
المحجوب بنسعيد
في 18 ديسمبر من كل سنة يحتفل المجتمع الدولي باليوم العالمي للمهاجرين، للتأكيد على حقوق المهاجرين وتقديم الدعم لهم وتسليط الضوء على التحديات التي تواجههم، وتعزيز الهجرة المنظمة والآمنة والمنصفة التي تعود بالنفع على الجميع. لقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان عن هذا اليوم العالمي بتاريخ 4 ديسمبر 2000، وهو تاريخ اعتماد اتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين وعائلاتهم، التي دعت إلى ضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمهاجرين، بغض النظر عن وضعهم القانوني، وتسليط الضوء على مساهماتهم في المجتمعات والاقتصادات العالمية، مع الدعوة إنشاء أنظمة هجرة أكثر عدلاً وشمولية وأماناً. كما أكدت الاتفاقية على ضرورة معالجة التحديات التي تواجه المهاجرين مثل التمييز، والوصم، والكراهية.
وتلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في ترويج خطاب الكراهية ضد المهاجرين في مختلف بقاع العالم من خلال نشر الأخبار الكاذبة والأفكار السلبية عنهم، وترويج أنهم يشكلون تهديدا أمنيا محتملا على المواطنين. وقد أدى ذلك إلى تنامي شعور عدم الثقة والخوف منهم في المجتمعات المضيفة في جميع أنحاء العالم. كثير من الرسائل الإعلامية تنشر صورا سلبية عن المهاجرين ودورهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، عبر التركيز على بعض الجوانب التي تشكل نقاطا سلبية تخصهم، من بينها ارتفاع نسب البطالة بينهم وتزايد معدلات الجريمة التي يجدون أنفسهم متهمين بها، وانخفاض نسب التعليم في صفوفهم، وظهور مشاكل تتعلق بالاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.
ووعيا بدور الإعلام في تعزيز حقوق المهاجرين تزايد الاهتمام بدراسة مدى مواكبته للتحولات التي تشهدها قضية اندماجهم محليا ودوليا، والدفاع عن حقوقهم وحمايتهم من مخاطر الكراهية والتمييز العنصري. لقد استنتجت دراسات عديدة أن التناول الإعلامي لقضايا المهاجرين له تأثير على اندماجهم من خلال إبراز قصص نجاحهم واندماجهم داخل المجتمع المضيف، ومساعدتهم في إثراء التنوع الثقافي والاجتماعي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وأكدت بعض الدراسات أن وسائل الإعلام مطالبة كغيرها من المؤسسات الفاعلة داخل المجتمع باعتماد إستراتيجية إعلامية استباقية في موضوع الهجرة، أساسها الاندماج والتقبل والتعايش واحترام حقوق الإنسان، عن طريق نشر قيم التسامح واحترام حقوق الإنسان والتعريف بثقافة التعدد ومحاربة مظاهر الإقصاء والتهميش والتمييز والكراهية. بينما يرى خبراء أن الإعلام فاعل محوري في تعزيز حقوق المهاجرين، ومن هذا المنطلق يعتبر مطالبا بالتعامل مع قضايا الهجرة انطلاقا من المرجعية الدولية لحقوق الإنسان والتزامات الدول المضيفة في هذا المجال؛ مع الدعوة إلى ضرورة وأهمية تكوين الصحافيين في مجال محاربة ترويج الصور النمطية حول المهاجرين والتعريف بالتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة بحقوقهم.
لقد تنامي كثيرا خطاب الكراهية في الإعلام ضد المهاجرين، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت توفر منصات واسعة ومفتوحة له. وسعيا إلى القيام بجرد تحليلي لمعالجة وسائل الإعلام المغربية قضايا الهجرة الأجنبية أعد الباحث محمد كريم بوخصاص دراسة بعنوان “تغطية الصحافة المغربية للهجرات الأجنبية”، بتنسيق مع الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات، وتم خلالها تحليل 187 مادة صحفية نُشرت في 31 وسيلة إعلامية ورقية ورقمية خلال الفترة من دجنبر 2023 إلى يونيو 2024.
وسعت الدراسة إلى تحديد سمات وخصائص المعالجة الإعلامية المغربية لقضايا الهجرة الأجنبية، وتوصلت إلى عدد من الخلاصات المهمة، من بينها وجود اختلالات بنيوية في طريقة تناول الإعلام المغربي لقضايا الهجرة، أبرزها تكريس الصور النمطية، والوقوع في التهويل، بما يسهم في تعزيز التمييز والتصوّرات السلبية تجاه المهاجرين الأجانب بالمغرب.
