« البلوكتشين » وإدارة الحدود

Écrit par

dans


يونس بومعاز
المقدمة

تشهد التجارة الدولية اليوم تحوّلات عميقة بفعل الثورة الرقمية، من البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، إلى تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) التي تُقدَّم كأحد أهم الابتكارات الواعدة لإعادة هندسة سلاسل التوريد وإدارة الحدود. في هذا السياق، يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح على المغرب وباقي الدول النامية: كيف يمكن توظيف سلسلة الكتل (البلوك تشين) لتحديث تدبير الحدود، تسهيل التجارة الخارجية، ومحاربة الغش والفساد، مع الحفاظ على السيادة وحماية المصلحة الوطنية؟

انطلقت هذه التساؤلات من أبحاث أكاديمية حول “إمكانات سلسلة الكتل في الإدارة المنسقة للحدود في الدول النامية”، حيث تم تحليل الفرص والتحديات التي تطرحها هذه التقنية لإدارة الحدود والتجارة الدولية، مع تركيز خاص على خصوصيات البلدان النامية.

انطلاقًا من هذا الأساس العلمي، يحاول هذا المقال، بلغة صحفية وتحليلية، أن يقرّب القارئ المغربي من مفهوم سلسلة الكتل (البلوك تشين)، ويستعرض أهم تطبيقاتها المحتملة في محيط الجمارك والحدود، قبل أن ينتقل إلى قراءة استشرافية لإمكاناتها في السياق المغربي، خاصة في ظل وجود منصات رقمية رائدة كمنصة “بور نت – PortNet” باعتبارها نافذة وطنية وحيدة لإجراءات التجارة الخارجية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

بهذا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن لتقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) أن تصبح الحلقة التالية في مسار رقمنة الجمارك المغربية، بعد تجربة النافذة الوحيدة والتصريح الإلكتروني، وأن تتحول إلى رافعة حقيقية لتحسين ترتيب المغرب في مؤشرات اللوجستيك وتسهيل التجارة؟

1. ماهية سلسلة الكتل (البلوك تشين) ودورها في ثورة إدارة الحدود 1.1. تعريف تقنية سلسلة الكتل وخصائصها الجوهرية

تُعرَّف سلسلة الكتل (البلوك تشين)، في أبسط صورها، باعتبارها سجلًّا رقميا موزعًا ومشفَّرًا يتم فيه تخزين المعاملات بشكل متتالي في “كتل” مترابطة، بحيث يصبح من شبه المستحيل تعديل البيانات أو التلاعب بها دون أن يترك ذلك أثرًا واضحًا في السجل. هذا السجل لا يوجد في خادم مركزي واحد، بل يتم نسخه وتوزيعه على جميع المشاركين في الشبكة، الذين يملكون نسخًا متطابقة منه، ويشاركون في التحقق من صحة المعاملات الجديدة وإضافتها.

يعتمد هذا السجل الموزع على خوارزميات للتشفير وآليات للتوافق بين العقد المشاركة في الشبكة، ما يجعل الثقة تنتقل من “سلطة مركزية” إلى “منظومة تقنية” تسيرها قواعد واضحة وشفافة. في هذا المعنى، يمكن تلخيص الخصائص الجوهرية لسلسلة الكتل (البلوك تشين) في أربعة أبعاد رئيسية تُستَخدم اليوم في النقاش الدولي حول تحديث الجمارك والحدود:

أولًا، البعد التوزيعي، حيث يتم تشغيل النظام على شبكة موزعة، وكل مشارك (Node) يحتفظ بنسخة محدثة من السجل، ما يقلل من مخاطر التوقف أو الاختراق التي تهدد الأنظمة المركزية.

ثانيًا، بُعد الثقة الرقمية؛ إذ تسمح سلسلة الكتل (البلوك تشين) لأطراف لا تعرف بعضها البعض مسبقًا بأن تتبادل بيانات ومعاملات موثوقة دون وسيط، مع حفظ أثر كامل لجميع العمليات في سجل قابل للتدقيق.

ثالثًا، بُعد عدم القابلية للتغيير، حيث تصبح كل معاملة يتم التحقق منها وتثبيتها في سلسلة الكتل جزءًا من سجل شبه دائم، لا يمكن تعديله أو حذفه إلا وفق آليات صارمة ومعلنة، مما يجعل التلاعب أمرًا بالغ الصعوبة.

