« الإقلاع التكنولوجي » في الصين .. استثمارات في العقول قبل المصانع

Écrit par

dans


عبد الإله الخضري

في سياق بحثي الحثيث عن سرّ الإقلاع التكنولوجي الصيني، ولحاقه بما يمكن تسميته بالحدود التكنولوجية في زمن قياسي لا يكاد يتجاوز عقدًا واحدًا، استوقفتني صفقة جرت عام 2016 بدت في ظاهرها استثمارًا عاديًا لا يثير كثير انتباه. غير أن التمحيص في حيثياتها كشف أنها لم تكن صفقة عابرة، بل واحدة من أذكى آليات نقل التكنولوجيا في العصر الحديث؛ تمت بهدوء كامل، دون ضجيج سياسي أو صخب إعلامي، ودون اتهامات صريحة بسرقة تكنولوجيا من أحد.

ليست كل التحولات الكبرى وليدة مواجهة مباشرة، ولا كل امتلاك للمعرفة مبنيًا على قرصنة مكشوفة. أحيانًا يكفي توقيع قانوني هادئ على صفقة استثمار تُغلف فيه المعرفة داخل عقد، لتتحول مع الزمن إلى تسرّب بطيء للعقل الصناعي، وإلى إعادة توزيع غير معلنة لموازين القوة. هذا بالضبط ما فعلته الصين؛ لم تطرق أبواب الصناعة الألمانية بالقوة، ولم تدخلها من الخلف، بل عبر الطريق الذي لا يُغلق في أوروبا: السوق الحرة.

بهذه الطريقة، فتحت بكين طريقًا قانونيًا إلى أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الألماني، الروبوتات الصناعية، حيث يقبع اسم «KUKA» ليس بوصفه اسم شركة عادية، بل عقلًا هندسيًا يصوغ الطريقة التي يُصنع بها العالم. ومن هنا، لم تكن الصفقة انتقال ملكية فحسب، بل لحظة فاصلة في الصراع الصناعي العالمي، صراع تُحسم نتائجه في غرف الاجتماعات لا في ساحات الحرب.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ألمانيا… حين تكون الصناعة عقلًا لا مصنعًا
ألمانيا، عملاق التصدير العالمي بأكثر من 1.5 تريليون يورو سنويًا، لم تكن بلدًا يبيع أصوله تحت ضغط أزمة مالية خانقة. إنها دولة صنعت مجدها على استثمار باراديغم الابتكار المؤسسي، حيث تمتزج براعة الهندسة الدقيقة بالانضباط الصناعي، وحسن الأداء التنظيمي والقانوني، ونجاعة الحوكمة، في منظومة متكاملة راكمت الخبرة على مدى قرن كامل، ودفعت بألمانيا إلى مقدمة السباق نحو الحدود التكنولوجية.

ولذلك، فالألمان لا يبيعون منتجات فحسب، بل يبيعون الطريقة التي يُصنع بها المنتج. مصانع السيارات، وخطوط تجميع الطائرات، والصناعات الإلكترونية فائقة الدقة، كلها تقوم على منظومات تجعل من الصناعة علمًا مركبًا، لا مجرد عمالة وأرض ورأسمال. ومن هنا، تصبح شركات الأتمتة والروبوتات أقرب إلى «أصول سيادية»؛ لا يقل وزنها الرمزي والوظيفي عن الطاقة أو العملة الوطنية، لأنها تمسك بمفاتيح إنتاج القيمة في العالم الحديث.

بهذا المعنى، لم يكن بيع شركة روبوتات كبرى حدثًا ماليًا عابرًا، بل مسألة تمس جوهر القوة الصناعية الأوروبية؛ فحين يخرج السرّ من المصنع، تخرج معه الهيمنة من القارة.

قلق في مقابل عرض مغرٍ… حين تصطدم السياسة بقواعد السوق

في عام 2016، تقدمت شركة «MIDEA» الصينية بعرض للاستحواذ على «KUKA» بسعر مرتفع أغرى المساهمين وجعل الصفقة تبدو فرصة يصعب رفضها. غير أن ما وراء الأرقام كان أعمق: انتقال محتمل لأحد أهم عقول الأتمتة الصناعية في العالم إلى يد قوة صاعدة تعرف جيدًا ماذا تريد، وتعرف أيضًا كيف تصل إلى ما تريد.

في البداية، تعاملت برلين مع الأمر بوصفه صفقة تندرج ضمن قواعد السوق المفتوحة، لكن سرعان ما تسلل القلق إلى دوائر القرار. لم يكن الخوف من خسارة أرباح، بل من فقدان مفاتيح المعرفة الصناعية. فشركة «KUKA» ليست شركة روبوتات فحسب، بل ركيزة أساسية في أتمتة مصانع السيارات والطيران والإلكترونيات حول العالم، وفي تراكم حلول وخبرات لا تُقاس بقوائم الأصول المادية.

حاولت الحكومة الألمانية التحرك؛ نوقشت فكرة حماية الأصول الاستراتيجية، وظهرت دعوات للبحث عن مستثمر أوروبي بديل، بل شُجعت تحالفات صناعية غربية لتقديم عروض مضادة. لكن المعضلة لم تكن سياسية بقدر ما كانت قانونية واقتصادية صرفة. في ذلك الوقت، لم تكن الروبوتات مصنفة كثروة وطنية سيادية، ولم يكن هناك نص صريح يتيح إيقاف الصفقة على أساس «الأمن القومي» بمعناه الصناعي.

هنا لعبت الصين أوراقها ببرود استراتيجي؛ فلم تروج لخطاب أيديولوجي، ولم تستعمل شعارات كبرى، بل التزمت بقواعد السوق الأوروبية، وبالتعهدات المتعلقة بالحفاظ على الوظائف والمقرات والإدارة الألمانية. كل شيء بدا مثاليًا على الورق، إلى حد جعل أي اعتراض سياسي يبدو متناقضًا مع المبادئ الليبرالية نفسها. وجدت ألمانيا نفسها أمام خيار حرج: إما احترام «قداسة السوق» التي طالما تباهت بها، أو كسرها حين يأتي المستثمر من خارج الدائرة الغربية. فاختارت الصمت… وكان الصمت، في تلك اللحظة، علامة الرضا.

من الملكية إلى النفوذ

لم تتعجل الصين جني الثمار؛ فقد تحولت ملكية شركة «KUKA» بهدوء إلى نفوذ إداري، ثم إلى سيطرة استراتيجية صامتة. وفي عام 2017، سُحبت «KUKA» من البورصة، وغابت تفاصيلها الدقيقة عن أعين الرأي العام وفضاء الشفافية المالية. عندها فقط بدأت أوروبا تعيد النظر في قواعد اللعبة، وتبلورت لاحقًا أدوات أشد صرامة لفحص الاستثمارات الأجنبية داخل الاتحاد الأوروبي (ومنها الإطار الأوروبي لفحص الاستثمار الذي دخل حيز التنفيذ عام 2019). لكن، كالعادة، جاء التحصين بعد خروج الجوهرة من الخزنة.

ومع ذلك، من المفيد ألا نُسقط على القصة صورة «انتصار آلي» بلا كلفة؛ فقد واجهت «KUKA» أيضًا صعوبات مالية وتغيرات في القيادة في السنوات الأخيرة، وظهر أن نقل التكنولوجيا —حتى حين يتم قانونيًا وبذكاء— لا يصنع النجاح وحده ما لم يترافق مع إدارة طويلة النفس، وقدرة على ترجمة المعرفة إلى مسارات تنافسية مستدامة.

لماذا «KUKA» ليست مجرد شركة؟

لفهم عمق التحول، لا بد من إدراك حقيقة شركة «KUKA». فهي لا تبيع روبوتات فحسب، بل تصمم العلاقة الكاملة بين الإنسان والآلة داخل المصنع: كيف تتحرك الأذرع، وكيف تُدار خطوط الإنتاج، وكيف يُختصر زمن التوقف، وكيف تُبنى الدقة بالميكرون على روتين صناعي لا يقبل الفوضى.

