جناح السنة المبتورة

Écrit par

dans


سمير عزو

لقد بات النقاش حول حجية السنة النبوية متجاوزا؛ بيد أن النص القرآني المحفوظ من لدن الله صريحا ومحكما، فأضحى بذلك من الأولى “تثبيت العرش”، أي إثبات سلامة السنة ذاتها من تدخل الإنسان في تشكيلها؛ حتى نمضي بعد ذلك لنقش دورها.

نظريا، السنة النبوية هي التطبيق العملي لما جاء في التنزيل (القرآن)، لكن وقد تبين مع مرور الزمن عدم توافق سلوكات محسوبة على السنة(1) مع صميم وروح القرآن الحكيم. وما دام أن الإجماع المطبق على هذه السنة لم يحصل يوما بين كل المسلمين، وحيث أنه توجد رموز في طيات هذه السنة من قبيل “كذا وكذا، قال قولا، رجل، كان ما كان…”، وحيث نكاد لا نجد أثرا لأحاديث أقرب الناس لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن مراجعة ما سلف من مباني ومعايير “علم الرجال” أمسى ضروريا وملحا؛ خصوصا وأن منظومات التربية والتعليم في مجتمعاتنا(2) لا تخلو من شذرات تلاحق المسلمين أينما كانوا وارتحلوا؛ حيث انعكست على سلوكات عدد منهم، وتجلى فيها الازدواجية والانفصام صارخا، واستعصى اندماجهم إيجابا في دول المهجر، معتقدين بصواب أطروحاتهم.

ربما يعتقد البعض أن العامة فقط هم من يسيء لهويتنا، وبالتالي “يلزمنا أن نرجع للدين”… فقد عاد مناصرو الإسلام السياسي الحركي منذ تسعينات القرن الماضي إلى “أصول إحياء الخلافة على منهج السنة”، الشيء الذي أثار الخلاف والعنف بين الفرقاء. تصادم شهدناه في “عشرية سوداء” (1992/2002) بالجزائر، وعشرية ونصف (2011/2024) بسوريا، ناهيك عن ظاهرة تصفية المفكرين والأدباء، من محمد محمود طه بالسودان إلى فرج فودة بمصر. كما طال ذلك المخالفين للنسق العام، أي المذهب والحزب الواحد، أو ولاية ووصاية الفقيه(3)، كاغتيال الدكتور علي شريعتي، والشيخ حسن شحادة ورفاقه.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

إننا نضم سؤالنا إلى تساؤل الدكتور عدنان إبراهيم: أين هي أحاديث أهل بيت النبوة؟ أين أحاديث الإمام علي بن أبي طالب؟ أين أحاديث الحسن والحسين؟(4)

كيف يروى، حسب ابن حزم، خمسون حديثا مسندا للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد صاحب نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاش في كنفه إلى غاية أربعين هجرية، وقبلها ثلاثة عشر سنة في مكة، أي مجموع ثلاث وخمسين سنة، في حين يروي صحابة آخرون ألوفا من الأحاديث وهم صاحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضع سنوات(5).

لقد قال تعالى في حق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ الشورى: 23، وفيهم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: 33]، وقال: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ آل عمران: 61.

في فقه كل المسلمين، من خراسان (أفغانستان حاليا) إلى المغرب، أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل الكساء(8)، ففاطمة الزهراء هي “سيدة نساء أهل الجنة”(9)، والإمام علي بن أبي طالب هو “باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”(10)، و”قسيم الجنة والنار”(11). أما السبطان الحسن والحسين، فهما بنص جدهما: “إمامان قاما أو قعدا”(12)، بل إنه قال: “الحسين مني وأنا منه…”(13).

مهما يكن من حال، فإن العلماء قد اختلفوا في شأن صحة وتأويل هذه الأحاديث، تماما كما اختلفوا في هلال رمضان الواحد(14)، واختلفوا في تحديد بداية الليل من أجل “إتمام الصيام إلى الليل”(15)، في حين فضل بعضهم الآخر “صرف” معاني هذه الأحاديث إلى مجرد وجوب حب ومودة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن بلوغ الحق الواحد الأحد لا يتم إلا عبر حبلين ممدودين(16)، وجناحين يخفقان، لا بسنة مبتورة الجناح.