كما استنتجت الدراسة استمرار اعتماد الصحافة المغربية على أساليب تعميمية تفتقر إلى الدقة، خصوصا عند الحديث عن المهاجرين في سياق الجريمة أو التوترات الأمنية، وتقديمهم كتهديد محتمل للنظام العام أو الأمن الوطني، في غياب مقاربة إنسانية أو تحليلية تضع الظاهرة في سياقها الاجتماعي والاقتصادي. وتجلّى هذا التهويل في استخدام عبارات مبالغ فيها، وفي تقديم المعلومة بطريقة توحي بالخطر الوشيك، وهو ما يعزز مشاعر الخوف من الأجانب ويغذي خطابات الكراهية.
وأكدت الدراسة أيضا أن الإعلام المغربي لا يكتفي فقط بالتغطية المناسباتية لقضايا الهجرة، بل يعيد إنتاج السرديات نفسها ويعتمد في الغالب على البلاغات الرسمية والمصادر الحكومية، ما يؤدي إلى معالجات سطحية تفتقر إلى العمق والاستقصاء، وتفشل في تقديم صورة متوازنة وشاملة.
ومن بين النتائج التي توصلت إليها الدراسة وأثارت انتباهي، بالنظر إلى أبعادها المهنية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية، أتوقف عند خلاصتين:
الأولى: هيمنة الصور النمطية والتهويل في الخطاب الإعلامي، وهو ما يتطلب بحسب الباحثين تدخلات عاجلة على مستوى التكوين الإعلامي، وتطوير خطابات مهنية تراعي أخلاقيات التغطية الصحفية في قضايا الهجرة، وتسهم في بناء وعي جماعي أكثر إنصافًا وإنسانية تجاه المهاجرين.
الثانية: تحول التغطية الإعلامية من التعاطف والتضامن وإبداء حسن النية تجاه المهاجرين الفارين من مناطق النزاع إلى العداء وترويج أنماط سلوكية عنصرية أو بتسريب خطاب قوامه مشاعر الكراهية.
وتثير الخلاصة الأولى الحاجة الماسة إلى تأهيل الصحافيين بهدف تمكينهم من صياغة محتويات إعلامية مهنية حول قضايا المهاجرين تأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسين هما:
استيعاب ثقافة الصور النمطية من أجل المشاركة في بناء مجتمع إنساني قائم على فهم الآخر والتعايش معه من دون تحقير أو تمييز على أساس الدين والجنس والعرق واللون. ولذلك يتعين على الصحافيين، حين اشتغالهم على قضايا المهاجرين الوعي بأن ترويج الصور النمطية عنهم مصدره الجهل بالآخر، والخوف منه، ومحاربته.
مراعاة المبادئ الأساسية المتعارف عليها في أخلاقيات التغطية الإعلامية؛ ففي التناول الإعلامي لقضايا المهاجرين من الضروري احترام ركائز أخلاقيات التغطية الإعلامية، حيث يتوجب على الصحافيين عدم استغلال المعاناة البشرية للمهاجرين، والتركيز على القصص الإيجابية والإسهامات، وتفادي استخدام المصطلحات المهينة وتجنب التهويل الذي يغذي التمييز. إن الالتزام بأخلاقيات التغطية الإعلامية يسهم في مكافحة التضليل، وكسر الصور النمطية، وتعزيز الاندماج المجتمعي، والضغط على صناع القرار لحماية حقوق المهاجرين. ولذلك تنص هذه الأخلاقيات على أربعة مبادئ أساسية متعارف عليها وهي:
الدقة والموضوعية من خلال التحقق من المعلومات وتجنب نشر الأخبار الزائفة أو المضللة، وتقديم صورة متوازنة بدلاً من التركيز على السلبيات فقط.
احترام الكرامة الإنسانية من خلال الحرص على التعامل مع المهاجرين كأفراد وليس كأرقام، وتجنب تصويرهم كأعباء أو تهديدات، مع مراعاة مشاعرهم وتجاربهم المؤلمة.
تجنب خطاب الكراهية والتمييز بواسطة الابتعاد عن المصطلحات المُهينة، مثل “غزو المهاجرين” أو “الفيضان البشري”، وعدم تغذية الصور النمطية السلبية.
المسؤولية الاجتماعية من خلال إدراك تأثير الإعلام على الرأي العام، والعمل على تعزيز التعاطف والتضامن بدلًا من إثارة الفوضى أو التمييز.
