لماذا تتنافس السعودية والإمارت العربية على اليمن؟

Écrit par

dans

الغازي هيلال

في الفترة الفاصلة بين 1967 و1990 كان ما يعرف باليمن الشمالي واليمن الجنوبي الذي استقل عن بريطانيا سنة 1967، أي كانت هناك دولتان في اليمن، لكن دارت مفاوضات دبلوماسية سنة 1990 انتهت بدمج الدولتين وتوحيدهما في نفس السنة. وجرى تثبيت تلك الوحدة عسكريا سنة 1994 بعدما حاول بعض أقطاب اليمن الجنوبي الانفصال مرة أخرى بحجة تهميش اقتصادي وسياسي لحق بأهل الجنوب. وظل اليمن دولة وسط الخليج العربي، ولكنه ليس عضوا في مجلس التعاون الخليجي بحكم التفاوت الاقتصادي الكبير بينها وبين باقي الدول الخليجية الغنية بالنفط والغاز، واحتفظ اليمن بعلاقات قوية مع دول الخليج خاصة الإمارات والسعودية.

ولا خلاف في أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أصبحتا في العشرين سنة الأخيرة هما الدولتان الأكثر تأثيرا في العالم العربي، في ظل تراجع مصر الغارقة في مشاكلها الاقتصادية التي لا حصر لها، وقبلها العراق الغارق هو الآخر في مشاكله الطائفية. فالسعودية لها رمزية دينية وهي الاقتصاد العربي الأكبر، والإمارات العربية المتحدة بفضل شبكتها الاستثمارية الضخمة في العالم العربي عبر شركاتها المتعددة والمتنوعة، وحضورها في كل الملفات العربية تقريبا. وظلت المواقف بينهما، على الأقل ظاهريا، متطابقة إلى حد كبير خاصة فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية التي تهم الدولتين، أو على الأقل هذا ما يظهر في الجانب الرسمي للعلاقات الثنائية، ولكن عددا من الدارسين لأوضاع الخليج العربي يستشفون بأن هناك خلافات بين الدولتين في أكثر من ملف، وبدأت الهوة تتسع سواء فيما يتعلق بالسودان أو سوريا أو حتى منظمة الأوبك للدول المنتجة للنفط، وغيرها من الملفات. فالخلافات في كثير من الأحيان تم تفسيرها بتنافس بين قوتين عربيتين، طبعا تنافس في كل الاتجاهات سواء الاقتصادي أو القوة الناعمة أو التأثير في المحيط الإقليمي أو في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصفة عامة… إلخ.

وقد بدأ “سوء الفهم” بين الدولتين سنة 2019 حينما أعلنت الإمارات بطريقة مفاجئة عن سحب قواتها العسكرية من التحالف الذي كانت تشكل العمود الفقري فيه للقوات الأجنبية ضمن التحالف الذي تقوده السعودية في حربها ضد الحوثيين. بعدها، وبالضبط سنة 2021، أطلقت السعودية حملة على الشركات المتعددة الجنسيات لنقل مقارها من الإمارات إلى الرياض، ومنحتها مهلة مدتها ثلاث سنوات للانتقال أو المخاطرة بخسارة عقود كبرى مع الحكومة السعودية، وطبعا أغضب ذلك الإمارات العربية المتحدة واعتبرته بطريقة غير مباشرة تهديدا لدبي كمركز مالي إقليمي.

لكن التوترات المكتومة بين الرياض وأبو ظبي خرجت إلى العلن وبصفة غير مسبوقة في شهر دجنبر، ففي 3 دجنبر قامت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعمل على انفصال جنوب اليمن بهجوم مفاجئ، وسيطرت على محافظتي حضرموت المتاخمة للسعودية والمهرة المجاورة لسلطنة عمان، وهاتان المحافظتان غنيتان بالنفط ويمثلان تقريبا نصف مساحة اليمن. وقد تحركت السعودية خلف الكواليس لخروج قوات المجلس من المحافظتين لكن دون جدوى، مما دفع هذه الأخيرة إلى قصف سفينتين في ميناء المكلا كانتا محملتين بأسلحة إماراتية لصالح المجلس الانتقالي الجنوبي، وأصدرت السعودية بيانا تتهم فيه الإمارات بدعم المجلس الجنوبي، وبعده بيوم أصدرت الإمارات بيانا عبرت من خلاله عن دهشتها لاستخدام السعودية القوة العسكرية.

لكن السؤال العريض هو: لماذا تدخلت السعودية عسكريا مع العلم أن المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات العربية المتحدة، والذي تأسس سنة 2017، يتمتع بعضوية مجلس القيادة الرئاسي الذي قامت السعودية بتجميعه ويضم ثمانية أعضاء، كل عضو يمثل تيارا معينا في اليمن، وطبعا من بين الأعضاء الثمانية عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي. فالسعودية طبعا ترى في تقسيم اليمن خطرا كبيرا على أمنها الاستراتيجي، وعليها مراقبة الحدود اليمنية السعودية التي تتجاوز 1400 كلم، وتقسيم اليمن يعني كيانات غير مستقرة وتدخل عدد من القوى الإقليمية والدولية قرب حدودها، بما في ذلك قواعد عسكرية أجنبية في اليمن، مع ما يشكله ذلك من تحد أمني في منطقة غير مستقرة وتعيش فراغا في السلطة المركزية.

وتقف عدد من الدول الكبرى، على الأقل ظاهريا، مع الموقف السعودي فيما يتعلق باليمن الموحد، في حين ترى الإمارات أن تدخلها في اليمن هدفه محاربة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية بخليج عدن، وتأمين الممرات البحرية يساعد شركة موانئ دبي العالمية في توسيع استثماراتها الموجودة حاليا في 69 دولة. لكن نظرة بسيطة على الوضع الحالي في اليمن تعطي الأفضلية للإمارات العربية المتحدة، حيث تسيطر قوات المجلس الجنوبي الانتقالي الذي تدعمه على سواحل بحر العرب وخليج عدن ومضيق باب المندب، أي مناطق استراتيجية بالنسبة للتجارة الدولية، في حين أن الموالين للمملكة العربية السعودية لا يسيطرون على مناطق استراتيجية، ووجودهم العسكري ضعيف ومواردهم شبه منعدمة، ويشكل ذلك عبئا ماليا على السعودية في سنة تراجعت فيها مداخيل النفط، مع ما يشكله ذلك من ضغط مالي على مصروفات المملكة.

ويبقى تدخل دبلوماسي أمريكي كحل من الحلول المطروحة لحل الإشكالات الكبرى بين الدولتين الخليجيين، لأنهما شريكان تجاريان وأمنيان مهمان في المنطقة. وسواء الأمير محمد بن سلمان أو محمد بن زايد، تجمعهما علاقات قوية بالرئيس الأمريكي ترامب، وحضورهما وازن في الملفات الإقليمية الكبرى. وقد عبر عن ذلك بوضوح الدبلوماسي الأمريكي السابق دان شابيرو حينما أكد أن “الأمر مقلق لأنه يعرقل الجهود الرامية إلى معالجة جميع بؤر التوتر في المنطقة سواء اليمن، غزة، السودان، سوريا، لبنان، وسيكون حل هذه المعضلات أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات على الموجة نفسها ورأت مصالحهما متعارضة”. فالولايات المتحدة لا تريد صداعا مزمنا جديدا في الخليج العربي، لأن الملفات المفتوحة في السياسة الخارجية الأمريكية كثيرة ومعقدة: أوكرانيا، إيران

إقرأ الخبر من مصدره