حسناء بوعيسى
صحيح أن المغرب استطاع أن يحقق عددا من التراكمات التنموية المهمة، خاصة خلال العشرين سنة الماضية، سواء على مستوى البنيات التحتية، أو تنويع القاعدة الاقتصادية، أو تعزيز موقعه الإقليمي، إلا أن هذه المكتسبات ظلت مصحوبة باختلالات اقتصادية واجتماعية بنيوية، حالت دون انتقال البلاد إلى مستويات أعلى من التنمية، ضلت معها معدلات البطالة والفقر مرتفعة، إلى جانب استمرار الفوارق المجالية والترابية، وتفاوت الاستفادة من ثمار النمو، ما فرض الحاجة إلى إعادة توجيه مسار التنمية، حيث برز النموذج التنموي الجديد كاختيار استراتيجي يهدف الى وضع المغرب على سكة تحول بنيوي شامل، يمكنه من الانتقال إلى مصاف البلدان الصاعدة في أفق سنة 2035، مع السعي إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام، وتحقيق تنمية أكثر توازنا وشمولا تمس مختلف مناحي الاقتصاد والمجتمع.
ينطلق هذا الاختيار التنموي الجديد في المغرب من رهان اقتصادي مركزي، يتمثل في بناء اقتصاد قوي، متنوع، وأكثر قدرة على الصمود في وجه المتغيرات الداخلية والخارجية، اقتصاد قادر على إنتاج الثروة بشكل مستدام، وتوسيع قاعدة الاستفادة منها لتشمل كافة فئات المجتمع ، وتوفير فرص شغل قارة ولائقة، وهو ما يقتضي بالضرورة تعزيز القاعدة الإنتاجية الوطنية، والرفع من تنافسية النسيج الاقتصادي، وتحسين مردوديته، مع القطع التدريجي مع مظاهر الهشاشة البنيوية التي طبعت مسار النمو خلال فترات سابقة، سواء على مستوى ضعف القيمة المضافة، أو محدودية التشغيل، أو الارتهان المفرط لبعض القطاعات التقليدية.
وفي هذا الإطار، يحتل القطاع الصناعي موقع متقدم ضمن اختيارات التنمية بالمغرب، باعتباره الرافعة الأساسية لتحقيق التحول البنيوي للاقتصاد الوطني، وخلق قيمة مضافة مرتفعة، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز الاندماج الفعلي في سلاسل الإنتاج العالمية، حيث يدعو هذا الاختيار التنموي الجديد إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد أساسا على الأنشطة التقليدية والفلاحية، ذات المردودية المحدودة والتشغيل الهش، إلى اقتصاد صناعي حديث، وقائم على التكنولوجيا، ومنفتح على الاستثمارات ذات القيمة العالية، القادرة على نقل المعرفة، وتوطين الخبرات، وخلق فرص شغل مؤهلة، بما يساهم في إعادة تموقع المغرب داخل الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
كما يشكل الاستثمار في التكنولوجيا والرقمنة أحد المرتكزات الحاسمة في مسار التحول التنموي الذي اختاره المغرب، إذ أصبحت الصناعات التكنولوجية والتحول الرقمي رافعتين أساسيتين لرفع الإنتاجية، وتحسين نجاعة الأداء الاقتصادي، وتطوير حكامة المقاولات والإدارات، بما يمكنها من تقليص الكلفة، وتسريع وتيرة الخدمات، وتوسيع ولوجها إلى الأسواق الوطنية والدولية، بالإضافة الى الدور المحوري الذي تلعبه الرقمنة في تحفيز الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال، وفتح آفاق جديدة أمام المقاولات الناشئة، خاصة في القطاعات المستقبلية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والصناعات الذكية، والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
ويرتبط نجاح هذه الاختيارات التنموية ارتباطا وثيقا بتأهيل الرأسمال البشري، حيث يعتمد المغرب في رهاناته التنموية بشكل أساسي على مؤهلاته البشرية باعتبارها عامل حاسم لتحقيق التنمية ، إذ يضع الإنسان في صلب العملية التنموية، مع تركيز خاص على فئة الشباب، باعتبارها امتياز ديمغرافي واستراتيجي، يستدعي إصلاح عميق لمنظومة التعليم والتكوين، وربطها بشكل أوثق بحاجيات سوق الشغل والتحولات الاقتصادية، والحد من نزيف هجرة الأدمغة، وتوفير بيئة مؤسساتية واجتماعية حاضنة للإبداع والابتكار، تمكن الكفاءات الوطنية من المساهمة الفعلية في بناء نموذج تنموي قائم على المعرفة، والمهارات، والقدرة على التجدد.
ومن بين اختيارات التنمية الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب، يبرز رهان الطاقات المتجددة باعتباره خيار حاسم لم يعد مجرد اختيار ظرفي أو تجريبي، بل ضرورة اقتصادية وتنموية ملحة، تفرضها طبيعة المرحلة والتحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي المتميز، يتوفر على مؤهلات طبيعية كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، وهو ما يتيح له إمكانية بناء نموذج طاقي بديل، قادر على تقليص التبعية الطاقية للخارج، وتعزيز الأمن الطاقي الوطني، خاصة أن المملكة تستورد ما يقارب 90 في المئة من حاجياتها الطاقية، وهو معطى يضع الاقتصاد الوطني في وضعية هشاشة دائمة أمام تقلبات أسعار الطاقة العالمية، ويجعل من حسم مسألة الطاقة شرط أساسي لبناء اقتصاد قوي، تنافسي، وأكثر سيادة.
