الواد فؤاد
في أعقاب المصادقة على القانون التنظيمي رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، التي جرت في مجلس النواب يوم 20 يناير الجاري بأغلبية 82 صوتاً موافقاً مقابل 33 معارضاً، يبرز سؤال ملح حول دور الإداريين الجامعيين في هذا التحول. يُعتبر هذا القانون، الذي وصفه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بأنه محطة متميزة في مسار تحديث المنظومة، خطوة نحو جامعة مغربية حديثة ومنفتحة. غير أن النقاشات الجارية حول إصلاح التعليم العالي، بموجب القانون الإطار 51.17، تركز غالباً على الأساتذة الباحثين والبرامج البيداغوجية، متجاهلة دور الإداريين الذين يشكلون العمود الفقري لتسيير المؤسسات الجامعية. إن إشكالية الكفاءات والتكوين لدى هذه الفئة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل معضلة جوهرية قد تحدد نجاح أو فشل الإصلاح، خاصة مع تعقد المهام وتطور النموذج البيداغوجي. المفارقة تكمن في أن قانون الوظيفة العمومية (الظهير الشريف 1.58.008، كما تم تعديله حتى 2024) لا يواكب هذه التحولات، مما يخلق فجوة بين المهام الموكولة والكفاءات المتوفرة.
المشهد الحالي: فجوة كفاءات في ظل تشريع غير مواكب
تعاني الإدارات الجامعية، سواء العامة أو الخاصة، من فجوة واضحة بين المهام والكفاءات المتاحة، في ظل تشريعين متوازيين لا يتكاملان بشكل كافٍ. مع دخول القانون 59.24 حيز التنفيذ قريباً، لم يعد عمل الإداري الجامعي روتينياً؛ فالمادة 35 تفرض على رئيس الجامعة مهاماً استراتيجية مثل إعداد الاستراتيجيات، التنسيق بين المؤسسات، وإبرام الاتفاقيات، مما يتطلب كفاءات إدارية متقدمة. كما تنص المادة 37 على تعيين مدير إداري ومالي متخصص لمساعدة الرئيس، مع التركيز على الاستقلال المالي للجامعات.
من جانبه، يظهر قانون الوظيفة العمومية قصوراً واضحاً: الفصل 23 يحدد السلك الإداري بشكل عام دون مراعاة خصوصية الإدارة الجامعية، بينما الفصول 28 إلى 35 (المتعلقة بالتنقيط والترقية) لا تربط بوضوح بين التكوين المستمر والترقية الوظيفية. كما يغيب تماماً أي مقتضيات خاصة تجعل التكوين إلزامياً للموظفين في المناصب القيادية بالجامعات، مما يعمق التحديات في مواجهة التحولات الرقمية والمالية الجديدة.
القانون 59.24: مكتسبات جزئية وإشكالات تطبيقية
يُظهر القانون الجديد إدراكاً جزئياً لهذه الإشكالية، لكنه يترك التفاصيل للنصوص التنظيمية المقبلة. من المكتسبات البارزة: اعتراف صريح بوظيفة المدير الإداري والمالي (المادة 37)، مع استفادته من وضعية مالية مشابهة لمديري الإدارات المركزية؛ إدراج ممثلين إداريين في مجلس الجامعة (المادة 30، بثلاثة أعضاء منتخبين)؛ واشتراط شهادة ماستر وخبرة خمس سنوات للكاتب العام (المادة 52).
ومع ذلك، يثير القانون انتقادات شديدة من النقابات، التي تراه “مفروضاً بالقوة” ويهدد بـ”شلل أكاديمي”. فالمادة 84 تحيل وضعية الإداريين على قانون الوظيفة العمومية دون آليات تكيف، وتغيب مقتضيات انتقالية لتأهيل الأطر الحالية، كما لا تحدد آليات للتكوين المستمر في ظل الاستقلال الإداري والمالي. وفي تصريح للنقابة الوطنية للتعليم العالي، أعلنت عن إضرابات تصعيدية احتجاجاً على عدم الاستجابة لاعتراضاتها الجوهرية.
التناسب بين التكوين والمنصب: معضلة قانونية
تكمن المشكلة الرئيسية في انفصال منظومة التكوين عن متطلبات المنصب الإداري. في قانون الوظيفة العمومية، يسمح الفصل 15 بأنشطة عرضية مثل الاستشارات كأساس للتكوين الذاتي، لكن الفصل 28 يمنح نقطاً سنوية دون اشتراط تكويني، والفصل 30 يربط الترقية بالأقدمية دون إلزامية التكوين.
