0
ما أعلنه صندوق الإيداع والتدبير بشأن إعادة تنظيم نشاط الاستثمار في الرأسمال لا يرقى إلى مستوى التحول النوعي الذي حاول البلاغ الإيحاء به، إذ أن إعادة ترتيب البنية الداخلية لا تصنع إصلاحا تلقائيا، ولا تمنح المؤسسة شهادة نجاعة مسبقة، ما دام جوهر التقييم يرتبط بثلاثة عناصر حاسمة: وضوح المسؤولية القانونية، صرامة الحكامة، وقابلية الأداء للقياس والمحاسبة، وعند هذا المستوى تحديدا يظهر أن البلاغ قدم صياغة أنيقة أكثر مما قدم ضمانات مؤسساتية دقيقة.
فالحديث عن الفصل بين مالك الأصول ومدبرها ينسجم، من حيث المبدأ، مع قواعد الحكامة الحديثة وتوزيع الأدوار داخل منظومات الاستثمار. إلا أن هذا الفصل يفقد وزنه العملي عندما لا تصاحبه هندسة واضحة للمسؤوليات حيث تحدد بكثير من الدقة؛ من يضع التوجه، ومن يتخذ القرار، ومن ينفذ، ومن يراقب، ومن يتحمل التبعات عند سوء التقدير أو تضارب المصالح أو ضعف العائد.
البلاغ استعمل لغة مريحة للمؤسسة، وترك الأسئلة الثقيلة معلقة، وهذا مكمن الخلل فالسوق لا يبحث عن بلاغات مطمئنة، بل عن بنية مساءلة لا تترك مناطق رمادية داخل القرار الاستثماري.
كما أن النشاط المتعلق بالاستثمار في الرأسمال لا يقاس بأسماء الكيانات ولا ببلاغات إعادة الهيكلة وإنما يقاس بالعائد، بجودة الانتقاء، بسرعة الحسم، بفعالية التتبع، وبالأثر الاقتصادي المباشر، وهنا تبدو الصورة أكثر هشاشة، حيث أن البلاغ قدم تشخيصا صريحا لأعطاب الهيكلة السابقة.
ولم يكشف مؤشرات دقيقة تبرر هذا التحول، ولا أوضح كيف ستنعكس الصيغة الجديدة على مردودية الاستثمارات وعلى جودة توجيه الرساميل.
وهو ما يضع المؤسسة أمام انتقاد مشروع: كيف يمكن تقديم إعادة التنظيم كخطوة استراتيجية كبرى من دون عرض الأساس المهني والرقمي الذي فرضها؟
فإحداث CDG Invest Gestion قد يبدو في الواجهة خطوة تقنية متقدمة، إلا أن التجارب المقارنة في عالم تدبير الأصول تؤكد أن خلق ذراع جديدة للتدبير لا ينتج تلقائيا استقلالية حقيقية ولا يضمن جودة القرار.
المسألة ترتبط بمنظومة كاملة: منطق التفويض، حدود السلطة، شفافية التقارير، نشر مؤشرات الأداء، إخضاع التدبير لتقييم خارجي، وربط الاستمرار في المسؤولية بالنتائج.
وفي غياب هذه الشروط قد تتحول البنية الجديدة إلى مستوى إضافي في السلم الإداري، يربك القرار أكثر مما يحسمه، ويخفف الضغط عن المسؤوليات أكثر مما يوضحها.
الأخطر أن البلاغ استند إلى مرجعية صندوق محمد السادس للاستثمار لإضفاء ثقل مؤسساتي على هذه الخطوة، وهو الاختيار الذي يوسع دائرة النقد ولا يضيقها.
لأن استحضار الأوراش الوطنية الكبرى يفرض لغة نتائج لا لغة أوصاف، ويفرض مؤشرات أثر لا مصطلحات حكامة فقط.
فعندما تربط مؤسسة بحجم CDG إعادة هيكلتها بالدينامية الوطنية للاستثمار، يصبح من حق المتتبعين أن يسألوا: أين الأثر المنتظر على تعبئة الرساميل؟ أين القيمة المضافة للاقتصاد الوطني؟ أين أثر ذلك على تمويل المقاولة، وعلى رفع جودة المحافظ الاستثمارية، وعلى تقوية الثقة في القرار الاستثماري العمومي وشبه العمومي؟
إن ما جرى تقديمه للرأي العام هو إعادة توزيع للأدوار داخل البناء نفسه أكثر مما هو حسم مع اختلالات عميقة في فلسفة التدبير، فعندما يغيب التشخيص المعلن، وتغيب الحدود الدقيقة للمحاسبة، وتغيب المؤشرات المنشورة، وتغيب آليات التقييم المستقل، يصبح من المشروع النظر إلى هذه الهيكلة كأنها إعادة إخراج تنظيمي لا كإصلاح يغير قواعد اللعبة.
في عالم الاستثمار لا تكتسب المؤسسات قوتها من هندسة الورق، ولا من بريق المصطلحات، ولا من زخرفة البلاغات قوتها تقاس بقدرتها على تحويل السلطة إلى مسؤولية، والقرار إلى مردودية، والحكامة إلى محاسبة، ما لم تثبت CDG أن هذه الهيكلة ستنتج هذا الثلاثي بوضوح وصرامة، فإن كل هذا التقديم يظل أقرب إلى تغطية راقية على أسئلة مؤجلة حول الفعالية والشفافية والمساءلة.