
هسبريس – د.ب.أ
ينهي الاتحاد الأوروبي عام 2025 وسط مجموعة من التحديات الجيوسياسية والتقنية والاقتصادية التي تُنذر بأن عام 2026 سيكون اختبارًا دقيقًا لتماسكه ورؤيته المستقبلية. في قلب هذه التحديات، لا تزال الحرب في أوكرانيا تلقي بظلالها الثقيلة، فيما تتشابك الملفات الاقتصادية والتجارية والرقمية في سياق دولي مضطرب، يضع الاتحاد أمام ضرورة إعادة تعريف أولوياته، وتوزيع طاقاته بين الأمن والدفاع، والتحول الأخضر، والمنافسة التكنولوجية.
فمن جهة الشرق، لا تلوح في الأفق نهاية قريبة للحرب الروسية على أوكرانيا، في ظل مؤشرات على استعداد موسكو لمرحلة جديدة من التصعيد، كما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بالتزامن مع تأكيد نظيره الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده “ستحقق أهدافها بالتأكيد”. وقد استبق الاتحاد الأوروبي هذا التصعيد بإقرار حزمة تمويلية ضخمة بقيمة 90 مليار يورو مخصصة لأوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، لسد العجز المالي المتوقع ودعم قدراتها العسكرية، وفق ما أكده رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، محذرًا من أن كييف كانت ستواجه عجزًا حادًا قد يصل إلى 50 مليار يورو دون هذا الدعم.
وعلى الرغم من هذه المساعدات، لا يبدو أن أوروبا تمسك بزمام المبادرة في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، بعد أن فاجأت الولايات المتحدة أوكرانيا وحلفاءها بطرح خطة من 28 بندًا لإنهاء النزاع، اعتُبرت في نسختها الأولى أقرب إلى مطالب الكرملين، قبل أن تُعدّل لاحقًا بعد التشاور مع كييف. هذا التوجه دفع فرنسا إلى تجديد الدعوة للحوار المباشر مع روسيا، إذ أعلنت الرئاسة الفرنسية ترحيبها باستعداد بوتين للتحدث مع الرئيس إيمانويل ماكرون. وبينما تتزايد الدعوات الأوروبية لاستعادة زمام المبادرة، تنفي موسكو وجود أي خطط لإجراء محادثات ثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، في وقت تتكثف فيه اللقاءات غير العلنية بين الأطراف في مدن مثل ميامي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ميدانيًا، تتوقع أجهزة الاستخبارات الأوروبية – وخاصة في دول الجناح الشرقي – مزيدًا من الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتضليل الإعلامي، التي تُنسب غالبًا إلى روسيا. وقد حذّر رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية من تصعيد محتمل على هذا الصعيد في 2026، بالتزامن مع الانتخابات الإقليمية المرتقبة في بلاده، محذرًا من أن الديمقراطيات الأوروبية تواجه تحديًا حقيقيًا على مستوى الأمن المعلوماتي والسياسي.
اقتصاديًا، تبدو الصورة العامة قاتمة نسبيًا. فعلى الرغم من تسجيل التجارة العالمية أرقامًا قياسية خلال 2025، بتجاوزها 35 تريليون دولار، فإن الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية تتوقعان تباطؤًا في 2026، بفعل التوترات الجيوسياسية وتباطؤ النمو. وتتوقع بروكسل نمواً محدودًا بنسبة 1.2% في منطقة اليورو، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.4%. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى تجدد التوتر التجاري مع الولايات المتحدة، خصوصًا بعد فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جملة من الرسوم الجمركية الجديدة على واردات أوروبية، شملت السيارات وأشباه الموصلات والأدوية والأخشاب، ما دفع الطرفين إلى التوصل إلى اتفاق مؤقت فرض بموجبه الاتحاد الأوروبي رسومًا نسبتها 15% على صادراته إلى السوق الأميركية، تجنبًا لحرب تجارية شاملة.
وفي السياق ذاته، يستمر التوتر التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين، بعد أن فرضت بكين رسومًا جمركية مؤقتة تتراوح بين 21.9% و42.7% على منتجات ألبان أوروبية، ردًا على اتهامات أوروبية سابقة بوجود دعم حكومي مفرط لصناعة السيارات الكهربائية في الصين. ووسط هذا التراشق، تحاول بروكسل ضبط تدفق الطرود الصغيرة القادمة من منصات إلكترونية صينية مثل “شي إن” و”تيمو”، التي يقول تجار التجزئة الأوروبيون إنها لا تخضع لنفس المعايير الصارمة، مما يمثل منافسة غير عادلة. وقد تم الاتفاق على فرض رسم مؤقت بقيمة 3 يوروهات على هذه الواردات منخفضة القيمة، بداية من يوليو 2026، مع احتمال تطبيق رسوم إضافية لاحقًا.
في ملف التوسّع، تستعد بلغاريا للانضمام إلى منطقة اليورو في يناير، في خطوة رمزية مهمة رغم ما تمر به البلاد من حالة عدم استقرار سياسي بعد استقالة الحكومة وسط احتجاجات شعبية على الأداء الاقتصادي ومطالب بمكافحة الفساد. ويأتي هذا الانضمام بعد نحو عامين من التحضيرات التي شابها جدل داخلي.
من جهة أخرى، تُواجه مبادرة اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتجمع “ميركوسور” من جديد عراقيل سياسية، حيث تأجل التوقيع على الاتفاق إلى يناير، بعد احتجاجات المزارعين في بروكسل، واعتراض فرنسا وبعض الدول الأخرى على بنود متعلقة بالمواصفات البيئية وحماية الأسواق الزراعية. الاتفاق الذي يُنتظر منذ 25 عامًا، يواجه الآن تحديًا حقيقيًا في ظل تصاعد النزعات الحمائية داخل القارة.
وفي ميدان التكنولوجيا، تستعد أوروبا لدخول مرحلة تنفيذ تشريعاتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة للحاق بالقوى العالمية الأخرى، خصوصًا الولايات المتحدة والصين. ورغم الطابع الطموح لقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الذي أُقر العام الماضي، إلا أن أكثر من خمسين شركة أوروبية كبرى – منها “إيرباص” و”مرسيدس-بنز” – دعت إلى تجميد بعض بنوده، بحجة أنها تُقيد الابتكار وتثقل كاهل المؤسسات الناشئة. ومن جانبها، تعهدت المفوضية الأوروبية بإعادة النظر في بعض هذه البنود، وتأجيل أخرى، وسط انتقادات لكون هذه التعديلات جاءت استجابة لضغوط من إدارة ترامب وعدد من الشركات متعددة الجنسيات.
في خضم هذه التحولات، تزداد الأصوات التي تطالب الاتحاد بتقليص البيروقراطية وتسهيل الاستثمار والابتكار، دون التضحية بالمعايير الاجتماعية والبيئية التي تميز النموذج الأوروبي. وبين الموازنة الدقيقة بين الحذر التنظيمي والانفتاح التنافسي، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يدخل 2026 بوصفه لاعبًا قلقًا، موزعًا بين ضرورات الأمن الجيوسياسي وضغوط التغير الاقتصادي السريع، وسط عالم لا يمنح أحدًا وقتًا طويلاً للوقوف في المكان نفسه.