اليوم الثالث لمؤتمر “الحوارات الأطلسية” يسلط الضوء على سياسة “أمريكا أولا” وتأثيراتها العالمية (صور)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

تتواصل في اليوم الثالث والأخير من أشغال الدورة الرابعة عشرة لمؤتمر “الحوارات الأطلسية”، المنعقدة بالرباط في الفترة الممتدة من 11 إلى 13 دجنبر، في إطار التنظيم الذي يشرف عليه مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، الجلسات النقاشية بمشاركة قيادات وخبراء وصناع قرار من مختلف ضفتي الأطلسي، لمناقشة قضايا دولية راهنة في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، افتتحت المُسيّرة النقاش بشكر الحضور على تفاعلهم، مشيرة إلى أن النقاش سينصب أساسا على الولايات المتحدة وسياسة “أمريكا أولا”، وهي قضية قالت إنها تشغل بال الجميع خلال هذه اللقاءات.

وقبل الخوض في المحاور، قدمت المسيرة كيمبرلي دوزيير، محللة الشؤون الدولية بشبكة “سي إن إن”، أعضاء الجلسة، ويتعلق الأمر برئيس الوزراء الغيني السابق محمد بنغوهي، وسفيرة كولومبيا كارمن خافيير، إلى جانب السفير الأمريكي السابق لدى المغرب هانيس تالوار. وبعد تقديم المتدخلين، تم عرض شريط فيديو تمهيدي قدم خلفية عامة لموضوع الجلسة، حيث أبرز أن شعار “أمريكا أولا” الذي بدأ كعبارة بسيطة في حملة انتخابية، تحول سريعا إلى أسلوب جديد في ممارسة السياسة، يقوم على تقديم المصلحة الوطنية الأمريكية فوق كل اعتبار.

وأوضح الفيديو أن هذه المقاربة أعادت تشكيل علاقات الولايات المتحدة مع شركائها، وأعادت رسم حدود التعاون الدولي، وكان تأثيرها ممتدا إلى قضايا الهجرة والمناخ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما اعتبر أن هذه السياسة شكلت نقطة تحول دفعت العديد من الدول إلى إعادة التفكير في علاقتها بواشنطن وفي موقعها داخل المشهد العالمي المتحول، وطرحت تساؤلات حول كيفية إعادة تشكيل التحالفات التقليدية، وصورة القيادة الأمريكية ومصداقيتها، وقدرة الدول الأخرى على استثمار هذه التحولات لخلق مساحات تفاوض جديدة والتأثير في الأجندات العالمية.

وفي هذا السياق، دُعي الحضور إلى المشاركة في تصويت تفاعلي عبر هواتفهم للإجابة عن سؤال محوري: هل تُعد الولايات المتحدة، في ظل إدارة دونالد ترامب، حليفا موثوقا؟ وبينما كانت نتائج التصويت تُجمع، وُجه الكلام أولا إلى رئيس الوزراء الغيني السابق، الذي شدد على أن الولايات المتحدة، مهما قيل عنها، تظل فاعلا أساسيا ومهما في النظام الدولي. غير أنه أوضح، من موقع نظره من “السواحل الجنوبية”، أن حالة من الارتباك تسود حاليا، لأن بلدا اعتاد العالم أن يتعامل معه على أساس قواعد واضحة وعلاقات قابلة للتنبؤ، أصبح اليوم مصدر مفاجآت متتالية.

وأضاف ذات المتحدث أن الصدمات القادمة من الولايات المتحدة لم تعد محصورة في دوائر القرار، بل امتد أثرها إلى القرى الإفريقية، وإلى الميزانيات والاقتصادات وحركة التجارة، في سياق يفتقر إلى الاستمرارية والوضوح. وخلص إلى أن أمريكا تظل شريكا مهما، لكنها باتت تطرح إشكاليات حقيقية على مستوى قابلية التنبؤ.

