الطب النفسي في المغرب: حين يتحول الألم إلى وصفة دواء

Écrit par

dans

محمد قصير

ليس أخطر ما في المرض النفسي أن الإنسان يتألم، بل أن يتألم في بلدٍ لا يمنحه الوقت الكافي ليشرح ألمه. يدخل المريض إلى العيادة مثقلًا بالخوف، بالأرق، بنوبات الهلع، بالاكتئاب، بانكسارات العائلة، ببطالة طويلة، بعنف اجتماعي، بفقر صامت، وبأسئلة لا يجرؤ على قولها في البيت. ثم يخرج، في حالات كثيرة، بورقة صغيرة: دواء صباحًا، دواء مساءً، موعد بعد شهر، وانتهى الأمر.

هكذا يتحوّل الإنسان من قصة معقدة إلى جرعة.

وهنا تبدأ المأساة.

لا يتعلق الأمر بإنكار قيمة الطب النفسي، ولا بتبخيس دور الأطباء، ولا بدعوة المرضى إلى التوقف عن العلاج. الأدوية النفسية قد تكون ضرورية، بل منقذة، في حالات كثيرة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الدواء هو اللغة الوحيدة للعلاج، وحين يصبح الطبيب مضطرًا، بسبب الخصاص والاكتظاظ وضعف الموارد، إلى مقابلة الإنسان كما لو أنه ملف سريع لا ذاتٌ مجروحة. المغرب يواجه فعلًا تحديًا ضخمًا في الصحة النفسية؛ فقد أشارت معطيات رسمية نقلتها الصحافة إلى أن نحو 48.9٪ من المغاربة قد يواجهون اضطرابات نفسية في مرحلة ما من حياتهم، بينها الاكتئاب والقلق واضطرابات أخرى.

أمام هذا الرقم، لا يمكننا أن نواصل التعامل مع الطب النفسي باعتباره رفاهًا، أو عيبًا، أو تهمة اجتماعية. نحن أمام قضية صحة عمومية، وأمام جرح جماعي لا يُعالج بالصمت.

لكن السؤال المزلزل هو: هل يملك المغرب فعلًا منظومة علاج نفسي، أم يملك منظومة توزيع أدوية نفسية تحت ضغط الخصاص؟

تُظهر معطيات حديثة عن المغرب وجود خصاص كبير في الموارد البشرية المتخصصة في الصحة النفسية، إذ تتحدث تقارير عن أعداد محدودة من الأطباء النفسيين والممرضين المتخصصين مقارنة بحجم السكان والحاجة المتزايدة إلى الرعاية. كما أن منظمة الصحة العالمية، في أطلس الصحة النفسية الخاص بالمغرب، تدرج معطيات عن البنية والموارد والسياسات المرتبطة بالصحة النفسية، بما يكشف أن المسألة ليست انطباعًا شعبيًا، بل تحديًا مؤسساتيًا واضحًا.

هذا الخصاص لا ينتج عنه فقط موعد بعيد أو طابور طويل، بل ينتج عنه نمط كامل في العلاج: الطبيب لا يملك الوقت، والمريض لا يملك اللغة، والعائلة لا تملك الوعي، والمؤسسة لا تملك الإمكانيات. فيدخل الجميع في حلقة فقيرة: تشخيص سريع، وصفة سريعة، متابعة ضعيفة، ثم سنوات من الأدوية دون علاج نفسي عميق.

المريض النفسي لا يحتاج فقط إلى دواء. يحتاج إلى أن يُسمع. يحتاج إلى طبيب أو معالج يسأله عن تاريخه، طفولته، علاقاته، عمله، نومه، خوفه، أفكاره، صدماته، سياقه الاجتماعي، وحتى معنى المرض في حياته. لكن حين تكون العيادة مكتظة، وحين تكون الموارد قليلة، يصبح الإصغاء ترفًا. والمأساة أن الإصغاء في الطب النفسي ليس ترفًا، بل جزء من العلاج.

ثم تأتي المشكلة الثانية: هيمنة التفسير الكيميائي السهل.

كثيرًا ما يُقدَّم الاكتئاب أو القلق للمريض بلغة مختزلة: لديك خلل كيميائي في الدماغ. خذ هذا الدواء. ستتحسن. هذه الجملة قد تبدو مطمئنة لأنها تجعل الألم مفهومًا وبسيطًا، لكنها قد تكون خطيرة حين تتحول إلى تفسير وحيد. فالأبحاث الحديثة انتقدت بشدة التبسيط القائل إن الاكتئاب ينتج مباشرة عن نقص السيروتونين أو عن “اختلال كيميائي” بسيط؛ فقد خلصت مراجعة مظلية منشورة في Molecular Psychiatry إلى أن الأدلة لا تدعم بشكل مقنع فرضية أن الاكتئاب سببه انخفاض نشاط السيروتونين وحده. كما تؤكد الكلية الملكية للأطباء النفسيين أن فكرة أن مضادات الاكتئاب “تصحح اختلالًا كيميائيًا” هي تبسيط مخل، رغم إقرارها بأن لهذه الأدوية تأثيرات فسيولوجية ونفسية قد تساعد بعض المرضى.

