تدق ساعة الحقيقة أمام مدرب المنتخب المغربي وليد الركراكي، عندما يلاقي الكاميرون الجمعة على ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، لحساب ربع نهائي كأس أمم إفريقيا «المغرب 2025»، في مواجهة تختزل نصف قرن من الانتظار، بقدر ما تعيد طرح الأسئلة القديمة حول قدرة «أسود الأطلس» على الجمع بين الانتصار والإقناع.
صحيح أن المغرب يخوض البطولة على أرضه، ويمني النفس بالتتويج للمرة الثانية في تاريخه، والأولى منذ لقب 1976 قبل 50 عاماً، مستنداً إلى أفضلية الجمهور والميدان، لكنه في المقابل لم يقدّم حتى الآن أداءً يرقى إلى سقف التوقعات، ما جعل اسم الركراكي يتردد في المدرجات بنبرة قلق لا بحماسة ثقة.
البداية جاءت بانتصار دون بريق (2–0) أمام جزر القمر المتواضعة، ثم تعادل مخيب (1–1) أمام مالي في الجولة الثانية، رافقته صفارات استهجان دفعت القائد أشرف حكيمي –الغائب حينها بسبب إصابة في الكاحل– إلى الخروج برسالة مباشرة للجماهير: «إذا كانوا معنا يمكننا أن نصبح أبطال إفريقيا معاً». رسالة أعادت الالتفاف الجماهيري خلف المنتخب قبل مباراة زامبيا، التي حسمها المغرب بثلاثية نظيفة، في ردّ فني ومعنوي حمل توقيع الانضباط والنجاعة.
غير أن «الطمأنينة» لم تدم طويلاً، إذ عاد الشك يتسلّل عقب مواجهة ثمن النهائي أمام تنزانيا، التي حسمها المغرب بصعوبة بالغة رغم تفوّقها التاريخي في الأدوار الإقصائية الأخيرة، لتتحوّل أسئلة الأداء إلى هواجس تتقدّم على نشوة التأهل.
الركراكي، الذي يملك تشكيلة عامرة بالمواهب، أغلبها من جيل مونديال قطر 2022 الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم وأنهى البطولة رابعاً، دافع عن خياراته بنبرة الواقعية، قائلاً: «النتيجة أهم من الأداء»، ومذكّراً بملحمة فرنسا 1998 حين احتاجت إلى هدف ذهبي وركلات ترجيح لتشقّ طريقها نحو اللقب العالمي. لكنه يعلم جيداً أن استعارات التاريخ لا تكفي أمام جماهير تنتظر كأساً قارية على أرض الرباط وطنجة والدار البيضاء، لا سردياتٍ تُجمّل التعثّر.
أمام الكاميرون، يدرك المغرب أنه يواجه «عقدة قارية» أكثر مما يواجه منتخباً. فالأسود لم يسبق لهم إسقاط «الأسود غير المروّضة» في نهائيات البطولة، وتحمل الذاكرة الجماهيرية ندبة نصف نهائي 1988 في المغرب، عندما فازت الكاميرون (1–0) قبل أن تتوّج بلقبها الثاني من أصل خمسة. وفي سجل المواجهات المباشرة، يملك المنتخب الكاميروني تفوقاً واضحاً بـ7 انتصارات مقابل 4 تعادلات وخسارة وحيدة، قبل أن يفكّ المغرب عقدته الأولى في 2018 بثنائية حكيم زياش في الدار البيضاء ضمن التصفيات.
النسخة الحالية أعادت كاميروناً مختلفة، إذ منح تغيير المدرب البلجيكي مارك بريس بالمحلي دافيد باغو –قبل 20 يوماً فقط من انطلاق البطولة– دفعة معنوية واضحة، رغم الإخفاق في التأهل إلى مونديال 2026. باغو، الذي تسلّم المهمة في ظرف زمني ضيق، نجح في تجاوز ثمن النهائي على حساب جنوب إفريقيا (2–1)، قائلاً بوضوح: «لم يكن لدينا وقت طويل عندما بدأنا العمل مع المنتخب». لكن النتيجة أن الكاميرون وصلت، والمغرب مطالب الآن بإيقاف هذا الزخم قبل أن يتحوّل إلى مسارٍ نحو اللقب.
وفي الضفة الأخرى من ربع النهائي، تبدو كفة السنغال راجحة أمام مالي على ملعب طنجة، مستفيدة من الاستقرار، وعامل الجاهزية البدنية، وخوضها المباراة الخامسة توالياً في المدينة نفسها، مع استعادة القائد خاليدو كوليبالي بعد الإيقاف. السنغال، حاملة لقب 2021 وصاحبة لقبها الأول في 2022، تبني قوتها على نواة صلبة تضم ميندي، غي، مانيه، وكوليبالي، إلى جانب بروز الواعد إبراهيم مباي (باريس سان جيرمان) الذي أصبح ثاني أصغر هدّاف في تاريخ البطولة.
لكن مالي، رغم غياب أي لقب قاري في خزائنها، ليست «خصماً عابراً»، إذ أرغمت المغرب وتونس على التعادل (1–1)، وأطاحت بالفراعنة بركلات الترجيح بعد صمود بطولي بعشرة لاعبين لـ94 دقيقة أمام تونس، ما دفع مدربها البلجيكي توم سانفييت إلى وصف لاعبيه بـ«الأبطال الوطنيين». منتخب لم يفز في الوقت القانوني، لكنه لم يخسر أيضاً.. يتقدّم بروح الصمود أكثر مما يتقدّم بالأهداف.
المغرب، إذن، أمام مفترق طريق مزدوج: إما عبور نحو نصف النهائي يعيد الثقة للمدرب والشارع الرياضي، أو خروج يعيد فتح نقاشاتٍ لا يريد أحد في الرباط سماعها الآن. فالأرض مغربية، والطموح مغربي، لكن ربع النهائي لا يكسب بالنية وحدها، بل بأداءٍ يطفئ الشك، ويوقّع على ميلاد بطلٍ لا مشهد تأهلٍ مشوب بالارتباك.
الجمعة قد تكتب صفحة الركراكي الذهبية.. أو تطوي فصلاً كاملاً. وفي كلتا الحالتين، البطولة تذكّر الجميع بأن إفريقيا لا تُتَوّج فيها إلا المنتخبات التي تنتزع لحظة الحسم، لا تلك التي تنتظرها.