هوامش

(1) انظر مقالنا “الاختفاء وراء النبي وإشكالية القراءة العلمية للتراث”، جريدة هسبريس، الجمعة 13 مايو 2016.

(2) انظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية“، جريدة هسبريس، الخميس 20 مارس 2025.

(3) انظر مقالنا “ولاية ووصاية الفقيه“، جريدة هسبريس، الخميس 23 يوليوز 2015.

(4) في خطبة له بتاريخ سبتمبر 2012، ذكر الدكتور عدنان إبراهيم ما قاله ابن حزم: أن “الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لم يرو له إلا خمسون حديثا، منهم عشرون في الصحيحين”.

(5) كأبي هريرة مثلا، وهو عبد الله (أو عبد الرحمن) بن عامر (أو صخر) الدوسي. من حفاظ الصحابة، حتى أنهم اتهموه بالإكثار من الحديث، فقال في تبيان سبب ذلك: “إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل حديث أبي هريرة؟ وأن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإخواني من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة، ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون”. فأبو هريرة اعتنق الإسلام مع الوفد اليمني الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة 7 هـ/ 628 م، وقد بلغ عدد أحاديثه المنفردة في صحيح البخاري 93، وفي صحيح مسلم 189، فيما بلغت أحاديثه المشتركة في الصحيحين 325، وأحاديثه في المعتبرة 5374 حديثا. الملاحظ أن أقصى ما عاصر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم السنوات الأربع الأخيرة من عمره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم.

(6) في تفسير هذه الآية ذهب العلماء مذاهب، فمن قائل إن المراد هو “إلا أن تعرفوا حقي ومكان قرابتي منكم”، وهذا الذي رجحه كثير من المفسرين. ومن قائل إن المعنى هو “أن تودوني في قرابتي” أي في أهلي وذوي قرباي. ومن قائل “إن المعنى: إلا أن تتقربوا إلى الله تبارك وتعالى بما من شأنه أن يقرب ويزلف إليه من صالح الأعمال والأقوال”.

(7) في تفسير هذه الآية، يقول الطبري في “جامع البيان عن تأويل آي القرآن”، سورة آل عمران 61: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾، الجزء 5، الصفحة 473: حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا المنذر بن ثعلبة، قال: حدثنا علباء بن أحمر اليشكري، قال: لما نزلت هذه الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم.

(8) في موقع “إسلام ويب” المحسوب على “أهل السنة والجماعة”، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾. فهؤلاء الخمسة هم أصحاب الكساء، وأما جبريل فلم نطلع فيما وقفنا عليه من الآثار على ذكر له في القصة.

(9) حديث “فاطمة سيدة نساء أهل الجنة”، رواه أبو سعيد الخدري، الألباني في “صحيح الجامع”، الصفحة 4190، وقد أخرجه أحمد (11756)، والحاكم (4733) باختلاف يسير، والنسائي في (السنن الكبرى) (8514).

