الأحداث بقلم محمد اعويفية
تحولت فجأة كرة القدم عند الشعوب العربية إلى ظاهرة تمتد جذورها إلى العمق الشعبي، تنعكس آثارها على وعيه الجمعي. ورغم الحضور التاريخي للعبة في المنطقة منذ بدايات القرن الماضي، فإن الهوس المتفجر اليوم يبدو سلوكا متأخرا في نضجه، جاء نتيجة تراكمات عوامل كثيرة متداخلة بنيويا، منها ما هو سياسي وما هو اقتصادي، أكثر مما هي امتداد طبيعي لمسار رياضي أصيل وحافل بالإنجازات التاريخية، عدا دولة المغرب طبعا التي يمن الكل نفسه بهزمها مناديا “هاتوا المغرب”
يستطيع أي متابع للمشهد أن يلاحظ كيف باتت كرة القدم ملاذا نفسيا يصل حد الاستيلاب لشريحة واسعة من الجماهير، خصوصا الشباب، في ظل غياب بدائل تمنحهم شعورا بالجدوى والانتماء الحقيقي للوطن. فمع تعثر مسارات التنمية، وانعدام الشغل وفرص المشاركة في الحياة السياسية، وضبابية المستقبل، يتشبث الجمهور بأي فرصة أو شيء يمنحه الشعور بالانتصار، حتى لو كان هذا الانتصار مؤقتا أو وهميا.
التعلق المتأخر بلعبة كرة في الأوساط العربية ليس حبا خالصا بها كرياضة، بقدر ما هو تعويض نفسي عن غياب انتصارات أخرى في الحياة المعيشية.
لا يمكن أبدا تجاهل الدور الطاغي للإعلام الرياضي العربي وقنواته المعروفة المتخصصة، التي تخصص ساعات طويلة بلا نهاية من التحليل والمبالغة في الوصف والتعليق على المباريات على أساس أنها معارك بعواطف جياشة مزيفة كذابة. هذا الإعلام بنى جمهورا عريضا يتغذى على الصراخ والإثارة أكثر من المعرفة، كما بني على نفث سم العصبية بين الشعوب أكثر من الوعي الرياضي.
في شبكات التواصل، صار كل مشجع خبيرا افتراضيا، ونقاشات ما يعرف بالبودكاست الجوفاء البلهاء، نموذجا للغباء الذي يعكس هشاشة الثقافة الرياضية قبل أن يعكس الحب الحقيقي للعبة أو للفريق. وبهذا، تحولت كرة القدم إلى شيء استهلاكي يعاد تدويره في شكل هوس جماعي لا يعرف السلم أو الهدوء.
الغريب أن هذا الانفجار الشعبي في عشق اللعبة لم يقابله تطور مواز في المستوى الفني للأندية أو المنتخبات العربية، باستثناء المغرب لاعتبارات معروفة . فالدوريات المحلية، رغم الاستثمارات الضخمة، تفتقر إلى التخطيط طويل المدى، والأكاديميات محدودة الفعالية والتأثير، أما الاحتراف ففي كثير من الأحيان يظل شكليا غير مفعل.
بهذا المعنى، أصبح الجمهور يطالب بإنجازات عالمية بينما مقدمات النجاح غائبة، وكأن الحماسة وحدها تستطيع أن تصنع المعجزات الكروية . إنه هوس متأخر جاء بعد أن تجاوزت الكثير من الدول الأوروبية العرب بسنوات ضوئية في الإدارة الرياضية والتكوين الفني للاعبين والأطر .
ما عمق أزمة التشجيع تحولها من تجربة عاطفية صحية إلى صراع مصغر، يمارس فيه التنمر والشتائم والتخوين والتحريض، وتختزل فيه الوطنية لصالح منتخب أو ناد أو لاعب. وصار المشجع العربي يعيش في حالة انفعالية؛ ينتصر ويخسر، يخاصم صديقا بسبب فريق، ويشن معارك افتراضية غبية عن لاعب ربما لا يستطيع نطق اسمه بشكل سليم بلا أخطاء.
ليس الهدف والمطلوب إطفاء هذا الشغف، فحب كرة القدم جزء أصيل من روح اللعبة. لكن المطلوب أن يتحول إلى ثقافة رياضية ناضجة، قائمة على الفهم والتنمية والتشجيع الإيجابي. فالعالم العربي يمتلك طاقات بشرية هائلة، لكنه يحتاج إلى الاستثمار الحقيقي في المدارس والأكاديميات من أجل احتراف حقيقي ونهضة رياضية شاملة تتجاوز كرة القدم إلى رياضات أخرى غيرها.
مبروك للمنتخب الوطني المغربي
مبروك لطارق السكيتيوي
مبروك لعبدالرزاق حمد الله
هيئة التحرير19 ديسمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره