رشيد المدني
المقدمة: السياق، المنهجية، والرهانات
يشكل إصلاح الإدارة الترابية وتحديث هياكلها أحد المداخل الأساسية التي ركز عليها تقرير “المغرب في أفق 2040” لتطوير الرأسمال المؤسساتي. فالتنمية لا يمكن أن تحقق قفزتها المنشودة دون “إدارة قرب” تتسم بالمرونة والقدرة على الاستجابة للتحولات الديموغرافية والعمرانية. وتهدف هذه الورقة إلى تبيان كيف يمكن للتقسيم الإداري وتجديد النخب أن يتحولا من مجرد “إجراءات تقنية” إلى “رافعات استراتيجية” تعزز ثقة المواطن في مؤسساته وتُسرّع من وثيرة النمو المحلي.
تعتمد هذه الورقة على المنهج الاستنباطي الذي ينطلق من الرؤية الاستراتيجية الكبرى للمملكة (الرأسمال اللامادي)، ليقوم بإسقاطها تحليلياً على الواقع الميداني لمدينة مكناس. وقد انتظمت مادة هذه القراءة عبر ثلاثة محاور أساسية: أولاً، العبقرية التنظيمية في مواجهة التحدي الديموغرافي؛ ثانياً، بروفايلات النخب الجديدة ورهان الكفاءة؛ وثالثاً، الأبعاد التنموية لإحداث الملحقات الإدارية الجديدة (نموذج الملحقة 21). رابعا، مأسسة العلاقة مع مغاربة العالم، ثم الخاتمة والتوصيات
المحور الأول: العبقرية التنظيمية والذكاء المجالي بمكناس
إن النمو الديموغرافي المتسارع للمدن المغربية يفرض تحدياً مزدوجاً؛ ضمان استمرارية الخدمات، ومنع الترهل البيروقراطي في الوحدات الإدارية الكبرى. ويعكس إحداث الملحقة الإدارية الحادية والعشرين، الناتجة عن تقسيم الملحقة الثامنة (74 ألف نسمة)، ذكاءً مجالياً واضحاً. فالبقاء ضمن الهياكل القديمة كان سيؤدي حتماً إلى تراجع جودة الخدمة وضغط هائل على المرتفقين. إن هذا “التميز المغربي” في هندسة القرب يسعى إلى إعادة التوازن الديموغرافي بين الوحدات الإدارية، بما يضمن توزيعاً عادلاً للموارد البشرية واللوجستيكية.
نخلص عند هذا المحور، أن النجاعة الترابية في مكناس هي ترجمة ميدانية لـ “قواعد اللعبة” الجديدة التي تنبني على المرونة التنظيمية بدلاً من الجمود الهيكلي.
المحور الثاني: “جيل جديد” من رجال السلطة.. رهانات الكفاءة والمسار
إن فاعلية الهندسة المؤسساتية الجديدة تظل رهينة بجودة النخب الإدارية المنوط بها التنزيل الميداني؛ حيث لا يمكن للأطر الهيكلية أن تحقق غاياتها التنموية ما لم تكن مسكونة بفلسفة ‘المفهوم الجديد للسلطة’. هذا المفهوم الذي يعيد تعريف دور رجل السلطة من وظيفة الضبط الإداري إلى مهمة ‘الخدمة العمومية’، جاعلاً من نجاعة الأداء في تلبية حاجيات المواطن المعيار الأسمى والمحرك الفعلي لكل فعل إداري.”
كما أن المقاربة الاستراتيجية المرتكزة على الحكامة، لا يمثل على ضوئها التحديث الهيكلي للإدارة سوى ‘الوعاء المادي’ للإصلاح، أما جوهره فيكمن في ‘الرأسمال البشري’ القادر على تمثل العقيدة السلطوية الجديدة. إن رهان النجاح في الملحقات والدوائر المحدثة يتوقف على نخب تتجاوز المقاربات البيروقراطية التقليدية، لتعتنق عقيدة ‘المواطن أولاً’، باعتبارها الركيزة الأساسية لترسيخ الحكامة الجيدة وتحقيق التقارب بين الإدارة ومرتفقها.”
