الدراسات القرآنية المعاصرة بين التأويل العلمي و التضليل الايديولوجي(5/5)

Écrit par

dans

محمد بادرة

التوفيق بين النص القرآني والمعطى العلمي للدكتور موريس بوكاي

ولد الدكتور موريس بوكاي Maurice Bucaille في 19 يوليوز 1920، وكان طبيبا فرنسيا نشأ على الديانة المسيحية الكاثوليكية، وعمل طبيبا خاصا للملك الراحل فيصل بن عبد العزيز. ونظرا لعمله في الديوان الملكي السعودي فقد اهتم بالديانات السماوية الثلاث ودراسة وتحقيق الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى والمسلمين. ونظرا لتكوينه العلمي الطبي، قام بمقاربة العلاقة بين القرآن الكريم والحقائق العلمية، وتوج عمله بكتاب يحمل عنوان (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) La Bible, Le Coran et La Science، وهو الكتاب الذي حاز انتشارا واسعا وترجم إلى أكثر من سبعة عشر لغة عالمية.

في الكتاب قام موريس بوكاي بمقارنة بين الكتب السماوية الثلاث (القرآن الكريم والإنجيل والتوراة)، واستغرقت الدراسة قرابة ثلاثين عاما. وقد رتب موريس بوكاي كتابه وقسمه إلى الفصول الرئيسية الآتية:

الفصل الأول (أسفار العهد القديم): أشار فيه الكاتب إلى اختلاف النصوص المتداولة وإلى ضياع النصوص الأصلية الثلاثة التي كانت تقرأ في القرن الثالث قبل الميلاد. وأبرز المؤلف ما أصاب التوراة من تحريف وتغيير وتحوير خلال مدة ألفي عام، وما دخله من “تصويب” أو “تصحيح” مع اختلاف الروايات والترجمات، مؤكدا أن أسفار العهد الجديد قوامها الذاكرة، انتقلت بالإنشاد والرواية من جيل إلى جيل. وبمقارنة بعض الإشارات الواردة في أسفار العهد القديم بمعطيات العلم الحديث، استخلص المؤلف أن هذه الإشارات تتنافى كليا مع المعارف العصرية، وخصوصا المواضيع المتعلقة بـ(خلق العالم) و(الطوفان).

الفصل الثاني (كتاب الأناجيل): بيّن فيه الكاتب التناقض الموجود بين الأناجيل الأربعة التي تتباين رواياتها في عدد من المواضيع، وألقى نظرة على تاريخها ومصادرها المتعددة، ثم قارن أقوال ونصوص الأناجيل بالمعارف العلمية العصرية، مبينا تناقض تلك الأقوال وتعارضها مع العلم الحديث، وهو ما يجعل من الأناجيل كتبا تتضمن فصولا ومقاطع من صنع خيال الإنسان. غير أن هذه العيوب والتحريفات ليس من شأنها أن تشكك في وجود رسالة النبي عيسى عليه السلام، وإنما تخلق الشك حول مراحل سير هذه الرسالة.

الفصل الثالث: خصه الكاتب لموضوع ثبوت صحة القرآن الكريم، مبينا مراحل نزوله وتدوينه، مستخلصا من ذلك أن القرآن الكريم وحي منزل من عند الله تعالى، وأن يد البشر لم تعبث به ولم تتطرق إلى نصه زيادة أو نقصانا. وتناول بالبحث والتحليل مسائل النزول والجمع والتدوين المتعلقة بالمصحف الشريف، مستندا في ذلك إلى أصح الروايات التاريخية، ومستشهدا بالآيات الكريمة التي تثبت أن القرآن الكريم كلام الله المنزل.

