قبْض العصا من وسط

Écrit par

dans


سمير عزو

أمَا وقد تناولنا في المقالين السابقين ما يتعلق “بحجية السنة” التي اعتبرتها “مبتورة” ما دامت لا تكاد تحوي إلا بعضًا من أحاديث أهل الكساء (1)، لم يكن قصدنا بتاتًا إثارة مسألة قرية “فدك” التي وهبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة الزهراء (2).

بل ضربتُ حينئذٍ مثلاً لأحاديث الآحاد التي تُشرِّع نقيض ما جاء في صريح القرآن العظيم، وقلتُ إن مضامين ما وصلنا من أحاديث أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتمحور في عمومها حول الذكر والزهد والحنان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كأنما كان يُراد بها تأثيث الحقل وإضفاء نوع من التوازن على المشهد الحديثي العام.

وحيث تبيَّن من ردود بعض القراء انسياقهم للمنافحة على طرح حديث الآحاد دون قصدهم طبعًا الإساءة للقرآن العظيم، فاستعرضوا بعض “الحجج” الدالة، وفق نظرهم، على أن أجواء “المصاهرة” بين أهل البيت والصحابة وامتزاج “تسميات أبنائهم” يُفيد غياب أيِّ خلل أو تصادم بين الطرفين.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فإن كانت المصاهرة بالتالي معيارًا للمودة وطيب الخواطر، لم يكن ليضرب الله لنا مثلاً بامرأتي سيدنا نوح ولوط عليهما السلام، إذ قال: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا” [سورة التحريم: 10]، وإن كان من جهة الأسماء فالأمر سيان، لا يصمد لاعتبار أن غالب الأسماء العربية تُتوارث وليست حكرًا ولا وقفًا على أحد (إرث مشترك) (3).

وعليه، فإن الكلاسيكيين لا يزالون يصرون على بقاء تلك الهالة المضروبة حول الأصحاب أو صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رغم بعض النعوت الواردة ضمنًا أو صراحة في القرآن العظيم، ورغم الأحداث والوقائع التاريخية التي شهدها عصرهم، ولا تزال ترمي بظلالها على المتأخرين؛ منها كما ذكر المفكر حسن فرحان المالكي ما وقع في واقعة الحرَّة بالمدينة المنورة كشاهد على فضائع مرتكبيها، معقبًا على ذلك: “ثم يقول بعضهم (..هؤلاء أفضل ممن أتى بعدهم)، بينما ميَّز الله بينهم، فقال: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ” [سورة الحجرات: 15]، أي أن هناك من ارتاب وشك، وهناك الصادقون. كما ميَّز الله تعالى بين العباد حسب الرغبات، فقال: “مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ” [سورة آل عمران: 152].

وبالتالي، كما يسترسل حسن فرحان المالكي، لا يسوغ لنا أن نسبق الله تعالى ونعمم أو نضفي هالة الأفضلية على كل الصحابة، يقول سبحانه: “قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” [سورة الحجرات: 16]، ويقول كذلك: “أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” [سورة العنكبوت: 4].

إن من الأصحاب أو الصحابة من رفع صوته على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ” [سورة الحجرات: 2]، كما كان هناك من يَمُنُّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” [سورة الحجرات: 17].

ثم إن أصحاب موسى والأنبياء ضلوا وعبدوا الأوثان، فما الذي يستثني أمة محمد صلى الله عليه وآله؟ وهو القائل في الحديث المشهور: “لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُم.. حَتَّى لَو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ” (4).

فلا رؤية النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة، ولا صحبته تكفي، ولا قدر أهل بيته الكرام اكتسبوه لمجرد النسب، على اعتبار أن الأنساب هي أول ما يُهدَم يوم الحساب؛ قال المولى سبحانه: “فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ” [سورة المؤمنون: 101]. فمتى يتحرر العقل المسلم من أزمته الراقدة؟ كي يتصدى بكل تجرد وشجاعة أدبية لمظاهر الطائفية المقيتة (5). متى يتخلص من خوفه من البحث عن الحقيقة، فلا يقبض العصا من وسط؟

هوامش

(1) أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا”. فهؤلاء الخمسة هم أصحاب الكساء، وأما جبريل فلم نطلع فيما وقفنا عليه من الآثار على ذكر له في القصة. موقع “إسلام ويب” المحسوب على “أهل السنة والجماعة”.

(2) أرض فدك، قرية في الحجاز كان يسكنها اليهود، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فدك، فكانت ملكًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها مما لم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب. روى الكاشاني في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهبها لابنته فاطمة الزهراء عندما نزلت آية “وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ”؛ وهذا في “شواهد التنزيل” للحسكاني، ج1 ص338، طبعة بيروت، وكذلك السيوطي في “الدر المنثور”. كانت فدك تحت يد الزهراء فترة حياة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم.

(3) أبو الفرج الأصفهاني، “مقاتل الطالبيين”، ص89، ذكر رواية مفادها أن الإمام عليًّا عليه السلام قصد بتسمية ابنه بعثمان أنه عثمان بن مظعون رضي الله عنه.

(4) حسن فرحان المالكي، مقطع صوتي على اليوتوب لمداخلته في نقده لمعنى الصحبة، 23 فبراير 2025.

(5) انظر مقالنا “الطائفية والطائفية المقيتة“، جريدة هسبريس، 27 شتنبر 2024.

إقرأ الخبر من مصدره