فك الاشتباك ما بين الحداثيين والحداثويين من ارتباك.. المغرب أنموذجا

Écrit par

dans

سعيد سونا

في البداية يجب أن نسلم أن العقل الخالص، المدرك للحقائق، المنفتح والمدجج بالحرية وقدسية العلم ومنطقية التفكير هو فقط من يستطيع التمييز بين المعلومة التنويرية و المعلومة المضللة… ولهذا دعونا أولا إن شئتم أن نوطأ لموضوع هاته المقالة ، بعد أن نحصص الحق ببعض المسلمات الفكرية حول الحداثة ، لعلنا ندخل إلى صميم اللحظة ، عبر المشاريع الفكرية الوازنة لفقهاء الحداثة العرب ، وفصلهم عن الحداثويين الذي أصبح أمرهم مفضوحا ، لأن ” التبوهيل ديال النعجة يعرفو غير السارح ” فتراهم يدمنون الاختصاص في تقويض المنظومة القيمة السليمة ، دون الخوض في ركائز الحداثة كمشروع وإنجاز إنساني متكامل …

مبدئيا فإن المفاهيم هي أصعب شيء في تأثيت العقل البشري ، فالمفهوم أداة إجراءية منهجية تحتاج للكثير من التعديل لتتناسب مع الحقل الذي ستستعمل فيه ، ولهذا فإن الدخول لتشريح الحداثة هو في حد ذاته دخول صعب خصوصا من الجانب المعجمي القواميسي .

ولهذا فان المفكرين الذين كانو مهمومين باشكالية التقليد واشكالية التحديث ، يتسؤلون – لماذا تفوقت أمريكا على اليونان رغم أن اليونان مرجع للفكر والمعرفة ؟ … ويرجعون السبب في كون هذا الإرث المعرفي الثقيل لليونان يمنعها من التحرك في الحاضر والمستقبل ، عكس أمريكا التي لاتتوفر على أي إرث وبالتالي تتحرك برشاقة في الحاضر والمستقبل رغم أنها دولة نزقة !! هاته هي عقيدة الحداثويين أو لنقل النسخة المشوهة للحداثة ” سنأتي على هذا الأمر في المغرب ” ، إن الحداثة تصبح اشكالية صعبة عندما تتعلق بهوية الإنسان والتحول السوسيولوجي للمجتمعات …

وعندما نتقدم في النقاش والخوض في خلخلة الاشكاليات الفكرية الكبرى للبشرية ، نجد أن الأموات أطول عمرا من الأحياء لأنهم يفكرون لنا ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي صنع لنفسه مقبرة وهو أطول عمرا من باقي كل المخلوقات …
هوبرماز يفرق بين بداية الحداثة وبين بداية الوعي بها … فبدايتها كانت في القرن 16 أما بداية الوعي بها كان في القرن 18 ، فالحداثة ليس مفهوم معرفي تقني ، لأنها انتقلت في واقعنا العربي من التوظيف المعرفي إلى التوظيف الايديولوجي ، وتم التعامل معها في إطار التدافع في المجتمعات بين الاستهجان والقذف وبين الإعلاء والتبجيل ، ولهذا كان الصراع معها او ضدها يتم دون تحليل دلالي للمفهوم … فالسوفسطاءية في صراعها مع السقراطية كانت ترتاح لغموض المفاهيم وعدم ثباتها الدلالي ، وهذا يدفعنا للتساؤل هل المفهوم نفسه غير قابل للضبط والتوضيح ؟؟؟

إذا قلت ماهي الحداثة ؟ يجب على المناطقي أن يرفض هذا السؤال …. لأن المناطقة القدامى قالو ان الحدود الماهوية يجب أن يكون فيها جنس وفصل ، حيث يسهل الفصل بين المفهوم عن المتشابهات التي قد تشوش عليه ، ليتم تحديد المفهوم من ذاتيته وجوهره لكي يفصله هذا التحديد عن المشتركات ، فلابأس مثلا أن نمتح من الأدب في هذا الجانب ، حيث يقول الأديب جابر عصفور ، أن الحداثة هي الإبداع الذي يناقض الإتباع… وهي إعمال العقل الذي هو نقيض النقل …. ولكن مايثير الانتباه ان التأسيس الأول للحداثة في الغرب كانت تعني التقليد وليس الإبداع….فالنظرية الاستطيقية التي نظمت الوعي الفني الحداثي كانت تعني نظرية التقليد والمحاكاة وليس الإبداع والمخالفة .
أما بودلير فيقول أن الحداثة هي نقطة التقاطع بين الأبدي والعابر ، وأما فلسفيا فإن تقييم هيكل لمفهوم الكوجيطو الديكارتي ، اعتبره هيجل هو أرضية الحداثة وهو مدخل اكتشاف الحداثة من الناحية المنهجية …