لتأكيد ثبوتية القرآن وإعجازه، قام موريس بوكاي بمقارنة بين نصوص القرآن الكريم ونصوص من التوراة والإنجيل، مستعرضا ما يوجد بينها من اتفاق واختلاف حول مواضيع معينة وردت في الكتب السماوية الثلاث. فأثبت بالحجة والعلم أن ما ورد في القرآن الكريم من موضوعات ومعارف علمية وتاريخية تتعلق بـ(خلق العوالم) و(الطوفان) – على سبيل المثال – يختلف عما جاء في التوراة والإنجيل، مبرهنا على أن ما ورد في القرآن الكريم يتفق مع معطيات العلم الحديث، بخلاف ما ورد عن نفس المواضيع في أسفار العهد القديم والعهد الجديد.

توقف موريس بوكاي في أحد فصول هذا الكتاب عند دراسات المستشرقين، مفندا أقوالهم وأحكامهم الخاطئة التي يدعون فيها الحكم على الإسلام بأنه يمنع التقدم والتغيير، وذلك نتيجة جهلهم بجوهر الإسلام والقرآن الكريم أو تعمد القدح والتشويه المطلق لهما. وأكد على أهمية العلم وقيمة العلماء عند المسلمين. فموقف الإسلام من العلم مغاير تماما لما في الديانات الأخرى؛ فقد عملت الكنيسة على تقديم معطيات في مجالات كوسمولوجية وبيولوجية، وحين اعتقدت أن الأرض مركز الكون، ومن غير أن يكون لها سند من نصوص الكتب الإنجيلية، أعدمت واضطهدت من خالفها رأيها في ذلك، وما محاكمة غاليليو إلا صورة صارخة عن فساد الكنيسة وكتابها “المقدس”.

أما الإسلام فموقفه من العلم مغاير لما في الديانة المسيحية وكتبها المقدسة؛ فهو دين يدعو إلى التزود بالعلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة). ويقدم موريس بوكاي آيات وسورا قرآنية عن التنظيم السماوي وفكرة التطور البيولوجي والإخصاب النباتي والتناسل البشري، بل وبتفاصيل توضيحية توافق تمام الموافقة معطيات العلم الحديث، ولا شبيه لذلك في التوراة والإنجيل. بل إن الكاتب، عندما استقرأ النصوص الإنجيلية، أكد أنها ليست من وحي إلهي، إنما استوحت الكنيسة الإنجيلية تصوراتها “العلمية” من الفلسفة الأرسطية.

وظف موريس بوكاي الحقائق العلمية لتفسير الآيات القرآنية، باحثا فيها عن إشارات وظواهر أثبتها العلم الحديث، خصوصا في القسم الثالث من الكتاب الذي قدم فيه تفاصيل عن نتائج المقارنة بين نصوص التوراة والإنجيل من جهة ونصوص القرآن الكريم من جهة أخرى. وأخضع هذه النصوص المتضمنة لإشارات علمية عن نظام الكون والتطور البيولوجي لغربال النقد العلمي، ومنها مسألتا “خلق العالم” و”الطوفان”. واتضح له، بعد الرصد العقلي والبحث العلمي، أن النصوص التوراتية والإنجيلية تتنافى مع العلم، في حين وجد أن ما ورد في القرآن الكريم حول المسألتين يطابق العلم تمام المطابقة. وبذلك يسجل الفوارق التي تجعل نصوص القرآن مقبولة في العصر الحديث ونصوص التوراة والإنجيل مردودة، وهو ما دفعه إلى أن يحكم بأنه لا يتصور في الذهن أن يتمكن رجل من البشر عاش في القرن السابع الميلادي من أن يأتي في القرآن بأفكار ليست أفكار عصره، وذلك في مواضيع متعددة تطابق تمام المطابقة ما أثبته العلم بعد قرون من ذلك العصر. واعتقد أنه لا يوجد تفسير بشري للقرآن، ويقصد بذلك أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من صنع البشر.