رابعًا، بُعد التتبع والشفافية، إذ تسمح سلسلة الكتل بتتبع مسار السلعة أو الوثيقة أو العملية منذ المصدر إلى الوجهة، مع إمكانية الرجوع إلى التاريخ الكامل للمعاملات من قبل الأطراف المخوّل لها ذلك.

هذه الأبعاد الأربعة تجعل من سلسلة الكتل (البلوك تشين) مرشَّحة بقوة لإعادة تصميم عمليات التجارة الدولية، بدءًا من التعاقد والدفع والتأمين، وصولًا إلى التصريح الجمركي والتفتيش والعبور، خاصة وأن الهيئات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الجمارك العالمية بدأت بالفعل في دراسة هذه الإمكانات وربطها باتفاق تسهيل التجارة.

1.2. من ثورة الإنترنت إلى ثورة سلسلة الكتل في التجارة العالمية

حين ظهر الإنترنت، استُخدم في البداية للبريد الإلكتروني، ثم توسّع تدريجيًا ليشمل التجارة الإلكترونية والشبكات الاجتماعية والخدمات المالية. الشيء نفسه يتكرر اليوم مع سلسلة الكتل (البلوك تشين)؛ إذ انطلقت شهرتها من عالم العملات المشفرة، لكنها سرعان ما انتقلت إلى فضاءات أخرى، على رأسها التجارة الدولية وسلاسل التوريد.

تتسم التجارة الدولية، وخاصة في الدول النامية، بتعدد الأطراف والوثائق والإجراءات؛ من المصدّر والمستورد والمصرِّح الجمركي وشركات النقل والتأمين والموانئ، إلى إدارات الجمارك والضرائب والصحة والفلاحة والأمن، وغيرها. هذا التشظي يؤدي إلى تكرار إدخال البيانات، وضياع الوقت، وتفاقم مخاطر عدم التماثل في المعلومات، بل ويفتح ثغرات للفساد والتهرب والغش في القيمة أو المنشأ.

في هذه البيئة المعقدة، تُقَدَّم سلسلة الكتل (البلوك تشين) كأداة قادرة على تحقيق أربعة مكاسب رئيسية: تبسيط الإجراءات، تقليص الكلفة والوقت، رفع مستوى الشفافية، وتعزيز قدرة السلطات على استهداف المخاطر بدل الغرق في معالجة الملفات الورقية واليدوية.

تشير عدة دراسات دولية إلى أن المنصات القائمة على سلسلة الكتل يمكن أن تقلص زمن معالجة الشحنات، وتحد من النزاعات حول المستندات الأصلية، وتدعم في الوقت نفسه التحصيل العادل للرسوم والضرائب. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش حول سلسلة الكتل عن مسار تنفيذ اتفاق تسهيل التجارة الذي يشجّع الدول، ومنها المغرب، على تبنّي النوافذ الوحيدة الإلكترونية وتبادل البيانات مسبقًا، وربط إدارات الحدود عبر منصات رقمية منسَّقة.

2. تطبيقات سلسلة الكتل في إدارة الحدود والجمارك 2.1. من التصريح الجمركي إلى تبادل المعلومات: نحو سلسلة لوجستية شفافة

يُعَدُّ التصريح الجمركي قلب العملية التجارية عبر الحدود؛ إذ يعتمد على تجميع بيانات منشأ السلعة، قيمتها، تصنيفها التعريفي، شروط التعاقد، تكاليف النقل والتأمين، وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي تُستقَى غالبًا من عدة أطراف ووثائق. في الدول النامية، تضيف هشاشة الأنظمة المعلوماتية أو طول السلسلة البيروقراطية تعقيدات إضافية، قد تُترجم إلى أخطاء أو تلاعب أو تأخير غير مبرر.

هنا تبرز سلسلة الكتل (البلوك تشين) كخيار تقني يسمح بإنشاء “سجل رقمي مشترك” تُسجَّل فيه على مدى دورة حياة العملية التجارية كل البيانات المتعلقة بالطلبية، والتصنيع، والتعبئة، والنقل، والتأمين، والتخزين، والتصريح الجمركي.

بدلًا من أن تقوم الشركة أو المصرِّح بإعادة إدخال نفس المعلومات في منصات متعددة، يمكن للسلطات الحدودية، عبر عضوية “مصرح بها” في شبكة سلسلة الكتل، أن تستخرج البيانات مباشرة من مصادرها الأصلية، مع ضمان سلامتها الزمنية وعدم تغييرها.

