في صوته هدوء القرى الجبلية، وفي ملامحه شيء من صبر المهنة ودأبها. من تخوم إقليم أزيلال، وتحديدًا من قرية وريد التابعة لجماعة آيت ماجدن، شقّ محمد أسرى طريقه نحو شاشة القناة الثانية، حاملاً معه شغفًا بالصحافة ودروبها.
في هذا الحوار، نقترب من تجربته، ونلامس رؤيته للإعلام الثقافي في المغرب.
حدثنا عن مسارك المهني والشخصي، ولماذا اخترت الثقافة نافذة على الجمهور المغربي؟
نشأت في قرية وريد بإقليم أزيلال، هناك حيث تتشكل الأحلام بهدوء، لكن بإصرار عميق. التحقت بـالقناة الثانية سنة 2013، مباشرة بعد تخرجي من المعهد العالي للإعلام والاتصال، ومنذ ذلك الحين وأنا أشتغل ضمن مديرية الأخبار. راكمت تجربة تمتد لأكثر من ثلاث عشرة سنة في إعداد الروبورتاجات باللغتين العربية والأمازيغية، وهو ما أتاح لي الاقتراب من نبض المجتمع بتعدد روافده.
ومنذ أزيد من ثماني سنوات، أُعدّ وأقدّم الفقرة الثقافية الأسبوعية التي تُبث كل يوم جمعة ضمن النشرة المسائية. اختيار الثقافة لم يكن صدفة، بل كان قناعة راسخة بأن هذا المجال يختزل روح المجتمع، ويمنحنا فرصة للاقتراب من الإنسان في أعمق تجلياته، بعيدًا عن صخب اليومي وعناوينه العابرة.

من خلال تجربتك، كيف تقيم حضور الثقافة في الإعلام الوطني؟
تقييم حضور الثقافة في الإعلام الوطني ليس أمرًا بسيطًا، نظرًا لتشابك عناصر عدة؛ من تنوع الحقول الثقافية إلى تعدد الوسائط الإعلامية. ومع ذلك، يمكن القول إن الثقافة حاضرة، لكنها لم تبلغ بعد المستوى المنشود.
في المقابل، لا يمكن إنكار الجهود المبذولة عبر مختلف المنابر، سواء الورقية أو الرقمية أو السمعية البصرية، لتعزيز هذا الحضور. ونستحضر هنا ما تقوم به القناة الثانية، إلى جانب باقي قنوات القطب العمومي، من تخصيص حيز معتبر للثقافة، سواء عبر نشرات الأخبار التي تواكب التظاهرات الثقافية، أو من خلال الفقرة الأسبوعية، فضلًا عن برامج متخصصة تهتم بالأدب والفنون بمختلف تجلياتها، من موسيقى وسينما ومسرح.
ودعنا رمضان هذه السنة على إيقاع جدل كبير حول مدود الانتاجات الوطنية، في رأيك ما نقاط القوة والضعف في هذه الأعمال؟
الحديث عن نقاط القوة والضعف يظل مسألة نسبية، لأن الإبداع في جوهره اجتهاد فردي، قد يحظى بإعجاب فئة ويثير تحفظ أخرى. لذلك، أرى أن النقاش حول الدراما المغربية لا ينبغي أن يكون موسميًا، مرتبطًا بشهر رمضان فقط، بل يجب أن يكون نقاشًا مستمرًا، قائمًا على تقييم موضوعي وتحليل عميق، بعيدًا عن ردود الفعل السريعة والانطباعات السطحية.
ورغم الانتقادات التي تُوجّه للدراما المغربية، فمن الإنصاف الإقرار بأنها حققت خلال السنوات الأخيرة تراكمًا مهمًا، كماً وكيفًا. غير أن هذا التراكم، على أهميته، يظل محدودًا مقارنة بتجارب دول استطاعت أن تجعل من الدراما قوة ناعمة للتعريف بثقافتها عالميًا. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لاعتماد استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الدراما رافعة حقيقية للتسويق الثقافي، عبر إبراز غنى وتنوع الهوية المغربية.

ما أبرز التحديات التي تواجه المشهد الثقافي الوطني والصحافة الثقافية؟
من أبرز التحديات ضعف إقبال الجمهور على المضامين الثقافية، وهو أمر يرتبط بعدة عوامل، من بينها تراجع القراءة، وهيمنة البرامج الترفيهية، إضافة إلى التحولات التي فرضها الإعلام الرقمي والتكنولوجيا الحديثة.
كما أن هناك إشكالًا يتعلق بطبيعة البرامج الثقافية نفسها، حيث يغلب عليها أحيانًا طابع “النخبوية” في الطرح، ما يجعلها بعيدة عن الجمهور الواسع. ولتجاوز هذا التحدي، أعتقد أن الوقت قد حان لوضع استراتيجية واضحة لمصالحة الجمهور مع الثقافة، تبدأ بإعادة النظر في طريقة تقديم الخبر الثقافي، عبر تبسيطه وجعله أكثر جاذبية، خاصة لفئة الشباب، دون الإخلال بعمقه ومضمونه.