ومن الحقائق العلمية التي وقف الكاتب طويلا في سردها وعرضها للقارئ المسألة العلمية المتعلقة بالتناسل البشري، مؤكدا أنها نظريات علمية كانت مجهولة في عهد النبي (ص)، حيث إنه في العصور القديمة والوسطى، بل إلى حدود عصر غير بعيد عن عصرنا هذا، كانت تحيط بمسائل التناسل البشري ضروب شتى من الأساطير والمعتقدات الباطلة. فكيف لا يكون الأمر كذلك، وقد كان على الإنسان، لكي يفهم المسائل المتصلة بالبناء التناسلي المعقد، أن يعرف علم التشريح، وأن يكتشف المجهر (الميكروسكوب)، وأن يشهد ميلاد العلوم الأساسية التي تزود منها علم وظائف الأعضاء وعلم الأجنة وعلم التوليد؟ إلا أن الأمر يختلف كل الاختلاف بالقياس إلى القرآن الكريم، الذي يذكر في عدد من آياته أجهزة بعينها بدقة، ويتناول مراحل التناسل فيحددها بوضوح، فلا يقدم إلى قارئه مسألة واحدة يشوبها ولو ذرة واحدة من خطأ. وقد بسط القرآن الكريم كل ذلك بعبارات سهلة يهون فهمها على الناس، وتوافق كل الموافقة ما اكتشفه العلم بعد مرور زمن طويل من نزول القرآن الكريم، ويلفت القرآن الكريم الانتباه إلى العديد من المسائل التي لها علاقة بالتناسل: “خلق الإنسان من نطفة…” سورة النحل.

إن ما نطق به القرآن الكريم في موضوع التناسل البشري ليبين بعبارات سهلة طائفة من الحقائق الأولى التي لم يكتشفها الإنسان إلا بعد قرون عديدة من الكد والاجتهاد العلمي.

قراءة موريس بوكاي للقرآن الكريم كانت مخالفة للمنهجية الاستشراقية، وقامت على منظور علمي تاريخي مقارن. واتخذ موريس بوكاي من العلم حكما على صحة النص القرآني، حيث كان يقوم بسبر أسرار القرآن وإدراك المعاني الخفية في آياته، مستخلصا النتائج، ثم يضعها في ميزان العلم، ويبحث عن مدى توافق النص الديني مع العلم. ومن بين هذه القضايا التي طرحها في ميزان البحث والتجريب: الطوفان، وخلق العالم، وخلق الإنسان، وعالم النبات والحيوان، وبعض القضايا التاريخية. وخلص إلى أن الكثير من الروايات التوراتية لا تتوافق مع المعارف العلمية الحديثة، وهو ما قاده إلى البحث عن مصدرية القرآن. واعترف في هذا الكتاب بقوة النص القرآني، وقال: (لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثا عن درجة اتفاق نص القرآن مع معطيات العلم الحديث. وكنت أعرف – قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات – أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظواهر الطبيعية… وأدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث).

وعندئذ يتساءل المؤلف: كيف يستطيع إنسان في القرن السابع الميلادي أن يكتب حقائق لا تنتمي إلى عصره؟ وهذا التساؤل كان مدخلا لتأكيد أن مصدرية القرآن ليست بشرية.

الدكتور موريس بوكاي لم يكن ينظر إلى العلم والدين أنهما متعاركان ومتصارعان، بل يراهما متباينين شكلا لكنهما غير متناقضين جوهرا. فهما لا يتناقضان من باب أن إثبات أحدهما لا ينفيه الثاني، ولا يتمايزان من باب أن ما يختص به أحدهما لا يختص به الآخر. ويجب التعامل معهما من منطلق استقلالهما عن بعضهما البعض، حيث إن لكل منهما لغة ومنهجا ومواضيع وغايات خاصة به؛ فما يشغل به العلم لا يشغله الدين، والعكس صحيح. فلكل مجال موضوعه: العلوم الطبيعية موضوعها العالم المادي، لكن الدين موضوعه العقائد والشرائع والطريق الروحي، أو بتعبير آخر فإن العلم مبني على منهج الاستدلال العقلي، أما الدين فهو يأخذ مبرره من التسليم القلبي.

إقرأ الخبر من مصدره