وبعد هاته التوطئة التي كانت ضرورية من ناحية التأصيل والتفكيك للمفهوم وطرحه أمام جميع المدارس ، حتى يتبين للمتتبع الحصيف ، الفرق بين الحداثيين والحداثويين الذين يتمسحون بالحداثة وهي أكبر من اختزالاتهم لهذا الإنجاز الإنساني ، في تنميطات قيمية لم نجد لها مكان عند فقهاء الحداثة العرب ، حيث يسلم هؤلاء أن للحداثة ثلاثة أضلع رئيسية – العلمانية والعقلانية والديموقراطية ، وهنا اقتسم الجمعان بين طرح رديكالي وآخر معتدل :

— الطرح الراديكالي : يتزعمه عبد الله العروي ومحمد اركون وادونيس ، حيث يزعم هذا المعسكر بأن الحداثة المثلى تتمثل في العلمانية كمدخل مقدس ، واسنادها بالديموقراطية والعقلانية ، مع القطيعة الجذرية مع التراث للدخول إلى الحداثة ، وهو الطرح الذي استفز مثقفي العالم العربي، وعلماء الدين ، بخصوص اعتبار النصوص الدينية وفي مقدمتها القرآن والسنة ، نصوص تراثية وليس وحيا الاهيا وسيرة نبوية ، وهذا ماجاء في كتاب عبد الله العروي في مطلع السبعينيات ” الايديولوجية العربية المعاصرة ” .

— الطرح المعتدل : والذي يقوده محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ومالك ابن نبي _ هذا التوجه يقتصر على ضرورة الأخد بالديموقراطية والعقلانية واقصاء العلمانية لأن الظروف الموضوعية التي انتجتها في الغرب لاتوجد في العالم الإسلامي، مع ضرورة التعامل مع التراث بقراء ابستمولوجية تأخذ الجانب الحي منه وتترك الجانب الميت والمتخشب من داخل التراث ، مع إعادة تبيئته وتجديده دون المساس بجوهره ودون اعتبار النصوص الدينية نصوصا تراثية يقول طه عبد الرحمن ،،،،، ولذلك يلقب فلاسفة هذا الطرح بالفقهاء من طرف فلاسفة الطرح الجذري للحداثة لأنهم لايقولون بالعلمانية ، ومن طرائف هذا التدافع بين المعسكرين ، سئل يوما عبد العروي عن رأيه في المشروع الفلسفي الباذخ لمحمد عابد الجابري، فاجاب : أنا لا أعرف فيلسوفا بهذا الاسم ، وكأنه يريد أن يقول أن الفيلسوف لابد أن يكون علمانيا !!!

أما الفئة التي تشوش على الحداثة كمفهوم ومشروع إنساني وجيه ، هم شرذمة الحداثوية ، الذي لا علم لهم بما سبق ذكره ، فهم يناقشون بدون زاد معرفي ، لذلك جعلوا من المنظومة القيمية للإسلام هدفهم لتقويض الهوية الحقيقية للشعوب العربية والمسلمة ، فإذا كان الحداثي الحقيقي يدافع عن الدولة المدنية الديموقراطية القوية بمؤسساتها، وباقتصادها القوي الذي ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمجتمع ، تجد الحداثويين مرضى بمطالب الحرية الفردية المتمثلة في زواج المثليين ، والمساواة في الإرث وضرورة التنصيص دستوريا على علمانية الدولة ، ولهذا سقطوا في كل معاركهم الكبرى ، لأن مطالبهم لاترقى لنصفها بأنها حداثية ، لأن هدفهم هو التسلل للتربة المغربية عبر إفساد الأسرة والمجتمع وإشاعة اللانظام ، لذلك تجد أن الحداثيين الحقيقيين هم أول من يتبرأ منهم …. ومما أجمل ما قرأت ماقاله المفكر والرئيس التونسي السابق حول اليسار ، حيث فرق بين اليسار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعمل على الإصلاحات الاقتصادية الفعالة التي تقود إلى مجتمع راق ومتعلم وحاصل على جميع الخدمات الاجتماعية التي تجعله يحصل على العدالة الاجتماعية التي يناضل من أجلها العاقلون ، وهناك اليسار الايديولوجي الذي يضع بين أعينه محاربة الإسلام والاسلاميين فقط وهو تيار شاذ ومرفوض .

عندما يستقل الكذب المصعد ، تصعد الحقيقة السلالم ، صعودها يأخذ وقتا اكثر لكنها تصل في النهاية …

إقرأ الخبر من مصدره