بمعنى آخر: ليس المطلوب أن نرمي الأدوية من النافذة، بل أن نرمي الخرافة التبسيطية التي تجعل كل ألم بشري مجرد خلل كيميائي. الإنسان ليس مختبرًا فقط. الاكتئاب قد يكون مرتبطًا بالبيولوجيا، نعم، لكنه قد يكون أيضًا نتيجة عزلة، فقر، بطالة، عنف، صدمة، احتقار اجتماعي، فقدان معنى، فشل مدرسي، إدمان، زواج مريض، أو بيت لا يُطاق. حين نحصر كل هذا في “كيمياء الدماغ”، فإننا نغسل يد المجتمع من الجريمة، ونحوّل الضحية إلى دماغ معطوب فقط.

وهذه هي الخطيئة الكبرى: أن نحول المرض النفسي من سؤال اجتماعي وإنساني إلى وصفة طبية صامتة.

المغرب لا يحتاج فقط إلى أطباء نفسيين أكثر، بل إلى فلسفة جديدة للصحة النفسية. فلسفة تفهم أن العلاج لا يكون بالدواء وحده، بل أيضًا بالعلاج النفسي، وبالعلاج السلوكي المعرفي، وبالدعم الأسري، وبالتثقيف النفسي، وبمحاربة الوصم، وبإدماج الصحة النفسية في المدرسة والعمل والإعلام. منظمة الصحة العالمية نفسها، في تقريرها العالمي حول الصحة النفسية، تدعو إلى تحويل شامل في خدمات الصحة النفسية، وتؤكد أن الحاجات مرتفعة عالميًا بينما الاستجابات لا تزال غير كافية أو غير ملائمة في كثير من السياقات.

أين العلاج السلوكي المعرفي في المغرب؟ أين الجلسات المنتظمة؟ أين التقييم النفسي العميق؟ أين تتبع الأفكار الانتحارية؟ أين علاج الصدمات؟ أين العمل مع الأسرة؟ أين العلاج الجماعي؟ أين إدماج الأخصائي النفسي داخل المؤسسات العمومية بشكل فعلي؟ أين التكوين المستمر للأطباء والممرضين في مهارات الإصغاء والتواصل؟ أين البحث العلمي المغربي في الاكتئاب والقلق والانتحار والإدمان والصدمة؟ أين الدراسات التي تقول لنا كيف يمرض المغربي نفسيًا، لا فقط كيف نترجم تشخيصات مستوردة؟

العالم لا يسير نحو الطب الدوائي وحده. إرشادات علاج الاكتئاب مثلًا، ومنها إرشادات NICE البريطانية، لا تختزل العلاج في الدواء، بل تقدم مسارات متعددة تشمل العلاجات النفسية، واتخاذ القرار المشترك بين المريض والمعالج، وتقييم الحالة حسب الشدة والتفضيلات والحاجة السريرية. كما أن الجمعية الأمريكية لعلم النفس توصي بتدخلات علاجية نفسية مبنية على الدليل لعلاج الاكتئاب عبر الفئات العمرية المختلفة، وتؤكد أهمية التشخيص الدقيق ومناقشة خيارات العلاج ومراقبة التقدم.

أما عندنا، فكثير من المرضى لا يعرفون حتى أن العلاج النفسي ليس “هدرة خاوية”، وأن العلاج السلوكي المعرفي ليس ترفًا للأغنياء، وأن الجلسة النفسية ليست مجرد فضفضة، بل تقنية علاجية مبنية على نماذج علمية. حين يغيب هذا الوعي، يصبح الدواء هو الخيار الوحيد المتاح، لا لأنه دائمًا الأفضل، بل لأنه الوحيد الموجود. وهذا فرق خطير.

الأخطر من ذلك أن بعض المرضى يدخلون في رحلة طويلة مع الأدوية دون شرح كافٍ: ما التشخيص؟ لماذا هذا الدواء؟ ما آثاره الجانبية؟ متى يبدأ مفعوله؟ متى نراجعه؟ هل يمكن إيقافه فجأة؟ ما خطة العلاج؟ ما دور العلاج النفسي؟ ما دور الأسرة؟ ما علامات الخطر؟ حين لا تُطرح هذه الأسئلة، يتحول العلاج إلى علاقة سلطة: الطبيب يكتب، والمريض يبتلع، والمجتمع يطلب منه أن يصمت.

