العمق المغربي
كشفت صحيفة إل باييس الإسبانية في تقرير مفصل نشرته اليوم السبت أن الهجوم العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، وما رافقه من عمليات انتقامية للجمهورية الإيرانية في المنطقة منذ ثلاثة أسابيع، قد شهد استهدافا مباشرا للبنية التحتية المائية في مناسبتين، مبرزة أن ضرب منشآت مياه الشرب يعتبر هدفا شبه محرم، وأنه خلافا للضربات الموجعة التي طالت المصالح العسكرية والاقتصادية وقطاع الطاقة، فقد اتسمت هذه الهجمات بغموض كبير دون تبنيها رسميا أو الرد عليها بشكل مطول، بل جاءت بمثابة تحذيرات مبطنة وعالية المخاطر.
وأوضحت الصحيفة في سردها للوقائع أن الحادثة الأولى وقعت في 7 مارس الجاري حينما وجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتهامات صريحة للولايات المتحدة بشن هجوم على محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الواقعة بمضيق هرمز، مما أثر على إمدادات المياه لثلاثين بلدية، ورغم النفي القاطع للجيش الأمريكي، فقد حذر رئيس الدبلوماسية الإيرانية عبر شبكات التواصل الاجتماعي من أن واشنطن هي من أرست هذه السابقة وليس طهران، مشيرة إلى أنه في اليوم الموالي لتلك الواقعة، خرجت وزارة الداخلية في مملكة البحرين بتصريح رسمي تؤكد فيه أن طائرة مسيرة إيرانية تسببت في أضرار مادية لحقت بمحطة لتحلية المياه داخل البلاد.
وأضافت الصحيفة الإسبانية كمصدر لهذه المعطيات أن هذا التبادل الحساس للضربات لم يتصاعد حتى الآن واقتصر على إحداث أضرار محدودة، غير أنه يمثل تهديدا كامنا ومستمرا، خاصة بالنسبة للدول العربية الصحراوية في منطقة الخليج التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان، حيث يجعل قلة التساقطات المطرية وغياب الأنهار الدائمة واستنزاف احتياطيات المياه الجوفية، وسط نمو ديمغرافي واقتصادي سريع، سكان هذه الدول يعتمدون بشكل حيوي على شبكة هشة من محطات التحلية،
وأبرز المصدر ذاته أن هذه الدول الست تمتلك أكثر من 400 محطة تنتج ما يقارب نصف المياه المحلاة في العالم رغم أنها تمثل أقل من واحد بالمائة من سكان المعمور، كما تحتضن ثمانية من أصل أكبر عشر محطات على مستوى الكوكب، حيث تتراوح نسبة الاعتماد على التحلية في توفير المياه بين 18 بالمائة في السعودية و41 بالمائة في الإمارات وصولا إلى 61 بالمائة في قطر، بينما ترتفع هذه النسب إذا تعلق الأمر بمياه الشرب حصرا لتصل إلى 42 بالمائة في الإمارات و70 بالمائة في السعودية و99 بالمائة في قطر وفقا للإحصائيات المحلية المعتمدة.
وأكدت المادة الإخبارية نقلا عن محمد أبو حواش، الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية والخبير في سياسات المياه بالمنطقة، أن استهداف الموارد المائية يثير خوفا فطريا لدى الإنسان الذي يمكنه البقاء على قيد الحياة دون وقود أو تكنولوجيا بصعوبة، لكنه سيموت في غضون أيام قليلة دون ماء، وهو ما يفسر حالة الذعر التي انتابت البعض عند تسرب أنباء استهداف منشآت التحلية في البحرين وجزيرة قشم،.
وسجلت في السياق ذاته أن هشاشة الأنظمة الملكية في الخليج تنبع أيضا من كون العديد من محطاتها تتواجد لأسباب تتعلق بالكفاءة على السواحل وبالقرب من المناطق اللوجستية ومنشآت الطاقة التي تعتمد عليها في التشغيل، والتي أصبحت الآن أهدافا عسكرية، مما يجعل محطات المياه قريبة بشكل خطير من مرمى النيران، كما حدث في ميناء جبل علي التجاري بالإمارات، الأكبر في الشرق الأوسط، حيث سقطت بعض الهجمات على بعد عشرين كيلومترا فقط من مجمع المحطات الذي يزود دبي بالماء، وكذا في الكويت حيث أدى اعتراض طائرة مسيرة في أوائل مارس إلى نشوب حريق في محطة لتقطير المياه.
وأشار المنبر الإعلامي ذاته إلى توضيحات الخبير أبو حواش التي بينت أن إخراج هذه المنشآت من الخدمة ليس أمرا سهلا نظرا لضخامتها واحتوائها على محطات فرعية متعددة، مستدلا بمحطة رأس الخير في السعودية التي تضم حوالي 25 محطة فرعية وجبل علي في الإمارات التي تحوي ثماني محطات، مما يجعل تعطيلها بالكامل أمرا ممكنا ولكنه أكثر تكلفة وخطورة وتعقيدا، كاشفا من جهة أخرى أن إيران تنطلق من موقف أقل هشاشة لاعتمادها الكبير في التزويد على السدود والآبار، غير أن مواردها المائية المتجددة ومياهها الجوفية شهدت في السنوات الأخيرة تراجعا مهولا بالتزامن مع توالي فترات الجفاف واشتداد قسوتها، وهو ما أدى بالاقتران مع التوسع الحضري والصناعي والسياسات الزراعية المثيرة للجدل إلى بلوغ مستويات حرجة من ندرة المياه التي سبق وأن تسببت في اندلاع احتجاجات شعبية.
وتابعت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949، والذي يمثل جوهر القانون الدولي الإنساني، يحظر بشكل قاطع بغض النظر عن الدوافع شن هجمات ضد البنى التحتية التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، بما فيها منشآت مياه الشرب، ورغم مصادقة أغلبية الدول عليه، فإن إسرائيل والولايات المتحدة وإيران تندرج ضمن الدول الثلاث التي لم تصادق على هذا النص، موردة أن إسرائيل تمتلك سجلا حافلا في استهداف البنى التحتية المائية بالمنطقة، حيث دمر جيشها في يناير 2025 محطة التحلية بشمال غزة وحولها إلى ثكنة عسكرية وفقا لسلطة المياه الفلسطينية.
كما قطع التيار الكهربائي عن محطة أخرى في مارس من نفس العام، ناهيك عن توثيق منظمات غير حكومية لهجمات إسرائيلية متكررة أخرجت البنية التحتية المائية في لبنان عن الخدمة منذ أكتوبر 2023، لافتة في ختام المادة إلى أن السعودية سبق أن تعرضت خلال السنوات الماضية لهجومين استهدفا محطات للتحلية من طرف المتمردين الحوثيين في اليمن حلفاء طهران، وهي تراكمات دفعت دول المنطقة لاتخاذ تدابير استباقية قد تتسارع وتيرتها حاليا، وتشمل محاولة لامركزية البنية التحتية وتعزيز حماية الموارد الجوفية الشحيحة وبناء محطات أصغر حجما وأكثر تحصينا.