هذا النموذج يفتح الباب أمام إعادة صياغة وظيفة المصرّح الجمركي من “ناسخ للبيانات” إلى “مستشار امتثال” يركز على التفسير الصحيح للقوانين وتدبير المخاطر، ويعزّز قدرة الجمارك على تحليل المخاطر اعتمادًا على بيانات أكثر ثراء وتفصيلًا، ويُسهِم في اختصار زمن التخليص وتوجيه الموارد البشرية نحو المراقبة النوعية بدل العمل الروتيني اليدوي.

كما أن تبادل المعلومات المسبقة بين الموانئ والمطارات وشركات النقل والسلطات الجمركية عبر شبكة سلسلة كتل “مصرح بها” يسمح بإنشاء ما يشبه “أنبوب بيانات” من المصدر إلى الوجهة، يكون فيه لكل عقدة في السلسلة رؤية فورية ومشتركة لتطور الشحنة ووثائقها.

وقد تمت تجربة هذا النموذج في مبادرات دولية رائدة، حيث سعت بعض المنصات القائمة على سلسلة الكتل إلى ربط شركات الملاحة البحرية والسلطات الجمركية عبر العالم في نظام موحَّد لتتبع الشحنات والوثائق. ورغم التحديات التي واجهتها هذه المبادرات، خاصة في ما يتعلق بالحكامة وتوزيع الأدوار، فإنها أبرزت بوضوح الإمكانات الكبيرة لسلسلة الكتل في تبسيط سلاسل التوريد وتعزيز الشفافية.

2.2. الشهادات الإلكترونية، اتفاقات التبادل الحر، والعبور: نحو ثقة مضاعفة في البيانات

لا يقف الأمر عند التصاريح الجمركية؛ فالحياة اليومية للتجارة الدولية تقوم على شبكة كثيفة من الشهادات والوثائق التنظيمية: شهادات المنشأ، الشهادات الصحية والنباتية، تراخيص الاستيراد والتصدير، شهادات المطابقة والجودة، وغيرها. في كثير من الأحيان، يتم تداول هذه الوثائق في شكل ورقي أو في صيغ إلكترونية قابلة للتلاعب، ما يفتح المجال أمام تزوير المنشأ، أو التلاعب في القيمة المضافة للاستفادة من امتيازات اتفاقات التبادل الحر، أو إدخال منتجات لا تحترم المعايير الصحية والبيئية.

تتيح سلسلة الكتل (البلوك تشين)، في هذا المستوى، ثلاث وظائف أساسية مترابطة:

أولًا، تحويل الشهادات إلى “شهادات إلكترونية غير قابلة للتلاعب”، حيث يُسجَّل إصدار كل شهادة في سلسلة الكتل مع توقيع رقمي للهيئة المانحة، ما يمكّن الجمارك في بلد الاستيراد من التحقق فورًا من صحة الشهادة وصلاحيتها ومنشئها، دون الحاجة إلى مراسلات ورقية أو انتظار ردود من سلطات أجنبية.

ثانيًا، دعم تنفيذ اتفاقات التبادل الحر من خلال تتبّع مكوّنات السلعة من المنبع إلى المنتج النهائي، والتثبت من احترام معايير القيمة المضافة أو تغيير البند التعريفي، وهو ما يسهل إثبات المنشأ التفضيلي في إطار اتفاقيات المغرب مع الاتحاد الأوروبي أو الدول العربية والإفريقية، ويحد من النزاعات حول أهلية السلع للاستفادة من الامتيازات الجمركية.

ثالثًا، تحسين تدبير أنظمة العبور، حيث يمكن لسجل موزَّع واحد أن يربط بين مكاتب الجمارك في بلدان عدة، ويُسجِّل تلقائيًا خروج الشحنة من مكتب العبور الأول ووصولها إلى المكتب الأخير، ما يقلل من المخاطر المرتبطة بالاختفاء غير المبرر للبضائع أو سوء استعمال الضمانات، خاصة في محاور العبور البري والبحري التي يمر منها المغرب كصلة وصل بين أوروبا وإفريقيا.

إلى جانب ذلك، تفتح سلسلة الكتل آفاقًا في مجالات أخرى مرتبطة بإدارة الحدود، مثل إدارة هوية الفاعلين في سلسلة التوريد من خلال رقم تعريفي موحد وآمن للمشغلين الاقتصاديين، وتحسين تحصيل الرسوم والضرائب عبر “عقود ذكية” تضمن تحويل المبالغ مباشرة إلى خزينة الدولة عند تحقق شروط معينة، وتتبع الالتزام بالقوانين البيئية والاجتماعية (محاربة العمل القسري، احترام معايير السلامة، مكافحة التزوير والقرصنة).

3. نحو إستراتيجية مغربية لسلسلة الكتل (البلوك تشين) في إدارة الحدود 3.1. المغرب بين تجربة النافذة الوحيدة PortNet وطموحات القفزة التكنولوجية

قبل الحديث عن سلسلة الكتل، يجدر التذكير بأن المغرب قطع شوطًا مهمًا في رقمنة سلاسل التجارة الخارجية عبر منصة “PortNet” التي تُمثِّل نافذة وطنية وحيدة لإجراءات التجارة الخارجية، تربط بين الفاعلين المينائيين والتجاريين والإدارات العمومية، بهدف تبسيط المساطر وتقليص الآجال.

هذه التجربة جعلت من المغرب مرجعًا في القارة الإفريقية في مجال النوافذ الوحيدة، حيث تُعتبَر PortNet اليوم منصة يستلهمها العديد من البلدان الإفريقية، كما أن التطورات الأخيرة تشير إلى توجهها نحو دمج حلول الذكاء الاصطناعي من أجل تحسين إدارة الوثائق والعمليات اللوجستيكية وتعزيز تجربة المستخدم.

انطلاقًا من هذه القاعدة الرقمية، يبدو إدماج سلسلة الكتل (البلوك تشين) في المنظومة المغربية أقرب إلى “خطوة تالية” منه إلى قفزة في المجهول. فالمغرب يتوفر اليوم على إطار مؤسساتي متقدم في مجال الجمارك الرقمية والتصريح الإلكتروني، ومنظومة مينائية متطورة خاصة في طنجة المتوسط والدار البيضاء، وتجارب متراكمة في تبادل البيانات إلكترونيا بين الفاعلين عبر PortNet، فضلًا عن انخراطه في اتفاقات تجارة حرة متعددة، ما يجعل تتبع المنشأ والقيمة المضافة قضية استراتيجية.

في هذا السياق، يمكن تصور سلسلة الكتل (البلوك تشين) ليس كبديل عن PortNet، بل كطبقة تقنية إضافية تُستَخدم في مجالات محددة: إدارة الشهادات الإلكترونية (شهادات المنشأ، الشهادات الصحية والنباتية)، تدبير برامج الفاعل الاقتصادي المعتمد، تجارب العبور الإقليمي في إطار التكامل الإفريقي، وربط قواعد بيانات الجمارك مع شركاء إقليميين في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

3.2. متطلبات نجاح مشروع سلسلة كتل حدودية في المغرب: الحوكمة، المعايير والموارد البشرية

لكي يتحول الحديث عن سلسلة الكتل من “شعار تكنولوجي” إلى مشروع وطني ملموس في إدارة الحدود، يحتاج المغرب إلى إستراتيجية متدرّجة وواضحة، يمكن تلخيص أهم ملامحها في ثلاثة أبعاد مترابطة، تستلهم جزءًا كبيرًا منها من الأدبيات الدولية حول سلسلة الكتل في محيط الجمارك والحدود.

أولًا، البعد المعياري والتقني: يتطلب الأمر اختيار نماذج مفتوحة ومعايير تقنية تضمن عدم الارتهان لمزوّد واحد، وتسهّل قابلية التشغيل البيني بين منصات سلسلة الكتل المختلفة، سواء داخل المغرب أو مع شركاء دوليين. الأدبيات الدولية، ومن بينها أبحاث منظمة الجمارك العالمية ومنظمة التجارة العالمية، تؤكد أهمية بناء معايير مشتركة لهوية المستخدمين والبيانات الموثوقة والتوقيع الرقمي، بما يسمح بنقل حلول سلسلة الكتل من مرحلة التجارب المعزولة إلى منظومات قابلة للتوسع.

ثانيًا، بعد جودة البيانات وحوكمتها: شعار “النتائج لا تتجاوز جودة المدخلات” يكتسب حساسية خاصة في بيئة السجل الموزع؛ فإذا تم إدخال بيانات غير صحيحة أو غير منسقة إلى شبكة سلسلة الكتل، فإنها ستبقى محفوظة ومتداولة بين جميع الأطراف، ما يجعل تصحيحها أكثر تعقيدًا. من هنا تظهر أهمية وضع إطار وطني ومعايير موحَّدة للبيانات، وتدريب الفاعلين في السلسلة اللوجستيكية (شركات النقل، المصرّحون الجمركيون، الجهات المانحة للشهادات…) على أنماط إدخال البيانات والتحقق منها، قبل التفكير في “سلسلتها” على البلوك تشين.

ثالثًا، بعد الحوكمة والمؤهلات البشرية: أي منصة سلسلة كتل حدودية ستضم فاعلين متنوعين: الجمارك، الشرطة، الصحة، الفلاحة، الموانئ، الشركات، البنوك، شركات التأمين، وغيرهم. لذلك لا بد من نموذج حوكمة واضح يحدد من له حق الانضمام إلى الشبكة وبأي صفة، ومن يمتلك حق التحقق من المعاملات، وكيف تُتَّخذ القرارات التقنية (تحديث البروتوكول، إضافة وظائف جديدة)، وكيف تُحَل النزاعات المتعلقة بالبيانات أو الاختصاص.

إلى جانب ذلك، يحتاج المغرب إلى بناء رأسمال بشري مختص في تقاطع القانون الجمركي، وتسهيل التجارة، والأمن المعلوماتي، وتقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين). هذا التقاطع المعرفي لن يتحقق إلا عبر برامج تكوين مستمرة موجهة لأطر الجمارك والسلطات الحدودية والمهنيين، وعبر تشجيع مشاريع البحث الجامعي والتجارب الميدانية المشتركة بين الجامعة والمؤسسات.

ولا يمكن في هذا الصدد إغفال أهمية التقاطعات بين سلسلة الكتل والتقنيات الناشئة الأخرى مثل الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، الروبوتات، والقياسات الحيوية؛ إذ تشير التقارير الدولية إلى أن القيمة المضافة الحقيقية تظهر حين تُستَخدم هذه التقنيات في منظومة متكاملة، وليس في جزر منفصلة.

خاتمة

تظهر القراءة المتأنية لموضوع سلسلة الكتل (البلوك تشين) في إدارة الحدود أن الأمر لا يتعلق بمجرد “موضة رقمية”، بل بتحوّل عميق في طريقة بناء الثقة بين الفاعلين في التجارة الدولية. فبدل الاعتماد على الورق والتوقيعات اليدوية وسلاسل طويلة من الوسطاء، تَعِدُ سلسلة الكتل بإحلال شفافية خوارزمية، وسجل موزع، وتاريخ غير قابل للمحو للمعاملات والوثائق، بما يفيد في آن واحد الدولة والمقاولة والمستهلك.

بالنسبة للمغرب، الذي راهن مبكرًا على رقمنة الجمارك والنظام المينائي، يمكن لسلسلة الكتل (البلوك تشين) أن تشكّل الحلقة التالية في مسار تحديث البيئة الحدودية وتعزيز تنافسية التجارة الخارجية، خاصة إذا ما تم توظيفها بذكاء في محاور محددة: الشهادات الإلكترونية، برامج الفاعلين الاقتصاديين المعتمدين، مشاريع العبور نحو عمق إفريقيا، والتبادل الآمن للبيانات مع دول شريكة في إطار اتفاقات التبادل الحر.

غير أن النجاح في هذا المسار يظل مشروطًا بعدة عوامل: إرادة سياسية واضحة ترى في سلسلة الكتل رافعة إصلاح وليس خطرًا على التوازنات القائمة؛ إرساء معايير تقنية وقانونية منسجمة مع المرجعيات الدولية؛ استثمار جدي في تكوين الموارد البشرية؛ وتبنّي مقاربة تجريبية تدريجية، تبدأ بمشاريع نموذجية محدودة ثم تتوسع بناءً على تقييم دقيق للعوائد والمخاطر.

في النهاية، قد لا تكون سلسلة الكتل “عصا سحرية” قادرة وحدها على حل جميع إشكالات اللوجستيك والحدود، لكنها بلا شك تفتح أمام المغرب والدول النامية نافذة استراتيجية للاقتراب أكثر من اقتصاد عالمي تُقاس فيه القدرة التنافسية بمدى سرعة الحركة وشفافية البيانات وذكاء الحوكمة. والتحدي المطروح اليوم هو الانتقال من خطاب الإمكانات إلى فعل التجريب والتنفيذ، في إطار رؤية وطنية واضحة تضع إدارة الحدود في قلب مشروع التنمية الشاملة والاندماج الإفريقي والدولي.

-أستاذ باحث (المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير – سطات)

إقرأ الخبر من مصدره