رمضان في بلاد الغرب.. أوقات مميزة وطمأنينة واحدة مرجوة

Écrit par

dans

عبد العزيز المساوي

كلما هل هلال شهر قمري إلا وتذكر المسلم الصالح الطامح نيل رضى المولى جل علاه، حيثما كان وحيثما أدرك الفضل، ما للشهر من ميزة وحرمة، خاصة الأشهر الحرام، ليبقى رمضان الأبرك الشهر الأكثر تمييزا لما فضله الله على باقي الأشهر بميزة تنزيل القرآن الكريم، كلام الله المقدس المحفوظ. هذا الشهر الذي كان خريجوا المدرسة المحمدية من الصحابة الكرام يعيشونه طوال العام، حيث يستعدون له فيما يسبقه من شهور لنيل أكبر ما يمكن من الأجر والثواب خلاله، ويودعونه فيما يليه من بقية أشهر العام بحسرة على ما فاتهم من فضل وعطايا، كان يمكن استمطارها باليسير من التعبد.

هذا الشهر الفضيل المميز ربانيا، كلما حل على المسلمين في بلاد الإسلام تتغير وتيرة الحياة، وتُعلن المساجد الصيام، وتُوحِّد الأمة شعائرها، فيصوم المسلمون معًا ويفطرون معًا، ويشعر الفرد أنه جزء من جماعة كبرى موحدة الشعائر، متآزرة تعبد ربا واحدا، وتتبع خاتم الأنبياء وسيدهم صلوات الله عليه، بينما المسلم في بلاد الغرب، قد يكون استعداده لرمضان في جو مختلف واستقباله في سياق مغاير؛ حيث لا يكون الإعلان رسميا، وتغيب عن المرء ما اعتاد عليه من أجواء عامة تنقله حتما إلى التعبد الجماعي والتسابق في الخيرات.

وقد يُفاجأ المسلم هناك بأن رمضان يمضي وكأنه شأن خاص لا يعنيه إلا وحده ولا يعني أحدًا سواه. وهنا يبرز الدور الجلي للاستيعاب الإيماني للمرء لشعائره الدينية. فيكون رمضان في الغرب انتقالا من إيمان الجماعة إلى وعي الفرد بغايته الوجودية، وحتمية الانتقال من العادة إلى العبادة، رغم أن الله يسر بفضل منه جماعات من المسلمين قيمون على المساجد ببلاد الغرب، يتسابقون في الخيرات يهيئون أجواء جماعية تنسي المسلم المتغرب ما فقد من انجماع رمضاني عائلي ببلده الأصل، وما الله محسن النيات واسع الرحمة بناسٍ خُدام عباده.

إن الحفاظ على هذه الأجواء الروحيية، واجب عيني، أجواء الاطمئنان التي ينبغي لكل مسلم أن يساهم من زاويته في إشعاعها واستمرارها ليعم فضلها، وهذا ما يدفع الجميع ابتداء إلى تفادي التعليقات التي تضطرب بها المجالس بخصوص المشهد الذي نراه متكررا عاما بعد عام حول تاريخ الصيام أو تاريخ الإفطار، حتى سار هناك من يخالف جماعة المسلمين بالبلد الذي يعيش معها فيه، ويتبع زمنيا بلدا مسلما معينا. تشرق الشمس عنه وتغرب في أوقات مختلفة “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ” البقرة 185.

والحقّ أن هذه المسألة – كما أثبت الواقع التاريخي والمعاصر – سياسية أكثر مما هي فقهية، إلى أن يهون الاستضعاف العام وينهض العلماء بواجبهم في توحيد الكلمة، وأداء الأمانة بشجاعة واستقلال، ليخفّفوا عن الأمة هذا الاضطراب المتكرر عاما بعد عام، كي لا يتُرك المسلم حائرًا بين بيانات متناقضة لا تخدم المصلحة العامة للأمة الإسلامية، ولا مقاصد شريعتها.
وأمام هذا الواقع، يبقى المسلم في الغرب أحوج ما يكون إلى فقه السكينة، واحترام اجتهاد الجماعة من المسلمين التي يعيش معها، فتقديم وحدة الصف المحلي على الجدل المُرهق مطلب أساسي حتى لا تتبدد روح الشهر الفضيل. بل ذلك واجب تجاه وحدة الصف وذرء التفرقة والشتات. الذي عانت منه الأمة ولا تزال بإيعاز ممن يكن لها أشد العداء.

إن توحيد الجهود في شهر القرآن، والتسابق في الخيرات، يجعل من رمضان موسم تربية لا موسم طقوس، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان”. وهل من خير أعظم من القرآن في شهر القرآن، ببذل الجهد والوقت والمال لخدمته، وتلاوته وتدبره، بل وجعله منهاج حياة، فهو يعيد ترتيب الأولويات، ويهذّب السلوك، ويُخرج المسلم من أسر العادة إلى أفق العبادة.

