برميل النفط يتجاوز 100 دولار.. هل يحيي المغرب صندوق المقاصة لتسقيف أسعار المحروقات؟

Écrit par

dans

العمق المغربي

عاد النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب ليطفو على السطح بقوة، تزامنا مع الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، جراء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، حيث سجلت أسعار “الذهب الأسود” قفزات نوعية متجاوزة عتبات مقلقة.

وأثار هذا الارتفاع مخاوف واسعة لدى الفاعلين الاقتصاديين وعموم المواطنين من انعكاسات محتملة على الأسعار المحلية في محطات الوقود، مما أعاد إحياء المطالب الداعية إلى ضرورة تدخل الدولة عبر تفعيل آلية “تسقيف الأسعار” أو إعادة النظر في قرار تحرير القطاع لحماية القدرة الشرائية.

وفي خضم هذه التجاذبات بين تقلبات السوق الدولية والضغط الداخلي، يرى خبراء الاقتصاد أن قراءة الوضع تتطلب استحضار السياقات السابقة والمؤشرات الحالية بعيدا عن الانفعالات الظرفية، مؤكدين أن القرار الحكومي يخضع لمعادلات معقدة تتجاوز مجرد الارتفاع الآني للأسعار.

وفي هذا السياق، قال ياسين عليا، أستاذ الاقتصاد والباحث في السياسات العمومية، إن الارتفاع الذي يشهده سوق المحروقات عالميا لا يبرر في الوقت الراهن العودة إلى تسقيف الأسعار في المغرب أو التراجع عن خيار تحريرها، رغم بلوغ أسعار النفط مستويات مرتفعة خلال الأيام الأخيرة.

وأوضح عليا، في تصريح لجريدة “العمق”، أن سوق الطاقة الدولية تعيش مرحلة من عدم اليقين بعد تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل واستمرار منحى الارتفاع، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تراجع الأسعار في المدى القريب، وهو ما يعكس حالة شك تحيط بتطورات السوق العالمية.

وأضاف الباحث في السياسات العمومية أن النقاش حول إمكانية إلغاء تحرير أسعار المحروقات أو اللجوء إلى تسقيفها يظل مطروحا من الناحية النظرية، غير أن تطبيقه في الظرفية الحالية يظل مستبعدا، مبرزا أن المغرب شهد في فترات سابقة أسعارا أعلى بكثير دون أن تتراجع الدولة عن قرار تحرير الأسعار.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن أسعار النفط تجاوزت خلال فترة الأزمة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا مستويات تراوحت بين 140 و150 دولارا للبرميل، ورغم ذلك لم يتم التراجع عن نظام تحرير الأسعار أو العودة إلى آلية دعم صندوق المقاصة، ما يجعل اللجوء إلى هذا الخيار حاليا أمرا غير مرجح.

وأضاف عليا أن عددا من الفاعلين الاقتصاديين كانوا قد طالبوا في وقت سابق بتفعيل آلية تسقيف الأسعار استنادا إلى مقتضيات قانون حرية الأسعار والمنافسة، الذي يتيح للحكومة إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية لتحديد الأسعار لفترة محددة، إلا أن الحكومة لم تلجأ إلى هذا الخيار خلال الفترات السابقة التي شهدت ارتفاعا أكبر في الأسعار.

وأكد أن الأسعار الحالية، رغم ارتفاعها، لم تصل بعد إلى المستويات التي سجلت خلال سنة 2023 أو خلال ذروة أزمة الحرب الأوكرانية، وهو ما يجعل الحديث عن العودة إلى التسقيف أو إعادة تفعيل صندوق المقاصة غير مطروح في الوقت الراهن.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن تطورات الحرب في أوكرانيا تبقى عاملا أساسيا في تحديد اتجاهات سوق الطاقة العالمية، مبرزا أن التحولات المتسارعة المرتبطة بهذا النزاع تجعل من الصعب تقديم توقعات دقيقة أو رؤية واضحة لمسار الأسعار في المرحلة المقبلة.

وختم عليا تصريحه بالتأكيد على أن اللجوء إلى تسقيف أسعار المحروقات يظل خيارا ممكنا من الناحية النظرية، لكنه يرتبط ببلوغ السوق مرحلة أزمة حادة قد تهدد التوازنات الاقتصادية أو القدرة الشرائية بشكل كبير، مضيفا أن الوضع الحالي ما يزال بعيدا عن بلوغ تلك المرحلة القصوى التي قد تفرض مثل هذا القرار.