ضمن هذا الفهم، لا تستقيم الهياكل الجديدة إلا بنخب قادرة على استيعاب فلسفة “المفهوم الجديد للسلطة” الذي يضع خدمة المواطن فوق كل اعتبار. حيث يعد تنصيب السيد إلياس أبرارج (خريج الفوج 60) على رأس الملحقة الخامسة نموذجاً لضخ دماء أكاديمية متخصصة في التدبير؛ حيث إن حصوله على ماستر في “تدبير واستراتيجية المنظمات” وتجربته في القطاع الخاص، يشكلان قيمة مضافة للعمل الإداري. هذا التوجه نحو “بروفايلات تدبيرية” يعكس الرغبة في تحويل الملحقة الإدارية من “مركز للضبط” إلى “مركز للتنمية والابتكار”، تماشياً مع روح بلاغ الديوان الملكي حول النموذج المغربي المتفرد.
إن الاستثمار في “الرأسمال البشري” الإداري هو الضمانة الحقيقية لتحويل الملحقات الجديدة إلى قاطرات فعلية للتنمية المحلية.
المحور الثالث: الملحقة 21 وإلتقائية السياسات التنموية بمكناس
إن إحداث الوحدات الإدارية ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتأطير الدينامية التنموية والمشاريع الكبرى التي تشهدها الحاضرة الإسماعيلية.
يرتبط إحداث الملحقة 21 وتعيين كفاءات مجربة (مثل السيد منير أكضاض) بضرورة مواكبة المشاريع المهيكلة الكبرى في مكناس. فالمسؤول الترابي اليوم مطالب بالعمل كـ “منشط اقتصادي” يسهل الاستثمارات الخاصة ويسهر على جودة حياة المواطنين. هذا النوع من الإدارة هو الذي يخلق “الرأسمال الاجتماعي” (الثقة)، مما يجعل من مكناس قطباً جاذباً للاستثمار في أفق 2040.
في المحصلة يمثل هذا التقطيع الإداري الجديد “قاطرة إدارية” صُممت لتواكب “القاطرة الاقتصادية” للمدينة، مما يحقق التكامل المنشود في النموذج التنموي.
المحور الرابع: مأسسة العلاقة مع مغاربة العالم.. نحو إحداث “خلية التواصل والمواكبة”
إن الارتباط الوجداني والوطني لمغاربة العالم، والذي ثمنه بلاغ الديوان الملكي الأخير عالياً، يستوجب ترجمته مؤسساتياً على مستوى الإدارة الترابية للقرب، لضمان استدامة مساهمتهم في التنمية المحلية.
يعد إحداث “خلية استماع ومواكبة” أو تعيين “مكلف بملف مغاربة العالم” داخل الدوائر والملحقات الإدارية الجديدة بمكناس ضرورة استراتيجية تمليها رهانات الرأسمال اللامادي. فمدينة مكناس، باعتبارها خزاناً كبيراً لمغاربة العالم، تحتاج إلى “واجهة إدارية متخصصة” داخل الملحقات (خاصة الملحقة 21 والدوائر الحضرية المحدثة) تعنى بالآتي:
إن مأسسة خدمة مغاربة العالم داخل الملحقات الإدارية هي اعتراف بالدور المحوري لهذه الفئة كرافعة للرأسمال البشري، وتنزيل حقيقي لشعار “الإدارة المواطنة” التي لا تعترف بالحدود الجغرافية في تقديم خدماتها.
الخاتمة والتوصيات
خلاصة القول، إن ما تشهده مدينة مكناس من حركية إدارية وتنظيمية يمثل تجسيداً حياً لـ “لطموح المغربي” في تدبير الشأن المحلي. رغم ما تجره من أعطاب التنمية وتهالك عدد من البنيات التحتية وضعف مخرجات البنية المؤسساتية المنتخبة، هو مسار يوفق بين صرامة الدولة (الرأسمال المؤسساتي) ومرونة الخدمة (الرأسمال البشري)، وفاءً للتوجيهات الملكية السامية التي تجعل من كرامة المواطن بوصلة لكل إصلاح.
توصيات لدعم الملحقات والدوائر الإدارية المحدثة: