الخط : A- A+
في الوقت الذي تراهن فيه وزارة التربية الوطنية على مشروع «مدارس الريادة» كرافعة لإصلاح المنظومة التعليمية وتحسين جودة التعلمات، تكشف معطيات ميدانية قادمة من داخل المؤسسات التعليمية، خاصة بإقليم تارودانت، عن واقع ضاغط تعيشه الأطر التربوية والإدارية، نتيجة فجوة واضحة بين التصور المركزي للتنزيل والواقع اليومي داخل الأقسام والإدارات.
وحسب شهادات مهنية متطابقة، فإن تنزيل المشروع يتم في سياق يتسم بضغط زمني ونفسي كبير، حيث يجد الأستاذ نفسه مطالباً بتنفيذ برنامج تقويمي معقد في آجال ضيقة، لا تراعي حجم المهام الملقاة على عاتقه. فجدولة الامتحانات تشكل إحدى أبرز الإكراهات، إذ يُطلب من الأستاذ تصحيح مئات الأوراق في ظرف لا يتجاوز 48 ساعة، مع اعتماد نظام تقويم قائم على تعدد الكفايات وتشعبها. ففي مادة اللغة العربية مثلاً، قد تصل ورقة الامتحان إلى ست صفحات، وتتضمن عشر كفايات مستقلة، يتعين تنقيط كل واحدة منها بشكل منفصل ثم احتساب المعدلات بدقة، في وقت يواصل فيه الأستاذ حراسة الامتحانات الكتابية وإنجاز الاختبارات الشفوية، ما يجعل التصحيح الموضوعي والدقيق مهمة شبه مستحيلة.
وتزداد الوضعية تعقيداً مع فرض الاختبارات الشفوية التي تتطلب تقييماً فردياً لكل تلميذ، اعتماداً على نصوص مسموعة ومشاهد وصفية. وبالنظر إلى أن عدد التلاميذ قد يصل إلى 70 أو 80 تلميذاً للأستاذ الواحد، فإن تخصيص وقت كافٍ لكل متعلم يستلزم أياماً إضافية غير متوفرة ضمن الأجندة الرسمية، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول شروط الإنصاف وموضوعية التقويم في هذا السياق.
وقد زادت واقعة تسريب مواضيع المراقبة المستمرة والامتحان الموحد المحلي بمؤسسات الريادة في السلك الابتدائي من تعقيد الوضع، بعدما اضطرت الوزارة، وفق بلاغ رسمي، إلى اتخاذ قرار تأجيل الامتحان المسرب وإعادة برمجته، بدعوى ضمان تكافؤ الفرص بين التلميذات والتلاميذ وصيانة مصداقية الاستحقاقات التقويمية، وهي الواقعة التي أعادت إلى الواجهة هشاشة آليات التدبير المعتمدة، خصوصاً في ما يتعلق بتداول المعطيات الحساسة المرتبطة بالامتحانات.
وعلى مستوى الوسائل التعليمية، تفيد المعطيات الميدانية بوجود خصاص حاد في الكتب المدرسية الخاصة بمشروع الريادة، حيث يفتقر أكثر من سبعين في المائة من التلاميذ لهذه الكتب بعدد من هذه المؤسسات، ما يضطر الأساتذة إلى اللجوء اليومي للنسخ الورقي كحل اضطراري. كما يثير غياب كراسات الدعم الخاصة بالمستويات الإشهادية، خصوصاً الخامس والسادس، استغراب الأطر التربوية، خاصة وأن هذه الوسائل وُفرت للمستويات الدنيا، وهو ما يربك استعدادات التلاميذ لاجتياز الامتحانات الموحدة، علما أن الدورة الأولى من الموسم الدراسي انتهت، ولحدود الساعة لم يتم توفير هذه الكتب.
أما على المستوى الإداري، يواجه مديرو المؤسسات ضغطاً متزايداً بسبب تعقيد مساطر مسك النقط واستخراج النتائج عبر منظومة مسار، فإلى جانب الإكراهات التقنية المرتبطة بضعف أو انقطاع الربط بالإنترنت، يُطلب من الأساتذة تجاوز مهامهم التربوية للمساهمة في إدخال المعطيات، بينما تجد الإدارة نفسها أمام معالجة كم هائل من النقط والمعطيات يخص آلاف التلاميذ، قد يتجاوز عددهم في بعض المؤسسات 1000 أو 1500 تلميذ بسبب الاكتظاظ، مع إلزامية عقد مجالس الأقسام في آجال ضيقة.
وفي هذا السياق، عبّرت النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية عن رفضها تعميم أي مشروع إصلاحي، بما فيه مشروع “مدارس الريادة”، خارج إطار تقييم علمي وموضوعي، ودون إشراك فعلي للفاعلين التربويين وممثليهم، وحمّلت، في بلاغ مشترك، الوزارة الوصية والمسؤولين المركزيين عن البرنامج المسؤولية القانونية والإدارية والأخلاقية فيما وقع من تسريبات، معتبرة أن اعتماد قنوات تواصل غير مؤمنة، من قبيل تطبيقات التراسل الفوري والمنصات السحابية، شكّل خرقاً صريحاً لأبسط شروط حماية المعلومة.
كما انتقدت النقابات ما اعتبرته تحويل الأطر التربوية والإدارية والمفتشين إلى مجرد منفذين لإجراءات تقنية مكثفة، وإغراقهم في عمليات تقويمية بعيدة عن جوهر الفعل البيداغوجي والديداكتيكي، في غياب أطر مرجعية واضحة يمكن الاحتكام إليها في قراءة النتائج وتحليلها، مطالبة بإعادة النظر في منظومة التقويم التي تحولت، حسب تعبيرها، إلى آلية تقنية منزوعة البعد التربوي والإنساني.
ولم تسلم السنة الدراسية الحالية أيضا من تأثير العوامل الخارجية، حيث ساهمت الاضطرابات الجوية الأخيرة، وما رافقها من توقف للدراسة، في هدر جزء مهم من الزمن المدرسي، دون أن يقابل ذلك أي تعديل مرن في البرمجة. كما يشكل الضغط الاجتماعي عاملاً إضافياً، في ظل تزايد طلبات اللقاء والتواصل مع أولياء الأمور، وهي لقاءات تستهلك وقتاً كان من المفترض تخصيصه لاستدراك التعثرات الدراسية وإنهاء المقررات.
وتخلص الشهادات القادمة من الميدان، مدعومة بمواقف الهيئات النقابية، إلى أن نجاح مشروع مدارس الريادة يظل رهيناً بتوفير شروط تنزيل واقعية، لا تكتفي بجودة التصور البيداغوجي، بل تراعي الإمكانات اللوجستيكية والزمنية والبشرية للأطر المكلفة بالتنفيذ. فدون معالجة اختلالات التدبير، وضمان أمن المعطيات، وإعادة النظر في منظومة التقويم وجدولة الامتحانات، سيبقى الضغط المفرط هو العنوان الأبرز لهذا الورش الإصلاحي، بما قد ينعكس سلباً على أداء الأستاذ ومصداقية المدرسة العمومية وجودة تحصيل التلميذ.