محمد قصير
خلال الأسابيع الماضية، اجتاحت فيضانات غير مسبوقة أجزاء من المغرب، كان لها أثر مدمر على حياة الآلاف من الأسر، وأدت إلى توقف الدراسة في مناطق واسعة، خاصة في القصر الكبير والنواحي، العرائش، والرحامنة. ووفق بيانات أولية من وزارة التربية الوطنية، تأثرت نحو 1200 مؤسسة تعليمية بشكل مباشر، ما أخرج مئات آلاف التلاميذ من النظام المدرسي مؤقتًا.
هذا الواقع يطرح إشكالية أساسية:
كيف يمكن للمغرب استدراك الزمن التعليمي الضائع للتلاميذ، في ظل توقف الدراسة؟ وهل يمكن الاستفادة من تجربة التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19، التي أثبتت قصورها في تعويض التعلم الفعّال؟
الخسائر التعليمية وأثرها على التلاميذ
توقف الدراسة لأيام وأسابيع متواصلة أدّى إلى فقدان ما يزيد عن 30 يومًا دراسيًا في بعض المناطق، وهو ما يعقد استكمال البرامج المقررة دون المساس بجودة التعلم. أكثر من ذلك، فقد أثبت الواقع هشاشة البنية التحتية للمدارس، وضعف خطط الطوارئ التعليمية، خصوصًا في المناطق القروية والنائية.
التلاميذ في هذه المناطق لا يواجهون فقط تأخيرًا في البرامج الدراسية، بل تأثيرًا نفسيًا عميقًا نتيجة فقدان الممتلكات، وغياب الأمان، والانقطاع عن أقرانهم. ففي بعض المدارس، دُمرت الفصول بالكامل، وتعرضت الكتب واللوازم التعليمية للغرق، مما جعل العودة إلى الدراسة بعد الفيضانات تحديًا مضاعفًا.
قصص واقعية من الميدان
في القصر الكبيروفي قرية قريبة، يقول أحد الأساتذة:
“حتى أولئك الذين سيتمكنون من العودة، سيحملون صدمات نفسية واضحة. سنحاول تعويض ما فاتهم، لكن الوقت محدود والمناهج متراكمة”.
هذه الشهادات تكشف أن توقف الدراسة ليس مجرد أيام ضائعة، بل أزمة مركّبة بين التعلم، والدعم النفسي، والبنية التحتية.
مقارنة مع تجربة التعليم عن بُعد أثناء كوفيد-19
عندما ضربت جائحة كوفيد-19 العالم عام 2020، اضطرت منظومات تعليمية في جميع البلدان إلى التحول نحو التعليم عن بُعد. في المغرب، دشّنت وزارة التربية الوطنية مبادرات مثل “التعليم الرقمي” عبر منصات رقمية وبرامج تلفزية.
لكن التقييمات أظهرت أن:
نسبة الوصول الفعلي للتلاميذ إلى التعليم الرقمي كانت أقل من 50٪ في المناطق القروية والفقيرة؛
ضعف البنية التحتية الرقمية وانعدام الإنترنت لدى العديد من الأسر جعل التعلّم عن بُعد أقل فعالية؛
الفجوة بين المتعلمين(ات) الذين يمتلكون أجهزة واتصالًا جيدًا وأولئك الذين لا يملكون زادت من الفوارق التعليمية.
تجربة كوفيد-19 أظهرت أن وجود منصات رقمية وحدها لا يكفي لضمان استمرارية التعلم، كما أن المحتوى غير التفاعلي، وعدم متابعة أداء التلاميذ، قلّص فعالية أي تعويض للزمن الضائع.
استدراك الزمن الضائع: حلول عملية
إنّ استدراك الزمن الضائع بعد الفيضانات يحتاج إلى خطط استراتيجية مركّزة، لا إلى حلول ترقيعية:
1. برامج تعويضية مركّزة
• حصص إضافية بعد الدوام الرسمي، مع مراعاة قدرات التلاميذ.