وفي الغرب، حيث تغيب أحيانا الحلقات العامة، يصبح القرآن رفيقًا شخصيًا، يُتلى في البيت، ويُراجع في الطريق، ويُتدبر في السكينة القليلة المتاحة، وهنا يكون الأجر أعظم، لأن العبادة نابعة من وعي واستيعاب إيماني كما ذكرنا لا من ضغط اجتماعي. استيعاب يجعل المرء بعيدا عن قول الزور بأنواعه والعمل به، ولعل هذه حقيقة الصيام التي ذكرنا بها نبينا صلوات الله وسلامه عليه إذ قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

فالصيام الذي لا يضبط اللسان، ولا يزكّي السلوك، ولا يكبح الشهوات، يفقد روحه، ولو صحّ شكله. وحيث المغريات المُفقدة لهذه الروح حاضرة في بلدان الغرب بقوة، يصبح الصيام مدرسة عملية لمجاهدة النفس، لا مجرد امتناع عن الطعام، ما ينبغي للمسلم إفلات دروسها وعبرها وفرصتها الممنوحة من الله، قال سيد الخلق صلوات الله عليه وسلامه “بُعدًا لمن أدرك رمضان فلم يُغفر له”.

يفتح الله في رمضان أبواب الجنة، ويغلق أبواب النار، ويصفّد الشياطين، وهي فرصة نادرة للارتقاء الروحي والطمأنينة القلبية، ما ينبغي ضياعها. ذروة هذا الارتقاء تتجلّى في العشر الأواخر من الشهر، وفي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، ويا له من عظيم ثواب، خاصة في بلدان الغرب حيث يقلّ الزحام التعبدي، وتصبح الخلوة الصادقة أيسر، والقيام الخاشع أصفى، لمن أحسن اغتنام الفرصة.

ونخص بالذكر هنا هذه البلدان التي يعيش فيها المسلمون وتحكمها قوانين وضعية إنسانية قد لا تكون لها مرجعية دينية. لتراعي خصوصيات من اصطفاهم الله للدين الكامل، دين الإسلام. لأنه في هذه البلدان وفي مثل هذا الشهر الفضيل المميز تصبح المسؤولية أسرية بامتياز.

فالطفل لا يرى الصيام في الشارع، ولا يسمع الأذان في كل وقت، ولذلك يصبح البيت هو المحضن الأول للإيمان. وهنا ينبغي:
تعويد الأبناء على الصيام تدريجيًا مع الفخر الذاتي بهذا التميز الرباني
تعليمهم الطهارة والصلاة، فبها نعلو عن غيرنا من بني البشر درجات
ربط رمضان بالأخلاق لا بالمظاهر، فالصيام بينك وبين الله، وأخلاق المرء صورة لدينه
غرس تعظيم الوالدين والمعلم والكبير، فلا تماسك للأسرة ولا المجتمع من غير هذا التعظيم والتوقير.

هذا كله، حتى لا يتحول رمضان إلى شهر سهر ولهو، كما هو الحال المؤسف في كثير من البلاد الإسلامية نفسها اليوم.

لعل رمضان دعوة سنوية للانتقال من التدين الموسمي إلى الإيمان المتجدد، لقوله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً”، ومن اعتبار عباداته طقوسا موروثة إلى العبادة الواعية بغاية الوجود “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” الذاريات 56.

وهكذا، قد يختلف رمضان في الغرب عن رمضان في بلاد الإسلام، من حيث المظاهر والتوقيت والدعم المجتمعي للتعبد الجماعي. لكنه لا يختلف في جوهره. فهو شهر القرآن، وشهر المغفرة، وشهر إعادة بناء الإنسان، وتقويم سلوكه.

فمن أحسن استعداده، وصدق احتسابه، وصان صيامه عن الزور، خرج من رمضان بقلب أصفى، وإيمان أقوى، وطمأنينة واحدة، تلك هي المرجوة هنا وهناك، لا يمنعها اختلاف المكان ولا قسوة الزمان، فالله المعبود الواحد، ذو الفضل العظيم قادر على أن يجزل العطاء، ويؤنس الموحش، وينير الطريق.

وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. الطلاق 2ـ3.

وهذه مختاراتي في السياق من شعر “قطوف” لصاحبه رحمه الله وأسدل له الجزاء.
رمضانُ حلَّ فيا عزائمُ صمِّمي ــــــــــــــــ واجفُوا المنام معاشرَ الرُّقادِ
إن كان أبلى فيكُمُ الإيمان ما ــــــــــــــــ جَنَتِ اليَدانِ بنَزْوَةٍ وتمادي
فهلالُ أبركِ مطلعٍ في عامِكُمْ ــــــــــــــــ يدعو العُصاةَ لتَوْبَةٍ ويُنادي
قُوموا فلبُّوا للصيام أوامراً ــــــــــــــــ وتزوَّدُوا فلَنِعْمَ عقبَى الزَّادِ

إقرأ الخبر من مصدره