“الكوميديا ليست هزلا”.. حسن الفد يفكك مشروعه الفني في حضرة الأكاديميين بمعرض الكتاب

Écrit par

dans

زينب شكري

شهدت قاعة ابن بطوطة، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط 2026، يوم السبت، لحظة ثقافية لافتة جمعت بين النقاش الأكاديمي والتجربة الفنية، في لقاء مفتوح نُظم بمناسبة تقديم كتاب جماعي أنجزه باحثون وأكاديميون بهدف تفكيك المشروع الكوميدي للفنان المغربي حسن الفد.

وشكل هذا الموعد، الذي جاء في إطار الدورة الحادية والثلاثين للمعرض، فضاء للحوار حول مكانة الكوميديا داخل الحقل الثقافي، وأعاد طرح أسئلة عميقة تتصل بطبيعة هذا الفن وحدوده الجمالية والفكرية.

ويسعى الكتاب المعنون بـ”الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد”، والذي صدر باللغتين العربية والفرنسية عن دار “زرياب للدراسات والنشر والتوزيع”، إلى تفكيك تجربة حسن الفد من زوايا متعددة، تستحضر البعد السوسيولوجي والنقدي واللغوي والجمالي. ولم يكتفِ هذا التعدد في المقاربات بتتبع المسار الفني للفنان، بل وضعه داخل سياق أوسع يطرح أسئلة مرتبطة بتمثلات الكوميديا داخل المجتمع المغربي وبكيفية تلقيها ضمن الحقل الثقافي.

وفي مداخلته خلال هذا اللقاء، قدم حسن الفد تصورا مغايرا لما يُتداول عادة حول الكوميديا، مؤكدا أنها ليست مجرد وسيلة لإثارة الضحك أو شكلا من أشكال “الهزل” العابر، بل هي بناء فني قائم بذاته، يتطلب اشتغالا جماليا دقيقا، ينطلق من تشكيل الشخصيات ويصل إلى إعادة تركيب الواقع داخل قالب فني متكامل.

وأوضح أن اختزال الكوميديا في بعدها الترفيهي فقط يحجب تعقيداتها ويسقط عنها بعدها الإبداعي، معتبرا ذلك من أبرز الإشكالات التي ما تزال تلاحق هذا الفن داخل بعض دوائر التلقي.

وتوقف الفد عند الجدل الذي رافق صدور الكتاب، خاصة التساؤلات التي طُرحت حول جدوى تخصيص دراسة أكاديمية لتجربته، من قبيل: “من هو حسن الفد لننجز حوله كتابا؟”، معتبرا أن هذا السؤال، في جوهره، لا يتعلق بشخصه بقدر ما يعكس نظرة مجتمعية أوسع تُقزّم الكوميديا وتختزلها في وظيفة الإضحاك دون الالتفات إلى أبعادها الفكرية والجمالية.

ويكشف هذا الخلط بين الفكاهة كفن والهزل كاستجابة فورية للضحك —حسب تعبيره— نوعا من “الأمية الجمالية” التي تحول دون فهم هذا الشكل التعبيري في عمقه الحقيقي.

وفي السياق ذاته، شدد المتحدث ذاته على أن العمل الكوميدي، كما يتصوره، يقوم على بنية سردية متكاملة لا تقل تعقيدا عن باقي الأجناس الفنية، حيث تتداخل عناصر الكتابة والتمثيل والتشخيص لبناء عوالم قادرة على محاكاة الواقع وإعادة إنتاجه بصورة فنية.

وأضاف أن الضحك، رغم حضوره، لا يمثل الغاية النهائية، بل هو نتيجة لمسار إبداعي يشتغل على مستويات متعددة، من بينها اللغة والسلوك والمرجعيات الاجتماعية.

وعن خلفيته الفنية، أوضح الفد أنه ينطلق أساسا من تجربة مسرحية، وهو ما يجعله أقرب إلى فنان مسرحي يوظف الكوميديا ضمن مشروع أوسع، بدل أن يكون “فكاهيا” بالمعنى التقليدي، مشيرا إلى أن هذا التصور يفسر اهتمامه الكبير ببناء الشخصيات وتقمصها، ويبرز أيضا الصعوبات التي واجهها في بداياته مع نمط “الستاند آب”، الذي يعتمد على خطاب مباشر أكثر من اعتماده على التمثيل المركب.

وفي حديثه عن الأسس الجمالية التي يقوم عليها عمله، اعتبر الفد أن الواقعية تظل عنصرا محوريا في بناء التجربة الكوميدية، في امتداد لتقاليد فنية ضاربة في التاريخ، تعود إلى المسرح الإغريقي، حيث ارتبطت الدراما بفكرة محاكاة الواقع وإعادة صياغته، مبرزا أن قوة الشخصية الكوميدية لا تُقاس فقط بقدرتها على إضحاك الجمهور، بل بمدى تجذرها في السياق الاجتماعي والنفسي واللغوي، وهو ما يمنحها قابلية الاستمرار داخل الذاكرة الجماعية.

واستحضر في هذا الإطار تجربة عدد من أعماله، وعلى رأسها سلسلة “الكوبل” وشخصية “كبور”، لافتا إلى أن نجاح هذه النماذج يعود إلى الاشتغال المفصل على مكوناتها، سواء من حيث اللغة أو السلوك أو المرجعيات الثقافية.

واعتبر أن هذا العمق في البناء أدى في كثير من الأحيان إلى التباس لدى الجمهور بين ما هو واقعي وما هو تخييلي، وهو ما وصفه بأنه مؤشر على قوة الصدق الفني الذي يميز هذه التجربة.

وأضاف أن كل شخصية يشتغل عليها تُمنح قاموسها الخاص وطريقتها في التعبير الجسدي واللغوي، بما يجعلها تنفلت من القوالب الجاهزة وتتحول إلى كيان مستقل داخل المخيال الجماعي.

هذا التصور —كما أكد— هو ما يفسر قدرة بعض الشخصيات على الاستمرار والتجدد، وعلى فرض حضورها خارج الإطار الضيق للعمل الفني، لتصبح جزءا من الحياة اليومية للمتلقي.

وفي استحضاره لبداياته في عروض “وان مان شو”، أشار الفد إلى أن تجربة التفاعل مع الجمهور كانت عاملا حاسما في تطوير كتابته، مبرزا أن تلقي النكتة يختلف باختلاف السياقات الجغرافية والثقافية، مستحضرا تجربة مدينة مراكش، حيث كان الجمهور يتدخل أحيانا في مجرى العرض من خلال إضافة عناصر جديدة، وهو ما دفعه إلى وصفه بـ“الجمهور المؤلف”، في إشارة إلى دوره في تشكيل العرض بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، أبرز أن الكتابة الكوميدية، رغم تعدد وسائط عرضها، تظل في جوهرها كتابة سيناريو، أي شكلا من أشكال السرد الذي يلتقي فيه المسرح مع الرواية والسينما، من حيث بناء الحكاية وتطوير الشخصيات، مشددا على أن هذا التداخل بين الأجناس الفنية يمنح الكوميديا غنى خاصا، ويجعلها قادرة على استيعاب تحولات المجتمع والتعبير عنها بطرق متعددة.

إقرأ الخبر من مصدره