
محمد شهبي
في عالمنا اليوم، لم تعد القوة تُعلن عن نفسها بدويّ المدافع أو اجتياح الجيوش، بل بصمت كابلٍ يُمدّ تحت قاع المحيط، أو بنقرةٍ على شاشة تجمع بين وزيرٍ في عاصمة نامية ومهندسٍ صيني يشرح له كيف تُدار “المدينة الذكية” التي بُنِيَت خلال عامٍ واحد. الحدود لم تعد تُرسم بالخنادق، بل بالخوارزميات.
والسلطة الحقيقية لم تعد فقط في يد من يملك الأرض، بل في يد من يملك البيانات، الشبكات، والكود الذي يُحرّك العالم من الخلف. وهنا، في هذا المشهد الجديد، تقدّم الصين، بهدوءٍ مذهل، مشروعاً طموحاً لا يتطلع فقط إلى البناء، بل إلى إعادة تعريف المستقبل.
هذا ليس خيالاً تقنيّاً، إنه واقع “طريق الحرير الرقمي”، الذراع الخفيّة والحاسمة لمبادرة “الحزام والطريق”، التي أطلقتها الصين عام 2013. فبعد أن بَنَت الطرق والموانئ والسكك الحديدية، انتقلت بكين إلى المرحلة الأهم: بناء العالم الرقمي القادم وفق رؤيتها، بمعاييرها، وبأدواتها.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} من الكابلات إلى السحابة: بنية تحتية بلا حدود
لا يقتصر “الطريق الحرير الرقمي” على فكرة نبيلة، بل على مشاريع ملموسة تمتد من جاكرتا إلى أديس أبابا، ومن إسلام آباد إلى بوينس آيرس. فـ”هواوي” و”ZTE”، رغم القيود الغربية، لا تزالان تبنيان شبكات الجيل الرابع والخامس في أكثر من 70 دولة. و”علي بابا كلاود” و”هواوي كلاود” يوفّران للحكومات حلولاً سحابية متكاملة، من أمن سيبراني إلى أنظمة دفع إلكتروني، غالباً بتمويل ميسّر من بنوك صينية.
حتى الكابلات التي تربط القارات تحت المحيطات؟ كثيرٌ منها يحمل بصمة صينية. شركة “HMN Tech” (الوريثة الجديدة لـ “هواوي مارين”) شاركت في مدّ أكثر من 90 كابلًا بحريّاً، تضمن تدفق البيانات بين الجنوب العالمي عبر بوابات رقمية تُدار، جزئياً، من شنغهاي أو شنجن.
حين يغيب الخيار، يصبح العرض الصيني منقذا
السرّ الحقيقي في نجاح طريق الحرير الرقمي لا يكمن في القوة، بل في الفراغ. الدول النامية، من المغرب إلى سريلانكا، تشكو نقصاً هائلاً في البنية الرقمية. لا ميزانيات، لا خبراء، لا وقت. فتأتي الصين بعرضٍ يبدو معجزة: “سنُنشئ لكم شبكات اتصال، مراكز بيانات، أنظمة ذكية… وسنتدرب معكم خطوة بخطوة”. والأهم: بلا شروط. لا حديث عن حقوق الإنسان، ولا محاسبة سياسية، ولا ربط المعونات بسياسات داخلية.
ليس غريباً إذن أن تختار دولٌ كثيرة هذا الطريق. فلماذا ترفض “مدينة ذكية” تقلّص الزحام وتحسّن الخدمات، فقط لأنّ الكاميرات صينية الصنع؟ الإجابة بسيطة: لأنّ الاحتياجات الملحّة لا تنتظر النقاشات الفلسفية.
لكن… ما الثمن الخفيّ؟
وراء هذا العرض السخي، تكمن مخاطر لا تظهر في العقود، بل في السنوات القادمة:
الاعتماد التقني: بمجرد دخول نظام صيني كامل (من الهواتف إلى برامج الإدارة)، يصبح الخروج منه باهظاً ومعقّداً، أشبه بالهروب من شبكة عنكبوت رقمية.
الخصوصية على المحك: أنظمة التعرّف على الوجوه، تحليل سلوك المواطنين، تتبع الحركات… كلها أدوات مصمّمة في سياق صيني يُقدّس “الاستقرار” على حساب الفرد.
السيطرة على التدفقات: من يملك الكابلات، مراكز البيانات، وبرمجيات التشفير، يملك نفوذاً غير مرئي على تدفق المعلومات، بل وعلى السيادة الرقمية نفسها.
بعض الدول بدأت تدرك ذلك. الهند، على سبيل المثال، تقلّص اعتمادها على المعدات الصينية. والبرازيل طالبت بضمانات صارمة قبل اعتماد تقنيات “الذكاء الاصطناعي الأخضر” الصينية. لكن الأغلبية لا تزال تسير في هذا الطريق… بعينين شاكرتين، وعينٍ ثالثة مغمضة.
الغرب يتأمل… ولا يحرّك ساكناً
في واشنطن وبروكسل، ترتفع الأصوات التنبيهية: “الصين تبني إمبراطورية رقمية!”، “البيانات في خطر!”، “العالم ينزلق إلى نموذج استبدادي!”. لكن الأفعال تبقى خجولة. الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركات، لكنها لا تقدّم بديلاً للدول الفقيرة. وأوروبا تطلق مبادرات مثل “الشراكة العالمية للبنية التحتية”، لكنها تفتقر إلى السرعة، والتمويل، والبساطة.
النتيجة؟ الغرب يخسر ليس معركة الأسلحة، بل معركة البنية التحتية اليومية التي ستشكّل وعي الأجيال القادمة، وسلوكها الرقمي، وربما خياراتها السياسية.
الغد يُكتَب اليوم، في سطر كود
في 2025، دخل “طريق الحرير الرقمي” مرحلته الأهم: تصدير نموذج الحوكمة الرقمية. الصين لا تريد فقط بيع الهواتف أو الكابلات، بل تريد فرض رؤيتها للذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والعملات الرقمية، رؤية تُضخّم دور الدولة، وتهمش الفرد، وترى في التكنولوجيا أداة للنظام لا للحرية.
وفي المقابل، يبقى السؤال الأصعب: هل سنستيقظ بعد عقدٍ لنكتشف أن عالمنا الرقمي، من طريقة دفع الفواتير إلى تتبع انتشار الأوبئة، يُدار بمعايير وُضعت في بكين، دون أن نختار؟
الحرب الجديدة لن تُعلن ولن تُسمع فيها طلقات. لكنها ستحسم في غرف الخوادم، وفي اتفاقيات الشراكة التي تُوقّع اليوم بهدوء.
-باحث في العلوم السياسية
إقرأ الخبر من مصدره