وبعد ذلك، عُرضت نتائج التصويت، التي أظهرت أن حوالي 77 في المائة من المشاركين لا يعتبرون الولايات المتحدة حليفا موثوقا، مقابل نسبة محدودة عبرت عن رأي مغاير، وأخرى اختارت موقفا مترددا. وانتقل النقاش إلى سفيرة كولومبيا، التي أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال لاعبا محوريا وشريكا تاريخيا لكثير من الدول، من بينها كولومبيا التي تربطها بواشنطن علاقات ممتدة لعقود. لكنها اعتبرت أن تبني خطاب “أمريكا أولا” خلق إشكالا عالميا، لأنه ترافق مع انسحاب الولايات المتحدة من منظمات دولية كبرى، وتجاهلها لحلفائها التقليديين، رغم أنها كانت تمثل في السابق رمزا للقيادة العالمية.

وأضافت أن هذا التراجع أفسح المجال أمام دول وأقاليم أخرى لملء الفراغ، ودفع الاتحاد الأوروبي وغيره من الفاعلين إلى تعزيز أدوارهم، مشيرة إلى أن هذه التحولات جعلت العودة الأمريكية المحتملة إلى بعض المجالات أكثر تعقيدا، لأن الآخرين اكتسبوا استقلالية ومساحات نفوذ جديدة.

وفي مداخلة السفير الأمريكي السابق، تم التمييز بين مفهومي “الحليف” و”الموثوقية”، حيث اعتبر أن مفهوم التحالف يختلف باختلاف موقع الدولة المعنية، فبعض الدول أو التيارات السياسية قد ترى في الولايات المتحدة حليفا طبيعيا، في حين تنظر دول أخرى، خصوصا الحلفاء التقليديين في أوروبا أو كندا أو الهند، إلى الوضع بشكل مغاير.

أما بخصوص الموثوقية، فأوضح أنه خلال تجربته الدبلوماسية، خاصة في المفاوضات الأمنية وتوقيع الاتفاقيات الدفاعية، كانت قوة الولايات المتحدة تكمن في قدرتها على تقديم التزام طويل الأمد قائم على الثقة والاستمرارية. غير أنه أقر بأن قرارات كبرى اتُخذت في عهد إدارتين متتاليتين، من بينها وقف برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والانسحاب من أفغانستان، ألحقت ضررا بصورة الولايات المتحدة، وأثارت تساؤلات عميقة حول التزاماتها تجاه شركائها.

وعند التطرق إلى أثر وقف برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إفريقيا، أوضح رئيس الوزراء الغيني السابق أن العديد من الدول الإفريقية كانت تعتمد بشكل كبير على هذه البرامج، خاصة في مجالات الصحة والتعليم ومواجهة الأوبئة مثل الإيبولا والإيدز. وأضاف أن هذه البرامج، التي كانت مبرمجة على المدى الطويل، توقفت فجأة، ما أحدث صدمة حقيقية على مستوى التخطيط والميزانيات والموارد البشرية، وأدى إلى اختفاء خبرات وتمويلات ضخمة بين عشية وضحاها. غير أنه رأى في هذه الصدمة جانبا إيجابيا، إذ دفعت الدول الإفريقية إلى التفكير في الاعتماد على الذات، وبناء مؤسسات قارية قوية، مثل أنظمة صحية موحدة، وآليات مالية وتجارية إقليمية، وتقليص منسوب التجزئة الذي يميز القارة.

وفي سياق متصل، تناول النقاش تصاعد الدور الصيني في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث أُشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا شهد نموا ملحوظا، وأن بكين استفادت من الفراغ الذي خلفه التراجع الأمريكي لتوسيع حضورها عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمار والتمويل. واعتُبر أن هذا الواقع دفع العديد من الدول إلى البحث عن حلول إقليمية أو دون إقليمية، بدل انتظار حلول عالمية قد لا تأتي.

