نزار بركة لـ”ديكريبتاج”: السياسة الحقيقية عمل دؤوب والاستباقية مكنت من محاصرة “فيضانات استثنائية” وحماية أرواح المغاربة

Écrit par

dans

الخط : A- A+

كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، خلال حلوله ضيفا على برنامج “ديكريبتاج” عبر إذاعة “أم إف أم”، الذي يقدمه الدكتور عبد العزيز الرماني ويُرافقه فيه ثُلة من الخبراء المرموقين، عن الأبعاد العميقة والتفاصيل التقنية المرتبطة بالمرحلة الاستثنائية التي عاشتها المملكة في مواجهة التقلبات المناخية الأخيرة، وبالخصوص على مستوى إقليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان، مبرزا أن هذه المحطة شكلت اختبارا حقيقيا لقوة الدولة المغربية وقدرتها على التدبير الاستباقي وذلك بإشراف مباشر من الملك محمد السادس، الذي وضع سلامة المواطنين وأرواحهم فوق كل اعتبار، معتبرا أن الحفاظ على العنصر البشري كان هو البوصلة والموجه الأساس لكل القرارات الصعبة والمتخذة في ظرفية اتسمت بالدقة والخطورة.

وفي هذا السياق، أوضح المسؤول الحكومي، وبلغة الأرقام، أن المغرب واجه وضعية مناخية غير مسبوقة بكل المقاييس، حيث بلغت معدلات التساقطات المطرية 150 ملم، وهو ما يمثل تجاوزا بنسبة 35 في المئة للمعدل السنوي العادي المسجل بين عامي 1990 و2020، كما أشار الوزير إلى أن التحدي الأكبر تمثل في التركيز الزمني لهذه التساقطات، إذ استقبلت السدود والمجاري المائية وارادات ضخمة وصلت إلى 12 مليار متر مكعب، منها 6 مليارات متر مكعب تدفقت في ظرف أسبوع واحد فقط، مما جعل الإمكانيات التخزينية المتاحة حينها غير كافية لاستيعاب هذا الحجم الهائل من المياه المتدفقة في وقت وجيز جدا، وهو ما فرض حالة من الاستنفار القصوى لمواجهة التداعيات المحتملة.

واستعرض نزار بركة المعطيات المتعلقة بالغطاء الثلجي الذي سجل أرقاما قياسية غير مسبوقة، حيث وصلت المساحة المغطاة بالثلوج إلى 50 ألفا و500 كيلومتر مربع، قبل أن تتراجع لاحقا إلى 10 آلاف و700 كيلومتر مربع مع استمرار التساقطات الثلجية في الأيام الموالية، وأكد أن هذه الأرقام تعكس حجم الصعوبة الميدانية والضغط الذي واجهته مراكز القرار، خاصة في ظل المسؤولية الجسيمة المرتبطة بكل قرار يتم اتخاذه، مشيرا إلى أن أي هفوة أو تأخر في التدخل كان من الممكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية، مما تطلب دقة متناهية في التحليل وسرعة في التنفيذ لضمان حماية الساكنة والممتلكات.

وتوقف المتحدث عند نموذج منطقة اللوكوس وسد واد المخازن لتوضيح حجم الخطر، حيث بلغت الحمولة المائية مستوى قياسيا، مشيرا إلى روح الوطنية العالية والصبر الكبير الذي أبان عنه سكان الأقاليم المتضررة، لاسيما في إقليمي العرائش والقنيطرة، حيث تفاعل المواطنون بإيجابية مع التوجيهات والتعليمات الضرورية، مبرزا أن تضحيات الساكنة كانت ركيزة أساسية في نجاح خطة الطوارئ، وتوجت هذه الجهود بالقرار الملكي القاضي بتعويض المتضررين وإعادتهم التدريجية إلى مناطقهم لاستئناف حياتهم الطبيعية.

ومن جهة أخرى، استحضر نزار بركة لغة التشبيه لتقريب الرأي العام من حجم التحدي الذي واجهته السلطات، مبينا أن صبيب المياه المندفعة في واد المخازن، والذي بلغ 3200 متر مكعب في الثانية، يمثل قوة هيدروليكية هائلة تعادل في ظرف ساعة واحدة فقط تغطية ما يناهز 1700 ملعب كرة قدم بالكامل بالماء، أو ملء مساحة صومعة حسان التاريخية عشر مرات متتالية، وأوضح الوزير أن تدبير هذه الكميات المرعبة من التدفقات المائية في وقت وجيز جدا كان يتطلب قرارات دقيقة توازن بين الضرورة التقنية وحماية الأرواح، مؤكدا أن هذه اللحظات المفصلية هي التي تبرز جوهر المسؤولية الحكومية في أسمى تجلياتها، بعيدا عن الممارسات السطحية أو محاولات الاستعراض التي لا تمت لواقع الأزمة بصلة.

وحدد المسؤول الحكومي ثلاثة مرتكزات أساسية كانت وراء تجاوز هذه الأزمة بنجاح، أولها الاستباقية التي مكنت من ربح الوقت اللازم لتفادي وقوع أضرار جسيمة في الأرواح، وثانيها التنسيق المحكم بين مختلف مكونات الدولة، حيث انخرطت الوزارات والقوات المسلحة الملكية والسلطات الأمنية والمحلية والوقاية المدنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، إلى جانب الولاة والعمال والمجتمع المدني، في منظومة عمل موحدة ومنسجمة، أما المرتكز الثالث فتمثل في الخبرة التقنية العالية التي أظهرتها الأطر المغربية، حيث كان الوضع يتطلب حلولا مبتكرة وتقنية في كل دقيقة لمواكبة التطورات الميدانية المتسارعة والتقلبات المفاجئة.

ووجه نزار بركة تحية تقدير لكل المتدخلين الذين كانوا في الصفوف الأمامية لمواجهة الفيضانات، مخصصا بالذكر القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والوقاية المدنية والقوات المساعدة، بالإضافة إلى السلطات الترابية التي أبانت عن تفان كبير، كما لم يفت الوزير الإشادة بموظفي وزارة التجهيز والماء والخبراء والتقنيين ووكالات الأحواض المائية الذين ظلوا في حالة تعبئة مستمرة، مسخرين خبراتهم الميدانية لضمان استمرارية المرفق العام وحماية المنشآت المائية الحيوية، مما جسد صورة حية للتضامن الوطني والمهنية العالية في أحلك الظروف.

وشدد المسؤول الحكومي على أن مواجهة هذه الظروف الاستثنائية جسدت المفهوم النبيل للسياسة القائم على العمل الدؤوب والتتبع الميداني الصارم الذي لا يتوقف على مدار الساعة، معتبرا أن “سياسة الاستعراض” التي يحاول البعض الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي لا مكان لها في تدبير الأزمات الحقيقية التي تمس سلامة المواطنين، مؤكدا أن النجاح في احتواء الموقف جاء ثمرة لعمل استباقي متكامل وتنسيق وثيق مع كافة السلطات المعنية، مما مكن من اتخاذ القرارات الصائبة في توقيتها الحرج، وضمن تحويل التهديد المائي الكبير إلى تدبير محكم جنب البلاد والعباد تداعيات كارثية كانت لتعصف بالأرواح والممتلكات لولا الحزم واليقظة المستمرة.

إقرأ الخبر من مصدره