غير أن الأخطر من الآلة ذاتها هو ما يتراكم خلفها: بيانات، وتجارب، وحلول، ومعرفة لا تُدوّن في كتيبات ولا تُختزل في براءات. إنها معرفة صامتة تتولد من التعلم بالممارسة والاستخدام والتفاعل، وتتجذر في الروتينات التنظيمية التي لا تُستنسخ بسهولة. هذه المعرفة لا تنتقل بالنسخ، بل بالملكية والتطبيق والانغراس داخل منظومة إنتاج حية. وحين انتقلت «KUKA» إلى الملكية الصينية، انتقلت معها، على الأقل جزئيًا، مدرسة كاملة في هندسة المصانع إلى أرض صينية خصبة.

الصين… حين يُشترى العقل ليُصنع الجسد

لم تستخدم بكين «KUKA» لتصدير روبوتات ألمانية إلى العالم، بل لإعادة هندسة مصانعها، وتدريب كوادرها، وتسريع منحنى تعلمها الصناعي، ثم إطلاق منافسين محليين أقل تكلفة وأسرع انتشارًا. هكذا لم تربح الصين شركة فحسب، بل اختصرت سنوات طويلة من التعلم، وانتقلت من موقع المستورد إلى موقع الصانع، ثم إلى موقع المنافس.

وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح. فبحسب تقارير الاتحاد الدولي للروبوتات (IFR، تقرير 2025)، تجاوز المخزون التشغيلي للصين مليوني روبوت صناعي (نحو 2.027 مليون في عام 2024)، مع نمو متسارع جعلها في صدارة العالم. هنا لا نتحدث عن «زيادة في الآلات» فقط، بل عن تسارع في تراكم الخبرة الصناعية وقدرة المنظومة على استيعاب التكنولوجيا وتوطينها.

العبرة من صفقة «KUKA»

بهذا المعنى، لا تُفهم «KUKA» كشركة انتقلت ملكيتها من يد إلى أخرى، بل كنظام تعلم صناعي مُضمَّن (système d’apprentissage intégré) يختزن معرفة صامتة تُكتسب بالتطبيق اليومي، وتترسخ عبر التفاعل بين البشر والآلات، وبين التنظيم والتقنية. ومن هنا يتضح الفارق الجوهري بين من يشتري المصانع، ومن يشتري منظومة التعلم التي تحكم عملها.

وهذا الفارق نفسه يفسر مأزق العديد من الدول النامية، ومنها المغرب، حيث أُقيمت مصانع، وتدفقت الاستثمارات، وارتفعت مؤشرات الإنتاج والتصدير، لكن ضمن باراديغم مؤسسي اختزل الصناعة في خطوط إنتاج معزولة عن مسارات تراكمية للتعلم؛ فبقيت المعرفة خارج المتناول، واستُبدلت الملكية المعرفية بالتبعية الوظيفية. عند هذا الحد، قد نملك «جسد الصناعة» دون «ذاكرتها»، ونستضيف الإنتاج دون أن نمتلك مفاتيحه.

في المقابل، تبدو التجربة الصينية نقيضًا دالًا؛ فهي لم تندمج في العولمة بوصفها مستوردًا للسلع أو مستضيفًا للمصانع فقط، بل بوصفها مستثمرًا في التعلم ذاته، تستورد العقول الصناعية قبل أن تعيد تجسيدها في جسدها الإنتاجي. وهنا لا يعود السؤال عن عدد المصانع أو حجم الاستثمارات، بل عن طبيعة النظام الذي يحكمها: هل هو إنتاج بلا ذاكرة، أم منظومة تعلم قادرة على تحويل الزمن إلى معرفة، والمعرفة إلى سيادة صناعية، ومن ثم اقتصادية؟

ومن هذا المنظور، يصبح سؤال المغرب اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل ستتحول الشراكات الصناعية الجديدة، مع الصين أو غيرها، إلى مسارات تعلم حقيقية تُراكم المعرفة محليًا، أم ستعيد إنتاج نموذج «مصانع بلا ذاكرة»، مهما تغيّر الشريك وتبدلت السياسات؟

إقرأ الخبر من مصدره