كما تطرق النقاش إلى التوترات في أمريكا اللاتينية، خاصة ما يتعلق بفنزويلا، حيث عبرت السفيرة الكولومبية عن قلق بلادها من أي تصعيد عسكري محتمل، نظرا لانعكاساته المباشرة على كولومبيا من خلال موجات الهجرة وعدم الاستقرار. وأكدت أن الغموض الذي يطبع قرارات الإدارة الأمريكية يزيد من حالة عدم اليقين في المنطقة.

وعلى صعيد آخر، نوقش ملف أوكرانيا، حيث حُذر من أن أي تسوية تُفرض على كييف وتتضمن تنازلات إقليمية قد تضر بسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها، خصوصا إذا جرى ذلك خارج مسارات تشاورية واضحة. وأشار السفير الأمريكي السابق إلى أن تركز القرار في البيت الأبيض وغياب آليات مؤسساتية صارمة في بعض الملفات أدى إلى قرارات مثيرة للجدل، رغم إقراره بوجود حالات كان فيها التحرك السريع والمباشر فعالا.

وفي ختام النقاش، طُرحت على رئيس الوزراء الغيني السابق عبارة وُصفت بها شخصية دونالد ترامب خلال جلسات سابقة، وهي “تفوقية تعاملية”. وفي رده، اعتبر أن عقيدة “أمريكا أولا” تقوم فعليا على منطق المعاملات الثنائية القصيرة الأمد، بدل التعددية والشراكات طويلة المدى، وهو ما يؤدي إلى تفكك العلاقات الدولية وتحولها إلى صفقات.

واستحضر تجربته الشخصية في غينيا بعد مرحلة الانقلاب العسكري، موضحا أن الانتقال الديمقراطي تطلب إعادة بناء الإطار الدستوري والمؤسساتي من الصفر، وأن هذا المسار، رغم صعوبته، أفضى إلى استقرار نسبي وإطلاق مشاريع استثمارية كبرى، من بينها إنجاز مئات الكيلومترات من السكك الحديدية في فترة زمنية قياسية، وهو ما اعتبره نموذجا لإمكانية تحقيق نتائج ملموسة حتى في سياقات معقدة.

وهكذا، عكست الجلسة نقاشا معمقا حول تداعيات سياسة “أمريكا أولا” على النظام الدولي، بين من يرى فيها عامل اضطراب وعدم يقين، ومن يعتبرها دافعا لبروز فاعلين جدد وإعادة تشكيل موازين القوة على المستويين الإقليمي والعالمي.

كما تناولت الجلسة “أمريكا أولا، وغرفة تفاوض للآخرين؟”، التي ركزت على سياسة “أمريكا أولا” التي اعتمدتها إدارة ترامب، وتأثيرها العميق على السياسة الخارجية والداخلية للولايات المتحدة، والعلاقات الدولية بشكل عام. وناقش المشاركون كيف أعادت هذه السياسة تشكيل التحالفات التقليدية والاتفاقيات التجارية ومساهمات التنمية الرسمية، كما أثرت على سياسات الهجرة والتفاوضات المناخية وحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وركز النقاش على الفرص التي أتاحتها هذه التحولات للدول الأخرى لإعادة صياغة استراتيجيات تعاملها مع واشنطن، وإيجاد مساحات تفاوض جديدة، وتعزيز نفوذها في الأجندات العالمية. وفي هذا السياق، تم الإجابة على مجموعة من الأسئلة المحورية، من بينها: كيف أعادت سياسة “أمريكا أولا” تشكيل التحالفات التقليدية والعلاقات الدولية؟ وكيف تمكنت الدول الأخرى من استغلال هذا التحول لإعادة تعريف مشاركتها مع الولايات المتحدة؟ وما أثر هذه السياسة على تصور العالم للقيادة والمصداقية الأمريكية؟.

إقرأ الخبر من مصدره