مصطفى تاج
بين التحديات القيمية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي تعرفها بلادنا، مثلها في ذلك مثل مختلف دول المعمور شبيهاتها، والتي على رأسها تفشي ظواهر البطالة والإدمان والإجرام، وسيطرة مظاهر التفاهة والفراغ، وفقدان المعنى والشغف في الحياة اليومية، وتراجع الثقة في المؤسسات… يواجه الشباب اليوم سؤالا وجوديا يتجلى في جدوى الاستيقاظ كل صباح، ويتساءل عن القيمة المضافة التي يمكن أن يشكلها للعالم، وعن جدوى العيش في بيئة بئيسة لا توفر له التكوين المعرفي اللازم، ولا تعترف بقدراته ولا تستثمر طاقاته كما يجب. مما يجعله يعيش في نوع من العزلة الذاتية والغربة المفروضة.
في المغرب، قطعت بلادنا أشواطا عديدة في سبيل إدماج الشباب اقتصاديا واجتماعيا، فأطلقت برامج قطاعية وجهتها للشباب، إلا أنها تبقى غير كافية بتاتا، على اعتبار أن الدولة ومن خلالها الحكومات المتعاقبة أغفلت جانب مهما يحتاجه الشباب، وهو الجانب الروحي والثقافي، حيث بقي نظامنا التعليمي مرتكزا على التلقين واستدماج المعارف في العقول بغية استرجاعها على أوراق الامتحانات، فيما الاستثمار الحقيقي كان يجب أن يكون في المهارات والقدرات وفي الجوانب الروحية والنفسية والعقلية.
وفي ظل هكذا غياب لإجابات وحلول مؤسساتية مقنعة وشاملة ومستدامة، وفي ظل التلكؤ غير المبرر وغير المفهوم في إخراج الاستراتيجية المندمجة الخاصة بالشباب والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، يبقى على شباب اليوم الاجتهاد الشخصي والبحث عن سبل خاصة لإبراز ذاته وإثبات وجوده وتجاوز كل منظومات البؤس التي تحوم حوله. وذلك من خلال الاستثمار في نفسه، عن طريق التأمل والتفكير والإنصات إلى الداخل والصبر حتى بلورة الإيكيجاي الخاص به. والإيكيجاي هنا مفهوم فلسفي ياباني عميق، الغاية منه هو منح الحياة هدفا ومعنى. يتكون من كلمتين، الإيكي وتعني الحياة وجاي وتعني القيمة أو الجدوى، أي أن الإيكيجاي يترجم كقيمة الحياة، أو السبب الذي يجعلنا نستيقظ كل صباح.
وقد بلور اليابانيون فلسفتهم هذه من عمق الثقافة الأوكيناوية القديمة، حيث اختاروها أسلوبا للحياة، تساعدهم على العيش في انسجام تام بين ما يحبون وما يجيدون وما يمكن أن يتقاضوا من خلاله أجرا، ومن جهة أخرى ما يحتاجه العالم منهم. فعندما تتقاطع هذه المقومات الأربع وتلتقي، يظهر مركزها الذهبي، الإيكيجاي، كمنفذ يجد فيه الإنسان توازن الشغف والمهارة والرسالة والدخل. فما معنى أن تكون إيكيجايا؟
أن تكون إيكيجايا، يعني أن تقف وقفة مع الذات، تراجعها، وتتأمل في حاضرك، وتبحث عن الإيكيجاي الخاص بك، الذي عن طريقه يمكنك أن تعثر على المعنى الشخصي في الحياة، فمفهموم الإيكيجاي يتجاوز مجرد السعادة أو النجاح ليقدم تصورا متكاملا للحياة الطيبة، المتوازنة، والمفعمة بالشغف. فأن تكون إيكيجايا لا يعني فقط أن تستيقظ مبكرا وتعمل بجد، بل أن تعيش وفق ما يمنحك معنى ويدمج ذاتك مع العالم حولك.
أن تكون إيكيجايا، يعني أن تبحث عن أجوبة لأسئلتك الشخصية ذات الأولوية، والتي نجملها فيما الذي يجعلك تستمتع في الحياة؟ وما هي مواهبك أو المهارات التي تبرع فيها؟ وكيف يمكنك أن تساهم في حل مشكلات العالم من وجهة نظرك، أو ما الذي ينتظره العالم منك كإنسان حي له عقل وقلب وحواس وقدرات ومهارات؟ ثم ما الذي يمكن أن يوفر لك دخلا مستداما؟ وتأكد بأن طرحك لهذه الأسئلة الأربع هو بداية الحل وبداية الاكتشاف والتعرف على الإيكيجاي الخاص بك، وبالقليل من التأمل والتجريب والصبر أكيد أنك ستجده وستحدده. فالإيكيجاي يمثل دعوة للهدوء، وللعمل المليء بالمعنى، ولحياة لا تكون فقط ناجحة بل مرضية أيضا.
ولا بأس لكي تتمثل الإكيجاي الخاص بك كما ينبغي، أن تقرأ عن الثقافة اليابانية، في إطار التجارب الحياتية المقارنة، وأن تطلع على أساليب العيش لديهم، وخصوصا على مستوى جزيرة أوجيمي بأوكيناوا التي تقع في أقصى جنوب اليابان، تلك الجزيرة التي تعرف بجودة الحياة بحكم أن سكانها يعرفون بطول العمر والصحة الجيدة، ومنهم كثير تجاوزوا سن المئة. وأكيد أنك ستكتشف أسرارا شيقة وبسيطة يمكنك محاكاتها لتحقيق حياة أفضل استنادا على الإيكيجاي الخاص بك.
