المتنبي ووهبي والعدول.. والآخرون

Écrit par

dans

حسن الهيثمي

يُروى أن الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي، لما اعترض طريقه قطاع الطرق، حاول الانسحاب، غير أن أحد مرافقيه ذكّره ببيته الشهير: “الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم” فعاد إلى المواجهة حيث كانت نهايته.

استحضرتُ هذه القصة قبل أسابيع، عندما سألت وزير العدل عبد اللطيف وهبي بمقر البرلمان، عن سبب عدم تفعيله ما دعا إليه في مقال بعنوان “تعثرات العملية التشريعية”، منشور في كتاب جماعي سنة 2015، حيث انتقد آنذاك إحالة مشاريع قوانين على البرلمان دون إرفاقها بدراسة الأثر، معتبرا أن ذلك ينقص من جودة النقاش التشريعي.

غير أن جواب وهبي على سُؤالي، اكتفى فيه بالعبارة التالية: “ما بغيتش”، قبل أن يغادر القاعة التي احتضنت بداية العام الجاري يوما دراسيا حول مشروع قانون تنظيم مهنة العدول.

لايبدو أن الشعر وحده هو ما يُنسى، بل حتى المقالات أحيانا، وعبارة “مابغيتش” مُفارقة لافتة بين “النظرية” عندما كان وهبي برلمانيا في المعارضة و”التطبيق” عندما أصبح عضوا في الحكومة، وهو ما تطلب استدعاء المتنبي إلى قبة البرلمان لطرح السؤال التالي: هل يظل الفاعل السياسي وفيا لما يدافع عنه نظريا حين يَنتقل إلى موقع القرار العمومي، أم أن منطق السلطة يُعيد تشكيل المواقف ويخضعها لاعتبارات أخرى؟

وعلى طريقة أحد مرافقي المتنبي، يمكن أيضا استحضار ما كتبه عبد اللطيف وهبي في مقال يحمل عنوان “الأغلبية الحكومية والانحراف التشريعي”، منشور في الكتاب المذكور قدّم فيه “تأطيرا” لمفهوم الانحراف التشريعي بالاستناد إلى تطبيقاته في المجال الإداري الذي يتجسد فيه من خلال “استعمال السلطة لتحقيق أهداف غير تلك التي خولها لها القانون”، ليخلص إلى أن إثبات الانحراف التشريعي أكثر صعوبة من إثبات الانحراف الإداري، لارتباط الأول بتداخل الإرادة السياسية وصعوبة إثبات نية المشرع، ولا يستبعد وهبي حدوث ذلك، خاصة حين تتحول القاعدة القانونية إلى أداة لخدمة مصالح فئوية أو سياسية ضيقة بدل تحقيق المصلحة العامة.

وخلاصة القول، فإن المقالات التي كتبها عبد اللطيف وهبي عندما كان برلمانيا تكتسب راهنيتها عند إسقاط مضامينها على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول الذي أعدته وزارته وأحالته على البرلمان دون إرفاقه بدراسة الأثر، خلافا لما تنص عليه المادة 19 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، وهو ما طالب به الوزير في مقاله المشار إليه أعلاه.

كما أن الملاحظات المثارة في مقاله حول مظاهر الانحراف التشريعي تتقاطع مع النقاش الدائر حول حذف آلية الإيداع من مشروع قانون العدول واحتكارها من قبل الموثقين وحرمان العدول منها، بينما تُعد ضمانة أساسية لحماية أموال المتعاقدين وتعزيز الأمن التعاقدي.

وهو ما عبّر عنه وهبي بوضوح حين حذر من انحراف التشريع، عندما يُستعمل لضمان إعادة إنتاج مواقع القوة، غير أن هذا التحذير الذي نَبّه إليه “وهبي البرلماني”، سقط فيه للأسف “وهبي الوزير”.

باحث في القانون وعدل باستئنافية الرباط

إقرأ الخبر من مصدره