يمثل استمرارية للدور الذي يضطلع به المركز في تغذية النقاش المتعلق بالفضاء الأطلسي الواسع، من خلال تسليط الضوء على التحديات المشتركة وفرص بناء شراكات مبتكرة بين دول الجنوب ودول الشمال على حد سواء. وأضاف أن العالم اليوم يعيش حالة من “اللايقين” وتراجع فعالية النظام متعدد الأطراف، في ظل صعود مقاربات ظرفية وعملياتية بدل المقاربات القائمة على التوافق والقواعد.

وأشار إلى أن النسخة الجديدة من التقرير تضم سبعة فصول تتناول “geopolitics”، والجهوية، والاقتصاد العالمي، وتغير المناخ، إلى جانب دراسات حالة تمتد من المكسيك إلى المغرب، ومن غانا إلى كوريا الجنوبية والمحيط الهادئ، بهدف استخلاص الدروس المشتركة من تجارب متنوعة. كما حرص فريق الإعداد على إدماج وجهات نظر باحثين من خارج المجال الأطلسي، لإغناء النقاش بنظرات خارجية حول الفرص والتحديات التي يطرحها “الأطلسي الواسع”.

واستخلص لوليشكي ثلاث خلاصات رئيسية من التقرير؛ أولها أن الفضاء الأطلسي يتجه ليصبح مجالا جيوسياسيا متعدد الأقطاب ومترابطا، ما قد يمهد لبناء نظام أطلسي أكثر توازنا، وبالتالي نظام عالمي أكثر اعتدالا. أما الخلاصة الثانية، فهي أن التعاون جنوب–جنوب بات يتحول إلى آلية هيكلية ودافعة للتنمية، وليس مجرد مبادرات ظرفية. فيما تتمثل الخلاصة الثالثة في كون صياغة رؤية مشتركة للفضاء الأطلسي أصبحت ضرورة ملحة لمعالجة التحديات العابرة للحدود واستعادة الثقة في العمل متعدد الأطراف.

ولم يفوت لوليشكي الفرصة دون توجيه الشكر لفريق العمل الذي شارك في إعداد هذا الإصدار في ظرف وجيز، مشيدا بجهود مجموعة من الباحثين الذين “كانوا أساسيا لإنجاز هذا العمل في الوقت المحدد”.

واختتم مداخلته بالإعلان عن انطلاق النقاش الرئيسي للجلسة، داعيا المتدخلين إلى منصة الحوار، ومشيرا إلى الحرص على تمثيل مختلف مناطق المجال الأطلسي، مع وعد ببذل جهد أكبر في المستقبل لتحقيق توازن جندري أفضل في لجان النقاش. كما أوضح أن هذا العام سيُطرح على المتدخلين سؤال موحد يتعلق برؤيتهم للفضاء الأطلسي في أفق سنة 2050، مؤكدا أن “2030 باتت قريبة جدا، بينما يتيح أفق 2050 مساحة أوسع للتفكير الاستراتيجي”.

وفي مداخلته خلال الجلسة الأولى، قدم روناك غوبالداس، مدير مؤسسة “Signal Risk” بجنوب إفريقيا، قراءة معمقة للتحولات الكبرى التي تعصف بالنظام الدولي، مؤكدا أن العالم يعيش لحظة انتقالية غير مسبوقة، حيث يتراجع النظام القديم فيما لم تتضح بعد ملامح النظام الجديد. واستعاد قولا لغرامشي ليصف هذا الوضع بدقة: “العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد، وفي هذه اللحظة تظهر الوحوش”. وأشار إلى أن السنوات الأخيرة حملت تحولات جذرية، انتقل فيها العالم من السلم إلى الحروب، ومن الأنالوجي إلى الرقمنة، ومن أحادية القطبية إلى تعددية يصعب ضبطها، وهو ما يفسر حالة القلق والاضطراب التي تطبع العلاقات الدولية اليوم.

وأوضح غوبالداس أن هذه اللحظة الحرجة لا تقتصر على المشهد العالمي، بل تمتد لتشمل إعادة صياغة للعقود الاجتماعية على المستويات الدولية والوطنية والمجتمعية والفردية، في ظل تراجع قدرة المؤسسات التقليدية على إدارة التحديات الجديدة. ولتأطير سؤال المستقبل، وبشكل خاص ما الذي قد يحمله أفق سنة 2050، قدم إطارا تحليليا سماه “خمسة T”، معتبرا أن هذه المحددات ستكون حاسمة في رسم الاتجاهات المستقبلية. وبدأ بالحديث عن أزمة الثقة التي أصبحت ملمحا مركزيا في العالم، في وقت أصبحت فيه المصالح لا القيم هي المرجح في السياسات الدولية، فيما ازدادت الاتهامات بالازدواجية خلال التعامل مع أزمات مثل جائحة “كوفيد-19” والحرب في أوكرانيا والصراع في غزة، ما عمق الهوة بين دول الشمال والجنوب.

وانتقل إلى التحولات الجارية في الولايات المتحدة، مبينا أن العالم يشهد نهاية مرحلة “الاستثناء الأمريكي”، حيث باتت السياسة الخارجية لواشنطن أكثر براغماتية وصلابة، وانتقلت من دور الضامن للنظام الدولي إلى دور أقرب إلى من يعيد صياغته وفق حسابات القوة. وفي تحليل لمسار التجارة العالمية، أكد أن الروابط التجارية باتت مرتبطة بشكل وثيق بالاعتبارات الأمنية، مع سعي الدول إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على الشركاء الفرديين، وهو ما يخلق فرصاً مهمة لإفريقيا في ظل مشاريع لوجستية كبرى واتفاقيات تكامل قاري تدعم رؤية الاندماج.

كما توقف عند البعد التكنولوجي، موضحا أن الثورة الصناعية الخامسة ستكون رقمية ومنخفضة الكربون، ما يجعل المعادن الاستراتيجية الموجودة في القارة الإفريقية محور تنافس جيوسياسي متصاعد. وأشار إلى تصاعد خطاب “الاستعمار المناخي” وتزايد النزعة الوطنية في تدبير الموارد الحيوية، مع تأكيده على ضرورة أن تتمكن إفريقيا من الاستفادة من ثرواتها بدل تكرار أخطاء الماضي. ثم انتقل للعنصر الديمغرافي، مشيرا إلى التفاوت الكبير بين شيخوخة الشمال وارتفاع نسب الشباب في الجنوب، مبرزا أن إفريقيا تحتاج إلى خلق ملايين فرص العمل سنويا للحفاظ على استقرارها، في حين تحتاج دول الشمال إلى الهجرة للحفاظ على أنظمتها الاجتماعية واقتصاداتها، رغم صعود الخطابات اليمينية المناهضة لذلك.

وفي سياق قراءة موقع دول الجنوب الأطلسي داخل هذه التحولات، اعتبر غوبالداس أن نيجيريا تمتلك قوة ديمغرافية متنامية، وأنغولا تستفيد من موقعها داخل الممرات اللوجستية الجديدة وعلى رأسها “لوبيتو”، فيما يتميز المغرب بموقع صناعي وجيواستراتيجي متقدم يجعله نقطة وصل طبيعية بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي برمته.

وختم المتحدث بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من دول الجنوب الأطلسي وعيا أوضح بميزاتها التفاضلية وبأدوات التأثير المتاحة لها داخل النظام الدولي الجديد، إلى جانب تعزيز الاندماج القاري باعتباره شرطا أساسيا لامتلاك موقع فاعل داخل مشهد عالمي لا يزال قيد التشكل.

إقرأ الخبر من مصدره