لذلك، ولكي تنطلق في رحلتك مع الإيكيجاي بنجاح، يجب أن تكثر من حصص التأمل والوعي بالذات، لتحدد الأمور التي تكرهها فتتركها جانبا، والأمور التي تحبها فتستثمر فيها وتركز عليها وتغنيها. علما أنك قد تواجه عقبات كثيرة، على رأسها الشك في قدراتك، كما أن أجواء البؤس والسخط حواليك قد تنعكس على مزاجك الخاص. لذلك، يستوجب عليك الصبر وتعزيز الثقة في نفسك، والابتعاد ما أمكن عن الضغوط الاجتماعية والنفسية وعن بؤر الطاقة السلبية وعن كل ما قد يسبب لك التوتر والقلق، والتركيز بشكل جدي واستراتيجي في كل ما يعنيك، وأن تتعلم في هذا من تجارب الأخرين، فمن المؤكد أنها ستشكل لك قيم مضافة في رحلتك الخاصة.
لقد أثبتت الدراسات والأبحاث التي أجريت حول فلسفة الإيكيجاي وتطبيقاتها على أرض الواقع أن تأثيرها إيجابي جدا، حيث أظهرت أن 70 بالمئة من الأشخاص الإيكيجايين يشعرون بتحسن في الصحة النفسية والجسدية، وأن 80 بالمئة منهم فقدوا الوزن وتحسنت لياقتهم. مما يعكس التأثير الإيجابي للإيكيجاي على الصحة النفسية والجسدية، كما أن ممارسته تقلل التوتر والقلق، وتحسن جودة النوم وتزيد من نسب الشعور بالرضا والشعور بالاكتمال.
كذلك، قام كاتبان إسبانيان هما هيكتور غارسيا وفرانسيس ميراليس بدراسة أنثروبولوجية بقرية أوجيمي في أوكيناوا، حيث يعيش أكبر عدد من المعمرين في العالم، ودرسوا أسلوب حياتهم الذي يتميز بالتشبع بثقافة الإيكيجاي، وألفوا إثر ذلك كتاب: “الإيكيجاي: السر الياباني لحياة طويلة وسعيدة”، وهو الكتاب الذي حقق في شهره الأول أكبر عدد من المبيعات، وتمت ترجمته لأزيد من 30 لغة. وخلاصة كتابهم تكمن في أن كل شخص لديه إيكيجاي، لكنه قد يحتاج إلى التأمل، الصبر والتجربة ليكتشفه. وأن اليابانيين، وخاصة في منطقة أوكيناوا، يعيشون حياة طويلة وسعيدة بفضل عيشهم وفق مبدإ الإيكيجاي.
وقاموا بتقسيم كتابهم إلى خمس محاور كبرى، تعكس الأعمدة التي تعتمدها ثقافة الإيكيجاي، أولها البساطة والاعتدال، من خلال نظام غذائي متوازن مكون من الخضر والأسماك تحت أرضية ما يسمونه “هارا هاتشي بو”، وهو مبدأ يقوم على تناول وجباتك بلا إفراط ولا تفريط ودون شبع، أي أن تملأ معدتك في حدود 80 مئة لا أكثر. وأن تتبنى نمط حياة خال من التور والمبالغة. ويتجلى ثاني محور في النشاط الدائم، حيث يعمل الشخص الإيكيجايي حتى في سن متقدمة ما دام يستمتع بما يفعل، وهو ما يعني غياب شيء اسمه التقاعد السلبي. وثالث محور يركز على ضرورة الانخراط في المجتمع، من خلال تكوين صداقات وشبكات دعم اجتماعية. ورابع محور يدعو إلى التركيز التام في المهام التي توكلها إلى نفسك أو التي توكل إليك وأن تستمتع بما تفعل دون تشتت. أما المحور الخامس، فتطرق إلى ضرورة الحرص على عيش حياة هادئة وطبيعية، من خلال الاستيقاظ المبكر وممارسة التأمل والمشي وقضاء أكبر وقت ممكن في الطبيعة.
وفي الأخير يوجه الكتاب رسائل لمن أغرتهم ثقافة ساكنة أوكيناوا، بضرورة البحث عن الإيكيجاي الخاص بك حتى لو تطلب ذلك وقتا وتجربة وأن تكتفي بالعمل بحب وتحرص على الرعاية المتبادلة في إطار العائلة الصغيرة والكبيرة، على أساس أن السعادة لا تأتي من المال أو النجاح الخارجي، وإنما تنبثق من المعنى الداخلي الذي تكتشفه في حياتك الخاصة وتغنيه بنفسك.
ورغم أن مفهوم الإيكيجاي ليس متداولا في القاموس اليومي المغربي، إلا أن تجلياته حاضرة بقوة في تجارب حياتية لمغاربة تبنوا ثقافته عبر الممارسة والفعل. وأستحضر هنا التجربة الاستثنائية التي عاشها الكاتب أحمد المرزوقي المعتقل السابق في سجن تازمامارت والتي سردها لنا في كتابه “الزنزانة 10” وفي عديد من حواراته المصورة، التي لولا أنه وجد الإيكيجاي الخاص به، الذي منحه معنى للمقاومة والصبر والاستمرار، لما قاوم ظروف السجن ولما خرج منه عاقلا.