المسجد في فرنسا: من الإمام القارئ للواقع إلى الخطاب التربوي الجديد

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

في السياق الفرنسي المعقّد، حيث يعيش المسلمون تحت ضغط الهوية وإكراهات الاندماج وتوترات الخطاب العام، لم تعد الإمامة وظيفةً شعائرية تُمارَس داخل جدران المسجد فحسب، بل أضحت مسؤولية فكرية واجتماعية، تتطلب قدرة على قراءة الواقع، وفهم التحولات، ومرافقة الناس في قلقهم اليومي. وقد بيّنا في مقال سابق أن الإمام الذي لا يقرأ الواقع يفقد جزءًا من شرعيته، لأن هذه الشرعية لم تعد تُستمد من الحفظ وحده، بل من القدرة على ربط النص بالإنسان، والوحي بالسياق، والدين بالحياة.

غير أن الاقتصار على نقد الإمام بوصفه فردًا لا يكشف عمق الأزمة، إذ إن المشكلة لا تكمن في الأشخاص وحدهم، بل في البنية الخطابية التي تُنتج الوعظ وتوجّه علاقة المسجد بجمهوره. فالإمام، مهما بلغت كفاءته، يتحرك داخل منظومة خطابية ومؤسسية تحدد سقفه، وتوجّه لغته، وتضبط حدود تأثيره. ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال من مساءلة الفرد إلى مساءلة الخطاب نفسه.

الواقع المركّب للمسلمين في فرنسا: جمهور يحتاج خطابًا جديدًا

يعيش المسلمون في فرنسا تحت ضغوط متشابكة:

تمييز في سوق العمل والسكن، هشاشة اجتماعية، قلق هوية، صراع قيم، فقدان للمعنى، وتوترات إعلامية وسياسية متكررة. ويواجه الشباب، على وجه الخصوص، ظاهرة “إعادة الأسلمة” بوصفها مسارًا فرديًا للبحث عن الهوية، لا حركةً جماعية منظمة، ما يخلق حاجة ملحّة إلى خطاب ديني قادر على مرافقة هذا البحث، لا على إدانته أو تجاهله.

ومع هذا الواقع المركّب، لا يزال جزء معتبر من خطاب المساجد منفصلًا عن السياق، وكأنه يخاطب جمهورًا يعيش في زمن آخر، فيتحول الوعظ إلى صوت بعيد، أو إلى طقس أسبوعي لا يترك أثرًا يُذكر في الحياة اليومية.

الإمام الذي لا يقرأ الواقع: أزمة شرعية لا أزمة شخص

الإمام الذي لا يرى أزمات مجتمعه لا يستطيع إرشاد الناس، ومن لا يدرك أمراضهم النفسية والاجتماعية يعجز عن مداواتها. فقراءة الواقع ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا جوهريًا لبناء خطاب ديني نافع وفاعل.

الإمام الحقيقي هو من يحمل قلقًا فكريًا دائمًا، يطارده السؤال، ويقلقه الواقع، ويدفعه ذلك إلى البحث والتأمل والتجديد. هو من يجدّد خطابه باستمرار، لا من يعيد تدوير الكلمات ذاتها، ومن يلاحق مشكلات الناس بدل أن يهرب منها.

لكن هذا الإمام، مهما بلغ وعيه، سيظل محدود الأثر ما دام الخطاب نفسه أسير المثالية، والتلقين، والانفصال عن الواقع.

الوعظ المثالي: حين يتحول الخطاب إلى عبء

حين يغيب الواقع، يحضر النموذج المثالي: المسلم الكامل الذي لا يضعف ولا يتردد. هذا النموذج يحوّل الوعظ إلى:

أوامر جاهزة
نصائح فوقية
أحكام عامة
حلول سريعة لا تراعي التعقيد
وفي السياق الفرنسي، حيث الضغوط مضاعفة، يتحول هذا الخطاب إلى عبء إضافي بدل أن يكون سندًا ودعمًا.

من التلقين إلى المشاركة: نحو عقد تربوي جديد

الإشكال ليس في النصوص، بل في طريقة تقديمها.

فالجمهور لم يعد بحاجة إلى مزيد من “افعل ولا تفعل”، بقدر حاجته إلى:

فهم ذاته وهواجسه
تحليل واقعه
بناء أدوات لاتخاذ القرار
المشاركة في طرح الأسئلة
التفكير الجماعي في الحلول
هنا يتحول المسجد من منبر للإملاء إلى فضاء تربوي تشاركي، ومن خطاب عمودي إلى خطاب أفقي يُصاغ مع الناس، لا يُفرض عليهم.

قراءة الواقع: شرط بقاء الخطاب نفسه

كما يحتاج الإمام إلى قراءة الواقع، يحتاج الخطاب ذاته إلى هذه القراءة.

فالخطاب الذي لا يسأل:

ما الذي يقلق الشباب؟
كيف تتعامل الأسر مع ضغط القيم؟
كيف تُعاش العلاقة مع الدين في فضاء علماني؟
ماذا يحتاج الناس فعليًا: وصايا جاهزة أم أدوات للفهم والتصرف؟
هو خطاب معلق في الفراغ، مهما بلغت بلاغته.

التحديات الهيكلية: حين تعيق المؤسسات إمكان الإصلاح

لا يمكن فهم جمود الخطاب دون النظر إلى الأزمات البنيوية التي تعاني منها مؤسسات الإسلام في فرنسا، ومنها:

التشتت العرقي في التمثيل
ضعف التأهيل المحلي للأئمة
استمرار الاعتماد على أئمة من الخارج
ضغط الدولة عبر قوانين “قيم الجمهورية”
هشاشة الاستقلالية المؤسسية
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى إنتاج خطاب دفاعي، حذر، ومتردد، بدل أن يكون مبادرًا ومجددًا.

المسجد كفضاء للمواطنة الروحية

في مواجهة هذه التحديات، يمكن للمسجد أن يتحول إلى:

مساحة آمنة للنقاش
مختبر للتفكير الجماعي
مدرسة للقيم المشتركة
فضاء للدعم النفسي والاجتماعي
منصة لبناء وعي جماعي إيجابي
غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بتحرير الخطاب من أسر المثالية والتلقين والانفصال عن هموم الناس.

نحو خطاب جديد: ملامح طريق الخروج

التحول المطلوب ليس تجميلًا شكليًا، بل نقلة منهجية عميقة، تقوم على:

خطاب ينطلق من أسئلة الناس
طرح السيناريوهات بدل الأوامر الجاهزة
ربط النص بالإنسان لا بالنموذج المثالي
تدريب الجمهور على التفكير النقدي
فتح أفق الحوار بدل الانغلاق
وهو وحده الخطاب القادر على مرافقة المسلمين في فرنسا، والإسهام الإيجابي في النسيج المجتمعي الأوسع.

خاتمة: نحو رؤية إصلاحية شاملة

من خلال هذا الربط بين نقد الإمام ونقد الخطاب، تتكشف ملامح أزمة مركّبة لا يمكن تجاوزها عبر تغيير الأشخاص وحدهم، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين المسجد ومجتمعه.

ويبقى السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز عليه:

من يصنع هذا المشهد؟ ومن يحدد طبيعة الخطاب؟ ومن يختار الأئمة؟

هنا تبرز الجمعيات الإسلامية بوصفها الفاعل المركزي الذي سيتناوله المقال القادم، باعتبارها الحلقة التي تربط بين الإمام والخطاب والمؤسسة، ولأن إصلاحها شرطٌ لازم لإصلاح المشهد الديني برمته.

إقرأ الخبر من مصدره