هل يعود المغرب لتسقيف أسعار المحروقات؟

في هذا السياق، أكد الدكتور المهدي قيل، أستاذ الاقتصاد والتدبير، أن تداعيات هذه الارتفاعات تُعد أشد وطأة على الاقتصاد المغربي مقارنة بغيره، بالنظر إلى ارتهان المملكة للخارج في تلبية نحو 90 في المائة من حاجياتها الطاقية، وهو ما يضع السوق الوطنية في مواجهة مباشرة مع صدمات السوق الدولية.

وأوضح الدكتور قيل، في تصريح لجريدة “العمق”، أن مقارنة دولية لأسعار المحروقات (استنادا إلى بيانات GlobalPetrolPrices) تُظهر تفاوتا واضحا في الأسعار النهائية للمستهلك.

ووفقا لأحدث المعطيات، يبلغ سعر لتر البنزين في المغرب حوالي 1.33 دولار، فيما يصل سعر الديزل إلى 1.156 دولار، وهي مستويات تُعد مرتفعة مقارنة بعدة دول في المنطقة العربية التي ما زالت تدعم المحروقات.

ويُعزى هذا الارتفاع أساسا إلى قرار المغرب تحرير أسعار المحروقات منذ فاتح دجنبر 2015، إلى جانب الثقل الجبائي الذي يمثل جزءا كبيرا من تركيبة السعر عند المضخة، لاسيما الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) والضريبة على القيمة المضافة (TVA).

وفي مقارنة دولية، لفت الخبير إلى أن الدول الغربية لا تعتمد الدعم المباشر الشامل؛ فالولايات المتحدة تطبق نظاما سوقيا بحتا، بينما تلجأ دول أوروبية كفرنسا وإسبانيا إلى آليات دعم “مستهدفة ومؤقتة” (مثل خصومات المضخة أو دعم قطاع النقل)، في حين تعتمد الصين نظاما تسعيريا موجها للحد من تقلبات الأسعار الداخلية.

وحول المطالب الداعية لإعادة إدراج المحروقات ضمن صندوق المقاصة لتسقيف الأسعار، استبعد أستاذ الاقتصاد هذا السيناريو، واصفا إياه بـ”الخيار المعقد ماليا واقتصاديا”.

وحذر قيل من أن هذه الخطوة ستعني تعريض الميزانية العامة للدولة بشكل مباشر لتقلبات أسعار النفط، مما قد يفتح الباب أمام فاتورة مالية يصعب التحكم فيها.

وذكّر بأن أعباء صندوق المقاصة (الذي يقتصر حاليا على دعم غاز البوتان، السكر، والدقيق) بلغت 30.1 مليار درهم في 2023، قبل أن تتراجع إلى 25.5 مليار درهم في 2024.

كما لم يغفل الخبير الإشارة إلى البعد السياسي لهذا النقاش، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، مما يجعل ملف المحروقات شديد الحساسية على مستوى التوازنات الماكرو-اقتصادية.

وبعيدا عن الحلول الترقيعية، شدد الدكتور قيل على أن الاستثمار في البنيات التحتية الطاقية يظل الخيار الاستراتيجي الأمثل لضمان الأمن الطاقي للمملكة، مبرزا في هذا الصدد أهمية المشاريع الكبرى، كمشروع “ميناء الناظور غرب المتوسط” الذي يضم مرافق ضخمة لتخزين المحروقات، ومشروع محطة الغاز الطبيعي المسال.

ورغم أن هذه المشاريع ستعزز قدرة المغرب على التخزين وتقلص مخاطر انقطاع الإمدادات، إلا أن الخبير أوضح بشفافية أن “تأثيرها على خفض الأسعار للمستهلك لن يكون مباشرا”، لأن السعر سيظل محكوما بالسوق الدولية والضرائب وهوامش الربح.

وخلص الخبير الاقتصادي إلى ضرورة تبني مقاربة متكاملة لتدبير أزمة الأسعار، ترتكز على تطوير آليات مؤقتة وشفافة لامتصاص الصدمات السعرية، وتوجيه الدعم المالي نحو القطاعات الأكثر تضررا، مثل قطاع النقل واللوجستيك، بدل الدعم المباشر الشامل.

كما دعا إلى تسريع السياسات الرامية لتقليص الارتباط بالوقود الأحفوري وتحسين النجاعة الطاقية وتعزيز شفافية السوق ونشر معطيات تركيبة الأسعار وتقوية أدوار مجلس المنافسة.

وختم قيل حديثه بالتأكيد على أن أي نقاش عمومي حول المحروقات يجب أن يُبنى على الأرقام والمعطيات الدقيقة، لضمان معادلة صعبة تتمثل في: الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين من جهة، وصون الاستقرار المالي للدولة من جهة أخرى.

إقرأ الخبر من مصدره