أما الخلاصة الثانية المتعلقة بالتحول من التعاطف والتضامن مع المهاجرين الأجانب إلى ترويج خطاب مشاعر الكراهية وتحريض الرأي العام المغربي ضدهم فهي من جهة تستدعي دراسة سوسيولوجية معمقة من الجهات المختصة، كما أنها من جهة ثانية تبرز مؤشرات تناقض بين الموقفين الشعبي والرسمي حيال قضية المهاجرين.
إن خفوت تعاطف المغاربة مع المهاجرين الأجانب، وتزايد التذمر من وجودهم، وخاصة الأفارقة منهم، تبدو ظاهرة جديدة وغريبة. فقد عرف عن المغاربة إكرام الضيف والأجنبي وعابر السبيل والمهاجر من منطلق ديني ومن قيم الإسلام والأخوة الإنسانية. كما أن الهجرة كسلوك إنساني يحظى بالتقدير لدى المغاربة انطلاقا من هجرة الرسول عليه السلام، ولأن أغلب سكان المدن الكبرى هاجروا من البوادي والأرياف، بل إن قبائل مغربية عديدة في مدن الجنوب الشرقي لها ارتباط قديم بالمجتمعات الإفريقية، خاصة في مالي وغينيا والنيجر، بحكم العلاقات التجارية والاقتصادية التي كانت توازيها رحلات وهجرات عديدة، خاصة في عهد الدولة السعدية (السلطان يعقوب المنصور الذهبي) والدولة العلوية )السلطان مولاي إسماعيل)، ومازال أثرها واضحا إلى اليوم في أشكال التراث الموسيقي والفني واللباس والمعتقدات الثقافية والدينية (المذهب المالكي، والزاوية التيجانية).
ولذلك فإن تراجع تعاطف المغاربة مع المهاجرين الأفارقة يثير عددا من الأسئلة: هل تعود الأسباب إلى تصرفات هؤلاء المهاجرين التي أصبحت عنيفة من خلال ارتكاب أعمال السرقة والتسول والدعارة، واحتلال الفضاءات العامة وأحيانا المنازل الفارغة؟ أم تعود إلى ظروف غلاء المعيشة التي يعاني منها اليوم المغاربة، وخاصة في الأحياء الشعبية، وبالتالي لم يعد بالإمكان مواصلة صبغ الكرم والعطاء على هؤلاء المهاجرين؟ هل تكون الحملات الإعلامية لـ”مؤثرين” عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يخدمون جهات خارجية، من أسباب تحول سلوك المغاربة من التعاطف مع المهاجرين الأفارقة إلى نبذهم وكرههم ومطالبة السلطات بطردهم وإرجاعهم إلى بلدانهم الأصلية.
بناء على ما سبق يتضح أن هناك تناقضا بين الموقفين الشعبي والرسمي حيال قضية المهاجرين. وقد كان المغرب ومازال يعد نموذجا حيا لحضارة عريقة وراسخة، ومنطقة التنقلات البشرية الأولى والهجرة والعبور والاستقبال، وبذلك استطاع أن يسلك طريق الانفتاح والاحترام المتبادل والتسامح والتعاضد بغض النظر عن العرق أو الجنس أو المعتقد، انتصارا للقيم الكونية.
في الدستور المغربي يضمن الفصل 30 حقوق المهاجرين، إذ ينص على حق تمتع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنات والمواطنين المغاربة، وفق القانون. كما احتضن المغرب في مراكش عام 2018 أعمال المؤتمر الحكومي الدولي، حيث تمت المصادقة على “الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية”، الذي رغم كونه نصا غير ملزم يعد اتفاقا تكميليا يغطي جميع أبعاد الهجرة الدولية بطريقة كلية وشاملة. ويحتضن المغرب مقر المرصد الإفريقي للهجرة باعتباره جهازا جديدا للاتحاد الإفريقي بموجب القرار 695 خلال القمة الحادية والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي التي عقدت في نواكشوط في شهر يوليوز 2018.
لذلك تحظى جهود المغرب في حماية المهاجرين بتقدير قاري ودولي، وهي جهود تسعى، في إطار إستراتيجية وطنية للهجرة واللجوء، إلى تحقيق التوازن بين الضرورات الأمنية وواجبات حماية حقوق المهاجرين، وتحويل البلد إلى مركز استقرار بدلاً من أن يكون مجرد نقطة عبور، مع تأكيد دوره كفاعل دولي مؤثر في حوكمة الهجرة على الصعيد العالمي.
-الكاتب العام للمنتدى العربي الأوروبي لمكافحة الكراهية
إقرأ الخبر من مصدره