عبد المالك أهلال
كشف كتاب جديد صدر حديثا تحت عنوان “الديمقراطية في مواجهة الأزمات: عيوب الليبرالية الجديدة، تهديدات الشعبوية ومخاطر الرقمنة”، لأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أمين السعيد، عن التحديات العميقة التي تواجه الأنظمة الديمقراطية في السياق العالمي الراهن، مقدما قراءة نقدية لمسار التحول الديمقراطي وما بعد الموجة الثالثة.
وبحسب الإصدار الأكاديمي فقد تعرضت الديمقراطية منذ عقدين لتدفق هائل من الإخفاقات، مما دفع منظري الانتقال الديمقراطي إلى صك مصطلحات متعددة لوصف هذه الحالة، من قبيل التآكل الديمقراطي، والتراجع، والضيق، والديمقراطية في حالة طوارئ، مشيرا إلى أن هذه المفاهيم تتقاطع في التأكيد على أزمة الديمقراطية وغموض مستقبلها في ظل العودة القوية للأنظمة السلطوية، ومبرزا الحاجة إلى التفكير العميق في أسباب توقف ديمومة الديمقراطية، خاصة بعد صدمة جائحة كوفيد 19 التي أفرزت جدلا واسعا في الأوساط الفكرية والإعلامية والسياسية امتدت تداعياته قاريا وكونيا.
وأكد المصدر ذاته، من خلال استعراضه للفصل الأول، وجود إجماع في التقارير الدولية المتخصصة على تراجع مؤشرات الديمقراطية عالميا، حيث انشغل المؤلف بمحاولة فهم أسباب هذا الانحدار في ضوء تقاطع الأحداث الدولية، مبرزا كيف تأثرت الديمقراطية بعد أحداث كبرى كالحرب على الإرهاب، والتدخل العسكري العنيف للإطاحة بالنظام العراقي بحجة نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وهو المسار الذي انتهى بفشل كبير إثر عدم تقديم أدلة تثبت حيازة نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، فضلا عن تواري فكرة الديمقراطية في التنافس السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية.

وأشار المرجع نفسه، ضمن تحليله للفصل الثاني، إلى التداعيات السلبية لتطبيق مبادئ الليبرالية الجديدة على الديمقراطية التمثيلية، متتبعا جذورها مع ما يعرف بـ “أولاد” مدرسة شيكاغو، وكيفية فرضها في دول أمريكا اللاتينية بطرق وُصفت بأنها “غير شرعية”، مبرزا أن مثالب هذا النظام الاقتصادي المعولم وانتكاساته أدت إلى إحياء الأصوات اليسارية المناهضة له، والداعية إلى البحث عن أسباب سوء تطبيق مبادئ الليبرالية لإعادة رسم وظيفة سيادة الدولة الوطنية، استجابة لظواهر تراجع منسوب الثقة وضعف مؤسسات الوساطة وتنامي العزوف الانتخابي.
وتابع الكاتب في فصله الثالث تحليل العلاقة المعقدة والملغومة بين الديمقراطية والشعبوية، مسجلا أن هذه الأخيرة لا تنشأ إلا في أحضان البيئة الديمقراطية الحاضنة للتنافس، حيث استغلت الأحزاب اليمينية المتطرفة السخط الشعبي لتحقيق انتصارات انتخابية مكنتها من تضييق الحريات وإسكات الأقليات وإجراء تعديلات دستورية ذات فلسفة سلطوية، كما تم تأويل نجاح دونالد ترامب بولاية ثانية كانهزام لليبراليين المدافعين عن الديمقراطية، في حين تحاول الشعبوية اليسارية، التي تتغذى من عيوب الليبرالية الجديدة، تنشيط التجديد الديمقراطي رغم محدودية انتصاراتها الانتخابية إلى حدود نهاية سنة 2024.
وأضاف المؤلف مقاربة تحليلية لأزمة الجائحة ضمن الفصل الرابع، طارحا تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الديمقراطية معرقلة لحل أزمة وباء كورونا، ومسلطا الضوء على السردية التي تروج لتفوق سياسات الأنظمة السلطوية اقتصاديا خلال الجائحة مقابل كسوف ملحوظ للأنظمة الديمقراطية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الغرب على مواجهة الأزمات في ظل ما يمكن قراءته كانتصار مجازي للأنظمة السلطوية على الوباء، مما يفتح النقاش حول إشكالية توصيف الأنظمة السياسية التي تقع في المنطقة الرمادية والمزيفة.
وكشفت صفحات الفصل الخامس التطورات المتسارعة وغير المسبوقة للثورة الرقمية وتأثيرها على الديمقراطية، مبرزة كيف تحولت شبكات التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير والتعبئة، كما حدث إبان ما عُرف إعلاميا بـ “الربيع العربي”، إلى منصات توظفها مؤسسات الليبرالية الجديدة وجماعات المصالح والشركات الربحية والتيارات المتطرفة لنشر التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة والتحريض على الكراهية، محذرة من انتباه الأنظمة السياسية بمختلف أشكالها لهذه التكنولوجيا لتحويلها إلى أداة لتعزيز الرقابة الرقمية الذكية، مما أنتج ظاهرة خطيرة اصطلح عليها بـ “السلطوية الرقمية”.