لمعالجة ذلك، يُقترح تعديل قانون الوظيفة العمومية بإضافة فصل جديد يجعل التكوين حقاً وواجباً، مع مخططات سنوية مرتبطة بالمنصب، وتعديل الفصل 30 لإعطاء وزن للكفاءات في الترقية. كما يُنصح بمرسوم مشترك بين وزارتي التعليم العالي والوظيفة العمومية لتحديد الشهادات، المناصب الحساسة، ونظام الحافظة المهنية.
مجالات الكفاءة المطلوبة
يتطلب القانون 59.24 كفاءات تقنية مثل إدارة الأنظمة المعلوماتية (المادة 83، نظام وطني خلال 5 سنوات)، التدبير المالي (المادة 36)، والجودة (المادة 4). أما الكفاءات القانونية فتشمل فهم الاستقلالية (المادة 10)، بينما السلوكية تتضمن القيادة التحويلية (المادة 34) وإدارة التغيير (المادة 13، الأقطاب الجامعية).
رؤية مقترحة للإصلاح
على المستوى المؤسساتي، يمكن إعطاء نفس جديد للإصلاح من خلال تفعيل الأقطاب الجامعية وتحويلها إلى فضاءات عملية لتطوير كفاءات الإداريين، عبر مراكز متخصصة في التكوين وتبادل الخبرات بين الجامعات. فنجاح الجامعة الحديثة لا يقوم فقط على جودة التدريس والبحث، بل أيضاً على إدارة مؤهلة وقادرة على مواكبة التحول.
تشريعياً، يظل جعل التكوين المستمر شرطاً أساسياً لتولي المسؤوليات الإدارية أو تجديدها خطوة ضرورية، مع تخصيص جزء من ميزانية الجامعة لهذا الغرض، باعتبار التكوين استثماراً في الحكامة والنجاعة، لا عبئاً مالياً إضافياً.
أما ثقافياً، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتغيير النظرة إلى الإداري الجامعي، من مجرد منفذ للإجراءات إلى شريك فعلي في اتخاذ القرار وصناعة التحول، مع تشجيع روح المبادرة والابتكار داخل الإدارة الجامعية، حتى تصبح الجامعة فضاءً حياً للإصلاح لا مجرد نص قانوني على الورق.
التحديات المتوقعة
تنزيل هذه الإصلاحات لا يخلو من تحديات حقيقية. فهناك، أولاً، مقاومة ثقافية داخل الإدارة العمومية، تغذيها أنماط تدبير تقليدية ما تزال تؤطرها مقتضيات قانون الوظيفة العمومية، خاصة ما يتعلق بثقافة الامتثال بدل المبادرة. ويضاف إلى ذلك إكراه مالي، فرغم تنوع مصادر تمويل الجامعات، تظل الموارد المتاحة محدودة ولا تُوجَّه دائماً نحو الاستثمار في التكوين وبناء الكفاءات.
كما يطرح الإصلاح إشكالاً ثالثاً يتمثل في تنافر مؤسساتي محتمل ناتج عن توسيع استقلالية الجامعات، وهو ما قد يؤدي إلى تفاوت في الممارسات واختلال في التنسيق بين المؤسسات. وأخيراً، تبرز معضلة قانونية تتعلق بصعوبة التوفيق بين استقلال الجامعات من جهة، واستمرار إخضاع الموارد البشرية الجامعية لقانون وظيفة عمومية موحّد من جهة أخرى، وهو تناقض يهدد فعالية الإصلاح إن لم تتم معالجته بجرأة تشريعية.
نحو نموذج تكاملي
لا يمكن تصور جامعة رقمية وفاعلة دون إداريين مؤهلين قادرين على قيادة التحول، كما يؤكد القانون 59.24. الاستثمار في كفاءاتهم هو استثمار في جودة التعليم العالي، كما تؤكد غايات القانون 51.17. المستقبل يتطلب إداريين مبتكرين، خلافاً للنظرة التقليدية. إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح إدارته، عبر تعديل تشريعي يربط التكوين بالمنصب، تفعيل مقتضيات 59.24، خلق هياكل تكوينية في الأقطاب، وتكريس ثقافة التعلم المستمر. فكما يحتاج الأساتذة إلى تكوين مستمر، يحتاج الإداريون إلى ذلك في إطار قانوني محفز، ليصبحوا شركاء في بناء الجامعة المغربية المستقبلية.
القوانين العظيمة لا تُصنع في قاعات البرلمان وحدها، بل تُخْتَبَرُ في مختبرات الجامعات، وتُشَحذُ في قاعاتها، وتُحَيَّنُ في مكاتب إدارتها. التشريع يولد فكرةً، لكن الجامعة تحوّله حياةً.