سعيد لقبي يكتب.. كان يا ما كان… آسفي… بوفرتونة: الحظّ الجميل في القصرية

Écrit par

dans

الأحداثبقلم: سعيد لقبي

**بوفرتونة: الحظّ الجميل في القصرية**

هناك أطباقٌ تسافر أكثر من البشر
تعبر الزمن، تغيّر أسماءها، وتبدّل قوامها… دون أن تفقد روحها

وبوفرتونة واحدة من تلك الحكايات

يُروى — وما تزال الكلمات تحمل صدى الأندلس — أنها جاءت من «Buena Fortuna»، من حظٍّ جميلٍ ركب البحر،
فما إن بلغ آسفي… حتى تعلّم التمهّل

في البداية، كانت حساءً
حظًّا يُشرب

في الرباط، ظلّت وفيةً لبدايتها
حمراء

ﻓﺎﻗﻊ ﻟﻮﻧﻬﺎ ﺗﺴﺮ ﺍﻟﻨﺎﻅﺮﻳﻦ

 حامضة، سريعة — كأنها لا تعرف الانتظار

«الفطور» الذي يُؤكل مساءً، وربما عشاءً… لأن الزمن هناك لا يعترض

لكن حين تصل إلى آسفي
يتغيّر كل شيء

كأن الأطلسي يعلّمها درسًا آخر
أن الحظّ لا يُشرب دائمًا… بل يُصنع

في آسفي، تبدأ الحكاية قبل الفجر
البحر يهمس، والبيوت تستيقظ على وقع الأيادي

دقيق القمح الصلب — لا الطريّ —
لأن ما يُراد له أن يدوم، يجب أن يُقاوم

في القصرية، تعاند العجينة أولًا
ثم تلين… لا بالقوة، بل بالصبر

ففي آسفي، لا يُقهَر شيء
بل يُروَّض

حول «الميدة»، يُعاد ترتيب العالم
ماء، ملح، دقيق
وذاك الجهد الذي لا يُرى، لكنه يُحفظ في الذاكرة

تُفرد العجينة

صغيرة ﻣﻜﻌﺒﺎﺕ
كأن الذاكرة نفسها تُشكّلها

ثم تصعد إلى السطوح
حيث الشمس والريح

ﻭﺑﺨﺎﺭ
وحيث الزمن يصبح مكوّنًا

يوم كامل
لا استعجال فيه

تستقرّ بوفرتونة في
بيت الخزين العتيق،
حيث تسكن بنات الدار

لا بناتٍ من لحمٍ ودم
بل مؤونةٌ تُربّي البيت كما يُربّيها:

الخليع، الزيتون المفرشخ، الحامض مصيّر، والكبّار،
مصطفّة في الݣنابر
تلك الجرار الطينية التي تحفظ الزمن كما تحفظ النكهة

وكانت ݣنابر المعاشات هي الأكثر حظوة
الأكثر إتقانًا
كأن الطين فيها يعرف سرّ الحفظ… وسرّ البقاء

هناك، في هذا الركن الصامت
لا يُخزَّن الطعام فقط
بل تُخزَّن الطمأنينة

وهنا تدخل بوفرتونة زمنًا آخر

زمن الإمتاع والمؤانسة
حيث لا تكون اللقمة لسدّ الجوع فقط
بل لتقاسم الحكاية
ولتذوّق الذاكرة جماعيًا

ثم، في يومٍ ما، تعود إلى الحياة

عند الظهيرة غالبًا
حين يكون الضوء واضحًا
والدجاج البلدي يُطهى ببساطة: ماء، ملح، وقليل من القزبر

تُؤخذ بوفرتونة «بالعين» —
فالقياس، هنا، لا يليق

تشرب المرق، تنتفخ، تلين…
والقمح الصلب، مرة أخرى، يقبل بالحنان — لكن بعد انتظار

ثم ينساب «ليدام» بهدوء
كأنّه خاتمةٌ يعرفها الجميع

وفجأة
يتناغم كل شيء

القسوة
الصبر
النار
وذلك الحنان الذي لا يُمنح… بل يُكتسب

يُؤكل الطبق في صمتٍ خاص
صمتٍ عامرٍ بالذاكرة

لأن بوفرتونة، في آسفي، ليست طبقًا فقط

إنها درس

فآسفي ليست مدينةً عادية
إنها تأخذ ما يأتيها — من الأندلس، من البحر، من البشر —
ثم تعيد صياغته

وفي قلب هذا التحوّل

بوفرتونة…
حظٌّ جميل
تعلّم أن ينضج… في القصرية

قليل من حلاوة الذاكرة
شيء من موسيقى الروح
جذر أمازيغي
نَفَس سفاردي
همس إفريقي
وظلّ أوروبي     

عابر   ﻏﻴﺮ

وفي قلب هذا الخليط

طبق

طبق بسيط
لكنه يقول كل شيء

نعم

آسفي ليست مجرد مدينة

إنها خلاصة

مغربٌ صغير
مغربٌ مُكثّف

Safi :Little Morocco

مغربٌ لا يُحكى فقط
بل يُترك… لينضج على مهل

هيئة التحرير9 أبريل، 2026

إقرأ الخبر من مصدره