(10) حديث “أنا مدينة العلم وعلي بابها”، رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ في السنة وغيرهم كلهم عن ابن عباس مرفوعا مع زيادة: “فمن أتى العلم فليأت الباب”. ورواه الترمذي وأبو نعيم وغيرهم عن علي بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنا دار الحكمة وعلي بابها”. أما الدارقطني في العلل، فقد اعتبره حديثا مضطربا غير ثابت، كما قال الترمذي: منكر، وقال البخاري: “ليس له وجه صحيح”، ونقل الخطيب البغدادي عن يحيى بن معين أنه قال إنه “كذب لا أصل له”، وقال الحاكم في الحديث الأول إنه “صحيح الإسناد”، لكن ذكره ابن الجوزي بوجهيه في الموضوعات، ووافقه الذهبي وغيره، وقال أبو زرعة: “كم خلق افتضحوا فيه”، وقال أبو حاتم ويحيى بن سعد: “لا أصل له”. لكن قال في الدرر نقلا عن أبي سعيد العلائي: “الصواب أنه حسن باعتبار تعدد طرقه”، لا صحيح ولا ضعيف فضلا أن يكون موضوعا، وكذا قال الحافظ ابن حجر في فتوى له، قال: وبسطت كلامهما في التعقبات على الموضوعات. انتهى. وقال في اللآلي بعد كلام طويل: والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به. انتهى. وقال في شرح الهمزية لابن حجر المكي عند قولهما: كم أبانت عن علوم، أنه حسن، خلافا لمن زعم ضعفه. انتهى. وقال في الفتاوى الحديثية: رواه جماعة وصححه الحاكم وحسنه الحافظان العلائي وابن حجر. انتهى. وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه، وقيل إنه باطل، وهو مشعر بتوقفه فيما قالوه من الوضع، بل صرح العلائي بذلك فقال: وعندي فيه نظر. ثم بين ما يشهد لكن أبا معاوية حدث به عن ابن عباس وهو ثقة حافظ يحتج بإفراده كابن عيينة وأضرابه، قال: فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب فقد أخطأ، وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو كحديث: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر…”، فليس الحديث بكذب، لا سيما وقد أخرج الديلمي بسند ضعيف جدا عن ابن عمر أنه قال: علي بن أبي طالب: باب حطة، فمن دخل فيه كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا. وأخرجه أيضا عن أبي ذر رفعه بلفظ: “علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي، حبه إيمان وبغضه نفاق، والنظر إليه رأفة”. ورواه أيضا عن ابن عباس رفعه: “أنا ميزان العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها”. وروي أيضا عن أنس مرفوعا: “أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها”. قال في المقاصد: وبالجملة، فكلها ضعيفة وألفاظ أكثرها ركيكة، وأحسنها حديث ابن عباس بل هو حسن.

(11) حسب موقع “إسلام ويب” المحسوب على “أهل السنة والجماعة”، في هذا الحديث قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في (السنن والأحكام): هو من رواية علي بن زيد بن جدعان. وعلي بن زيد، فقد تكلم فيه جماعة من العلماء: فقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: ليس بشيء. وقال خ (البخاري): لا يحتج به. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة: حديث خز (صحيح ابن خزيمة) هب (يعني شعب الإيمان للبيهقي). بينما جاء في كتاب “طبقات الحنابلة”… قال وسمعت محمد بن منصور يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أن عليا قال: “أنا قسيم النار”؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: “لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق”؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار. قال: فعلي قسيم النار. ورد أيضا عند الحاكم الحسكاني، “شواهد التنزيل”، الجزء 2، الصفحة 264.

(12) حديث، حسب مدرسة أهل البيت، ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن والحسين (عليهما السلام): “هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا”، كفاية الأثر، ص 5 و6، بسنده إلى سلمان الفارسي. حيث كان العلماء منذ القرن الخامس يرسلونه إرسال المسلمات، وقد تقدمت عبارات بعضهم بأنه صح عن النبي، وذكر صاحب البحار أنه من المشهور، ج 43، ص 278، وذكر أن أهل القبلة اجتمعوا عليه. بل روي في كتب العامة (يقصد أهل “السنة والجماعة”) أيضا وبسند صحيح كمسند أحمد، ج 3، ص 3 وص 62، وفي سنن الترمذي، ج 5، ص 614، ح 3768، كما في “تاريخ بغداد”، ج 11، ص 90، وفي “كنز العمال”، ج، ص 112، حديث رقم 34246.

(13) “حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحب حسينا، الحسن والحسين من الأسباط”، حديث رواه يعلى بن مرة الثقفي، حدث به الألباني في “صحيح الجامع”، الصفحة 3146، أخرجه الترمذي (3775)، وابن ماجه (144)، وأحمد (17597) باختلاف يسير.

(14) انظر مقالنا المنشور على جريدة هسبريس، “هلال واحد وثلاثون رمضان“، 5 غشت 2010.

(15) انظر مقالنا المنشور على جريدة هسبريس، “الليل.. ما هو وما لونه؟“، 7 فبراير 2026.

(16) وردت العبارة في حديث الثقلين: “تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي”، روى الحديث مسلم في صحيحه، (4/1873، رقم 2408، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

إقرأ الخبر من مصدره