• دعم تربوي مركز للتلاميذ المتأثرين، يشمل مراجعة المناهج الأساسية قبل التقدم إلى الوحدات الجديدة.
• استخدام طرق تعليمية مبتكرة مثل التعليم بالورشات والأنشطة العملية لتعويض الفاقد الدراسي.
2. تعليم عن بُعد فعّال ومتكامل
• استثمار البنية التحتية الرقمية في القرى النائية.
• توفير أجهزة وحواسيب وتغطية إنترنت مجانية للتلاميذ الأكثر هشاشة.
• تدريب المعلمين على تصميم محتوى تفاعلي يشجع على التعلم النشط.
3. دعم نفسي واجتماعي للتلاميذ
• دمج برامج الدعم النفسي داخل المدارس، مع تخصيص أخصائيين نفسيين للتعامل مع الصدمات.
• تنظيم جلسات جماعية للفهم والتعبير عن المشاعر، لمساعدة التلاميذ على تجاوز الخوف والقلق.
4. تقييم مستمر وفردي
• إجراء اختبارات قصيرة لتحديد مدى استيعاب التلاميذ بعد العودة، لتخصيص برامج دعم فردية.
• متابعة التقدم لضمان عدم تراكم الفاقد التعليمي.
لماذا الفشل السابق في التعليم عن بُعد يجب أن يكون درسًا؟
• ضعف الوصول للأجهزة والإنترنت أبرز قصور البنية الرقمية في المغرب.
• عدم التحضير الكافي للمعلمين، مما جعل محتوى التعليم الرقمي ضعيف التفاعل.
• عدم تكافؤ الفرص أدى إلى توسيع الفجوة بين المناطق الحضرية والقروية.
إنّ التعليم الرقمي يجب أن يكون مدعومًا بالبنية التحتية، والتدريب، والدعم النفسي، وليس مجرد منصة رقمية أو محتوى مسبق.
دعوة مؤسساتية عاجلة
ما يحدث اليوم يفرض على الدولة والمجتمع المدني التحرك بشكل عاجل:
• إعداد خطة وطنية دائمة لاستمرارية التعليم أثناء الكوارث؛
• إدماج الدعم النفسي والتربوي في خطط المدارس؛
• تقليص الفجوة الرقمية بين المناطق؛
• إعادة النظر في برامج تعويض التعلم لضمان استعادة التقدم الدراسي للجميع؛
• إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لضمان متابعة التلاميذ الأكثر هشاشة.
فالزمن المدرسي الضائع لا يُستدرك بالشعارات، بل بالقرارات الشجاعة والسياسات الممنهجة. فالتأخير في الإصلاح يعني خسارة جديدة لتلاميذنا ومستقبل المجتمع بأكمله.
إنّ الأزمات مثل الفيضانات وجائحة كوفيد-19 تكشف هشاشة منظومة التعليم في المغرب، لكنها تقدم فرصة لإعادة التفكير في السياسات التعليمية، وتحويل التحديات إلى فرص لتقوية المرونة، والعدالة المجالية، والجودة التعليمية.
إذا تم التعامل مع الزمن الضائع بجدية وفعالية، يمكن للمغرب أن يحوّل ما كان مصدر أزمة إلى نقطة انطلاق نحو تعليم أكثر إنصافًا ومرونة وقادرًا على مواجهة أي تحدي مستقبلي.
المراجع والبيانات الأساسية
1. تقارير وزارة التربية الوطنية حول التعليم عن بُعد (2020-2021).
2. بيانات وزارة التربية الوطنية حول الفيضانات الحالية (2026).
3. تقارير اليونيسف والبنك الدولي حول تأثير الكوارث على التعليم.
4. إحصاءات رسمية حول الفجوة الرقمية بالمغرب (نسبة الأسر المتصلة بالإنترنت – 2025).
* أستاذ باحث، خبير في مجال التربية وطرائق التدريس والبيداغوجيات الحديثة
[email protected]