هبة بريس – ياسين الضميري
مرة أخرى، يؤكد المغرب أنه لاعب وازن في الساحة الدولية، وأن الدبلوماسية لا تبنى بالصراخ ولا بالشعارات الجوفاء، بل بالحكمة والاتزان وبناء الثقة مع القوى الكبرى.
صورة مجالسة ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية، لدونالد ترامب رئيس أقوى دولة في العالم، خلال توقيع ميثاق انضمام المغرب لمجلس السلام، لم تكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل رسالة سياسية عميقة مفادها أن الرباط أصبحت رقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن والاستقرار الدوليين.
هذا المشهد الدبلوماسي الراقي كشف بوضوح حجم التقدير الذي تحظى به المملكة المغربية لدى صناع القرار في واشنطن، حيث لا تفتح الأبواب ولا تمنح المقاعد المتقدمة إلا للدول التي أثبتت مصداقيتها واستقلالية قرارها وقدرتها على الجمع بين الثبات على المبادئ والبراغماتية في تدبير المصالح.
المغرب، بقيادة ملكه، اختار منذ سنوات نهج سياسة خارجية هادئة لكنها فعالة، قائمة على الشراكات المتوازنة والاحترام المتبادل وعدم الارتهان لأي محور.
في المقابل، لم تخف دوائر الحكم في قصر المرادية انزعاجها من هذا الحضور المغربي اللافت، خاصة بعد تجاهل دعوة الجزائر للانضمام إلى مجلس السلام الذي دعا له ترامب.
تجاهل لم يأت من فراغ، بل يعكس واقعا دبلوماسيا تعيشه الجزائر، عنوانه العزلة، وغياب الرؤية، والاستمرار في خطاب عدائي تجاوزه الزمن ولم يعد يجد آذانا صاغية في العواصم المؤثرة.
المغرب، على عكس ذلك، نجح في تحقيق معادلة صعبة، الدفاع عن مصالحه الوطنية الكبرى دون صدامات عبثية، وبناء شبكة علاقات دولية قوية دون التفريط في سيادته.
دبلوماسية مغربية توازن بذكاء بين المصلحة العامة للأمة، والمصلحة الخاصة للدولة، وتتحرك بثقة في ملفات معقدة، من الأمن الإقليمي إلى التعاون جنوب–جنوب، مرورا بالشراكات الاستراتيجية مع القوى العالمية.
أما الجزائر، فلا تزال حبيسة منطق قديم، تهدر فيه الثروات على شراء الولاءات الوهمية، وتستنزف الطاقات في معارك جانبية لا تزيدها إلا تراجعا.
دبلوماسية قائمة على ردود الفعل، لا المبادرة، وعلى العداء بدل التعاون، ما جعلها تفقد تدريجيا وزنها ومصداقيتها في المحافل الدولية، رغم ما تملكه من إمكانيات كان يمكن أن تجعلها فاعلا حقيقيا لو أحسن تدبيرها.
وفي النهاية، يثبت الواقع أن أمريكا، ومعها باقي القوى الكبرى، لا تجالس سوى الكبار، ولا تراهن إلا على الدول التي تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه.
المغرب اختار طريق البناء والتأثير الهادئ، فحصد الاحترام والمكانة، بينما اختارت الجزائر طريق العناد والإنكار، فكان نصيبها التهميش والحسرة، وبين هذا وذاك، تتضح الفوارق بين دولة تصنع موقعها بثبات، ونظام يكتفي بمراقبة نجاح الآخرين من زاوية الحقد والغيظ.