نحن لا نحتاج إلى شيطنة الطبيب النفسي. كثير من الأطباء يعملون في ظروف صعبة، أمام ضغط هائل، ونقص في الموارد، ومرضى أكثر من قدرة المؤسسة. لكن النقد هنا موجه إلى المنظومة: منظومة تجعل الطبيب يشتغل كموظف إطفاء أمام حرائق نفسية لا تنتهي. منظومة لا تمنحه الوقت، ولا تمنح المريض حقه في الإصغاء، ولا تمنح العلاج النفسي مكانته، ثم تتظاهر أن المشكلة في “وعي الناس” فقط.

المطلوب اليوم هو ثورة هادئة في الصحة النفسية بالمغرب.

أولًا، يجب الاعتراف بأن الخصاص في الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين ليس مشكلًا إداريًا بسيطًا، بل سبب مباشر في تدهور جودة العلاج. لا يمكن لطبيب واحد أن يعالج طوابير طويلة ويمنح كل مريض حقه في الزمن والإنصات والتتبع.

ثانيًا، يجب إدماج العلاج النفسي، وخاصة العلاج السلوكي المعرفي والعلاجات المبنية على الدليل، في القطاع العمومي، لا تركها حكرًا على من يملك ثمن الجلسات الخاصة.

ثالثًا، يجب وقف الخطاب الاختزالي الذي يعزي كل اضطراب نفسي إلى “خلل كيميائي” كأنه حقيقة نهائية. هذا التبسيط قد يريح المريض لحظة، لكنه يسجن فهمه لذاته في دماغه وحده، وينسى أن الإنسان ابن بيئته وجرحه وتاريخه.

رابعًا، يجب إطلاق بحث علمي مغربي حقيقي حول الصحة النفسية: بحوث ميدانية، إحصاءات حديثة، دراسات عن الانتحار، الإدمان، العنف الأسري، الصدمات، الصحة النفسية عند الشباب، أثر البطالة، أثر المدرسة، أثر الفقر، وأثر الوصم. لا يمكن إصلاح منظومة لا نعرفها علميًا.

خامسًا، يجب إعادة تكوين الأطباء والممرضين ومهنيي الصحة في التواصل العلاجي. المريض النفسي لا يأتي فقط طلبًا للدواء، بل يأتي غالبًا محملًا بالخجل والخوف والشعور بالذنب. كلمة باردة من الطبيب قد تكسر ثقته في العلاج، وكلمة إنسانية قد تكون بداية نجاته.

سادسًا، يجب إدراج الثقافة النفسية في المدرسة والإعلام. لا يعقل أن يتخرج التلميذ وهو يعرف معادلات رياضية ولا يعرف كيف يفهم نوبة هلع، أو كيف يطلب المساعدة، أو كيف يميز بين الحزن والاكتئاب، أو كيف يتعامل مع صديق يفكر في الانتحار.

إن الطب النفسي في المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الوصفات فقط، بل إلى مزيد من الإنسان. يحتاج إلى أن يستعيد السؤال الذي ضاع وسط الخصاص: من هو هذا المريض؟ ماذا عاش؟ ماذا فقد؟ ماذا يخاف؟ ماذا يحتاج غير الدواء؟ ما الذي يقوله مرضه عن حياته؟ وما الذي يقوله مرضه عن مجتمعنا؟

حين يشتكي آلاف الناس من القلق والاكتئاب والانهيار، فليس من الحكمة أن نقول لهم جميعًا: أدمغتكم مختلة كيميائيًا. ربما ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا فعلنا بهم كي تصبح أدمغتهم عاجزة عن احتمال الحياة؟

المرض النفسي ليس عيبًا. لكن العيب أن نترك المريض وحيدًا بين وصمة المجتمع، وعيادة مكتظة، ووصفة غير مشروحة، وغياب شبه كامل للعلاج النفسي المتاح. العيب أن نحول الألم إلى سوق دوائية، وأن ننسى أن الإنسان لا يُعالج فقط بتعديل كيمياء دماغه، بل بإعادة الاعتبار لكرامته، وصوته، وحكايته.

نحن في حاجة إلى طب نفسي مغربي أكثر علمًا، وأكثر تواضعًا، وأكثر إنسانية.

طب لا ينكر الدواء، لكنه لا يعبده.

طب لا يحتقر البيولوجيا، لكنه لا يختزل الإنسان فيها.

طب لا يكتفي بأن يسأل: ما الأعراض؟

بل يسأل أيضًا: أي حياة جعلت هذه الأعراض ممكنة؟

إقرأ الخبر من مصدره