وتنعكس هذه الاختيارات الطاقية بشكل مباشر وعميق على مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال خفض كلفة الطاقة على المدى المتوسط والبعيد مقارنة بالمصادر المستوردة، وتحسين تنافسية المقاولات الوطنية، وخلق فرص شغل جديدة في القطاعات الخضراء والصناعات المرتبطة بالانتقال الطاقي، بما يضع المغرب على سكة انتقال فعلي نحو نموذج تنموي مستدام، يرتكز على السيادة الطاقية كرافعة مركزية للاستقلال الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
في المقابل، تفرض التحديات البيئية نفسها بقوة ضمن اختيارات التنمية بالمغرب، وعلى رأسها إشكالية ندرة المياه، التي لم تعد مجرد وضعية ظرفية مرتبطة بتقلبات موسمية، بل أضحت معطًى بنيويًا يهدد بشكل مباشر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن المغرب يوجد اليوم ضمن المنطقة الحمراء على مستوى المتغيرات المناخية، حيث بات الجفاف ظاهرة بنيوية وممتدة في الزمن، تؤثر على الموارد المائية، والإنتاج الفلاحي، والأمن الغذائي، والتوازنات المجالية، وأمام هذا الوضع، يفرض تدبير إشكالية الماء وإرساء حكامة رشيدة ومندمجة للموارد المائية، تقوم على ترشيد الاستعمال، وتحسين النجاعة المائية في مختلف القطاعات، خاصة الفلاحة والصناعة، مع تنويع مصادر التزويد، عبر تسريع وتيرة مشاريع تحلية مياه البحر، باعتبارها خيار استراتيجي لضمان التزويد بالماء الصالح للشرب والسقي، إضافة إلى تعزيز الربط بين الأحواض المائية لتقليص الفوارق المجالية في التزود بالماء، وضمان قدر أكبر من التضامن الترابي، باعتبار الماء مورد استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق الأمن الغذائي، وضمان التنمية المجالية، والحفاظ على السلم الاجتماعي في سياق مناخي يتسم بندرة متزايدة للموارد الطبيعية.
ويولي التوجه التنموي الجديد بعد محوري للمجال الاجتماعي، باعتباره ركيزة أساسية لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية بدونها، إذ لا تكتمل التحولات الاقتصادية دون مواكبتها بعدالة اجتماعية تضمن كرامة المواطن وتكافؤ الفرص، حيث يراهن المغرب بشكل واضح على مشروع تعميم الحماية الاجتماعية كأحد أكبر الأوراش الإصلاحية ذات الطابع الاستراتيجي، لما له من أثر مباشر على تحسين شروط العيش، وتعزيز الثقة الاجتماعية، وتقوية مناعة المجتمع في مواجهة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ويشمل هذا الورش الاجتماعي توسيع التغطية الصحية لتشمل جميع المواطنين، وتعميم الاستفادة من خدمات العلاج والوقاية، إلى جانب تطوير برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للفئات الهشة، وضمان التعويض عن فقدان الشغل، بما يساهم في الحد من الهشاشة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف الاجتماعي، كما يشكل هذا التوجه رافعة أساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين الإدماج الاقتصادي، ودعم الاستقرار الاجتماعي، باعتبار أن الاستثمار في الإنسان يظل جوهر أي نموذج تنموي يسعى إلى الاستدامة والنجاعة.
و يبقى تقليص الفوارق المجالية من بين اهم الأهداف التنموية في المغرب، إذ يشكل أحد الرهانات الكبرى للنموذج التنموي الجديد، الذي يسعى إلى تجاوز منطق “مغرب السرعتين”، حيث ظلت التنمية متمركزة طيلة سنوات في محور واحد ( محور الدار البيضاء طنجة) ، في حين ظلت مناطق واسعة تعاني من ضعف الخدمات والبنيات التحتية وفرص الاستثمار المحدودة، مما أدى إلى تفاوت اقتصادي واجتماعي حاد بين الجهات، من هذا المنطلق، يركز المغرب على تقوية البنية الاقتصادية والاجتماعية في الجهات والأقاليم الأقل نموا، عبر مشاريع استراتيجية للبنيات التحتية، ودعم الاستثمار، وتنمية القطاعات المنتجة، بما يحقق تكافؤ الفرص بين المواطنين، ويعزز الإدماج المجالي، ويضمن توزيعا أكثر عدالة للثروات، ويضع التنمية ضمن منطق متوازن ومستدام يربط بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ويخرج البلاد من الانقسام التنموي بين الجهات المتقدمة والمهمشة.
تشكل هذه الاختيارات التنموية للمغرب إطار متكامل يسعى إلى بناء دولة قوية، منتجة، وعادلة، ترتكز على اقتصاد متنوع قادر على خلق الثروة، ورأسمال بشري مؤهل قادر على الابتكار والمساهمة الفعلية في التنمية، إضافة إلى تعزيز الانتقال البيئي والطاقي بما يضمن استدامة الموارد وحماية البيئة، ويؤكد النموذج التنموي الجديد أن نجاح هذه الرؤية رهين بالفعالية في تنزيل السياسات العمومية، وبالقدرة على تحقيق الانسجام بين مختلف الأوراش والمبادرات، وبالانخراط الحقيقي لجميع الفاعلين، وعلى رأسهم الشباب، باعتبارهم القوة الحيوية القادرة على دفع عجلة التنمية، وإعطاء نفس جديد للمسار التنموي، بما يجعل من المغرب نموذج للنهضة الشاملة والمتوازنة، قادرًا على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والوصول إلى مصاف البلدان الصاعدة في أفق 2035.