0
أشعلت الخرجة الإعلامية لرئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، عقب الزيادة الصادمة التي فرضتها شركات المحروقات منتصف ليلة الأحد/الاثنين، موجة غضب واسعة، بعدما وضعت المؤسسة أمام اختبار ثقيل يمس جوهر وظيفتها داخل سوق محرر يفترض أن تحكمه المنافسة الحرة والنزيهة.
وفجرت تصريحات رئيس مجلس المنافسة، التي ربط فيها فتح أي تحقيق بوجود شبهات جاهزة حول التواطؤ، نقاشا قانونيا ومؤسساتيا حادا، وأعادت طرح السؤال حول مدى استعداد المجلس لممارسة صلاحياته كاملة في واحد من أكثر القطاعات حساسية.
إن القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يمنح مجلس المنافسة صلاحيات واسعة للتحري والتقصي متى برزت مؤشرات جدية على اختلال السوق أو انحراف سلوك الفاعلين عن قواعد المنافسة، إذ أن هذا الإطار القانوني لا يحصر التحرك في حالة وجود اتفاق معلن أو ملف مكتمل الأركان، وإنما يفتح الباب أمام البحث منذ لحظة ظهور قرائن تثير الشكوك حول سلامة التنافس داخل السوق.
وتنص المادة السادسة من القانون ذاته على حظر الأعمال المدبرة والاتفاقات والتواطؤات، سواء كانت صريحة أو ضمنية، وهو مقتضى يشمل أيضا السلوك الموازي بين الفاعلين الاقتصاديين، حيث عندما ترتفع الأسعار لدى مختلف شركات المحروقات في التوقيت نفسه تقريبا وبالقيم نفسها تقريبا، فإن هذا التطابق يطرح علامات استفهام ثقيلة، ويفرض بحثا استكشافيا عاجلا بدل الركون إلى خطاب التريث.
كما أن استدعاء المقارنة مع الأسواق الأوروبية لتبرير الزيادات محليا يظل طرحا مبتورا، لأن تلك الأسواق تتحرك داخل سياقات ضريبية وتنظيمية مختلفة، وتتوفر فيها آليات تمتص جانبا من الصدمات وتحاصر أثرها على المستهلك.
أما في السوق الوطنية، فإن السؤال المركزي يرتبط بكيفية تشكل الأسعار، وبمدى حضور منافسة فعلية داخل قطاع يعرف تركيزا مرتفعا وهيمنة فاعلين نافذين.
وبالرجوع إلى تقرير مجلس المنافسة لسنة 2019 يكشف بوضوح أن المؤسسة نفسها تحدثت آنذاك عن ممارسات منسقة وسلوكيات متقاربة بين شركات المحروقات، واعتبرت أن بنية السوق تفتح المجال أمام تنسيق ضمني يؤثر على الأسعار وهوامش الربح.
ويبرز هذا المعطى حجم التحول الذي أصاب خطاب المجلس، بعدما انتقل من لغة الحسم إلى نبرة شديدة التحفظ في ظرفية لا تقل حساسية.
ويزداد الجدل حدة مع التفاوت الواضح في طريقة تدخل المجلس بين قطاع وآخر، حيث أنه في ملف المحروقات يطغى الحذر وتعلو نبرة التهدئة، بينما يظهر قدر أكبر من الصرامة في قطاعات أخرى.
ويفتح هذا التباين الباب أمام تساؤلات عميقة حول معيار التدخل، وحول مدى وحدة المسافة التي تضعها المؤسسة بين مختلف الفاعلين داخل السوق.
إن القضية اليوم تمس صورة مجلس المنافسة ودوره وحدود جرأته في مواجهة سوق يرزح تحت ضغط الاصطفاف السعري والتركز الاقتصادي. وعندما تتشابه الزيادات بهذا الشكل، وتخرج المؤسسة المكلفة بالضبط بخطاب يقترب من التبرير أكثر من المساءلة، فإن النقاش ينتقل من أسعار المحروقات إلى سؤال أكبر يتعلق بصلابة مؤسسات الرقابة نفسها.