الحياد ومسافة الأمان بين الصحفي والسياسي

Écrit par

dans

الأحداث بقلم محمد اعويفية

يظل الصحفي، أو أي مدون أو مؤثر، في موقع حساس بين مسؤوليته تجاه الحقيقة وبين ضغط العلاقة مع صناع القرار، محليين كانوا أو على مستوى الوطن ، أو حتى من يحتمل أن يكونوا كذلك. وإن من أهم شروط الممارسة المهنية النزيهة في عالم الصحافة، خصوصا اليوم، الإبقاء على مسافة أمان بين الصحفي والسياسي؛ تلك المسافة التي تتيح له النظر بوضوح وصفاء إلى الوقائع والأحداث ، لنقلها عبر هاتفه أو الكتابة عنها بموضوعية وتجرد، بعيدا عن المساومات و الإغراءات والولاءات الحزبية والمحاباة وحتى العداءات الشخصية.

هذه المسافة ليست قطيعة، ولا حاجزا يمنع التواصل مع السياسي، بل هي مسار أخلاقي وقيمي واضح يضمن ألا تتحول العلاقة إلى مصالح مشتركة أو خصومات شخصية. فالصحفي في حاجة دائمة إلى السياسي كمصدر أول للمعلومة، كما يحتاج السياسي إلى الصحفي كمنصة قريبة من الجمهور لإيصال خطابه وزيادة تأثير فيه واستمالته لتوظيفه وقت اللزوم. غير أن حركة الطرفين تجري، في الغالب، وفق مصالح مختلفة، وغالبا ما تكون متباينة أو متناقضة. وعندما يقرب أحدهما أو كلاهما المسافة أكثر مما ينبغي، تبدأ حدود العلاقة في التلاشي، وفي أحيان أخرى قد تتحول المقابلات أو نقل اللقاءات إلى جلسات وحملات دعاية وترويج مجاني بدل التحقيق والنقد والبحث عن الحقيقة وعرضها على الرأي العام كما هي .

يفقد الجمهور ثقته في الصحفي وفي الموقع الذي يمثله عندما يشعر بأنه خرج من موقع الرقيب إلى موقع المصفق، المتبني لرواية السياسي والمزكي لنواياه ، المدافع عن تطلعاته. وفي حالات كثيرة، يشكل قرب الصحفي المفرط خطرا كبيرا يحوله وجريدته إلى أداة انتقام، تستخدم عند الحاجة ،فيفقد عندها صفة الباحث عن الحقيقة ويصبح طرفا مباشرا في المعركة، عدوا لخصوم السياسي أو درع حماية له ،كما يتخلى عنه بنفس الطريقة عندما يفقد دوره وأهميته ،هذا إن لم تشوه صورته وينكل بها أمام الرأي العام ،كما هو الحال اليوم .

وضوح موقف الصحفي في كونه ليس صديقا للسياسي ولا عدوا له، بل شاهدا ومحللا وناقلا للمعلومة، هو جوهر استقلاليته. فهو يستند في نقده للمواقف والسياسات إلى تنوع المصادر وعدم الاقتصار،و الارتهان لجهة واحدة، حتى لا يقع في فخ منظور سياسي ضيق. وبذلك، يصبح الحياد ومسافة الأمان الضمانة الحقيقية للمصداقية؛ فالصحفي الذي يحافظ عليها يحمي نفسه ومؤسسته الإعلامية أوالنقابية من تلاعبات ودهاء السياسيين ومكرهم ، ويضمن لنفسه القدرة المستمرة للتعبير عن رأيه وموقفه بكل صراحة ووضوح كلما تعرض لمحاولة الإملاء أو الضغط على خطه التحريري.

مسافة الأمان ليست شيئا ثانويا بلا أهمية، بل هي شرط وجود الصحفي كصوت حر ومستقل. ففي زمن تتزايد فيه الضغوط على حرية الصحافة، يصبح الحفاظ على هذه المسافة شيئا مستحيلا يشبه الحفاظ على الأكسجين الذي يتنفسه الصحفي؛ فإذا ضاعت، اختنقت الحقيقة وضاعت معها الرقابة وهيبة السلطة الرابعة.

هيئة التحرير12 ديسمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره